نرى في المشهد السوري أنّ الانقسامات في المجتمع تزداد اتّساعاً وعمقاً، والعصبيات، بصورها المختلفة، تشتدّ حدّتها وتتسارع وتيرتها، وتفاقمها مواقع التواصل الاجتماعي بمنصّاتها كلّها، إضافةً إلى تخبّط الخطابَين الإعلاميَّين الرسمي والرديف وفوضويتهما.
ويقع في كلّ حين حدث ما يزيد من اضطرام هذه العصبيات وهذا التشرذم في المجتمع، فيزيد الاستقطاب والاصطفاف والتمسّك بالهُويَّات الفرعية التي أصبحت تنتعش وتزداد سطوتها على حساب الهُويَّة الوطنية التي يحتاجها الشعب السوري، وكان جديدها أخيراً قضية الصبيّة بتول سليمان علوش التي ما زالت تشكّل إشكاليةً يتناولها الجميع، وتُسخّر في خدمة أجندات متباينة، فتزيد من الاحتقان والتوتّر والانقسام، من دون أداءٍ مسؤول من الحكومة تجاه قضيتها.
هناك عقول سورية تفكّر وأصوات متنوّعة ومنظورات متعدّدة حول الواقع الحالي والمستقبل، إنّما ليست منظّمةليست قضية بتول، أو قضية اختطاف الفتيات والنساء التي يغلب على كثير منها الطابع الطائفي، الوحيدة، بل هناك مشكلات وأحداث متنوّعة، منها كثير ممّا يمكن إرجاعه إلى إجراءات وتدابير حكومية تصدر في بعضها قوانين وتشريعات، يُفاجأ بها المواطنون من دون مقدّمات أو من دون إشراك لممثّلين عن الشعب في صياغتها، هذا ما يشعل الفضاءين، الواقعي والافتراضي، في آن، علاوةً على الوضع المعيشي الذي بات أكبر معاناة تعيشها الغالبية الساحقة من الشعب.
فنرى، في النهاية، أنّ سقف الوعي الجمعي ينخفض باستمرار، وتصبح الانتماءات الضيّقة، بمختلف أشكالها، هي الملاذ والمحرّك في الوقت نفسه، في غياب شبه تام للنُّخب التي يمكن أن تكون مؤثّرةً إيجاباً، وحاميةً للوعي والوجدان الجمعي ومنعه من الانزلاق في هذه الدوامة العدمية من العنف بأشكاله كافّة التي تهدّد المجتمع وترفع الحواجز في مسيرة أيّ تقدّم نحو الأمام.
في الواقع، وبعد نحو نصف قرن من محاصرة الحياة السياسية في سورية إلى أن وصلت إلى حدّ الانعدام، بات تنظيم المجتمع والاشتغال على الوعي العام ضرورةً ملحّةً للخروج من هذه اللُّجّة التي تغلي، وإنقاذ الشعب الذي بات يحتاج علاجاً إسعافيّاً قبل أن تضاف جروح أخرى إلى جروحه التي لم تندمل، بل ما زالت مفتوحةً، يزيد مرور الزمن عليها من دون علاج من ألمها ونزيفها ولهيبها، بل بانتهاكها في بعض الحالات بقصد أو من دونه.
هذا الواقع المؤلم يجعل مع الوقت الثقة بالحكومة والجهات الرسمية تتراجع لدى عديد من مكوّنات الشعب، ويفسح المجال لتنامي المظلوميات التي لم تُعالج بعد، ولا بأيّ طريقة، إن كانت مظلوميات قديمة أو حديثة.
وترك الشعب في هذا المستنقع سيزيد تعقيد المشكلات التي قد تصبح معضلات صلدة مع الوقت، إضافة إلى جعل نسبة كبيرة من الشعب يشعر بالتهميش وبأنّ حياته بتفاصيلها كلّها من أقلّها هامشية إلى أعقدها حياتياً، ليست ملكه، بل هناك دائماً من يتحكّم بها فيفقد أهم حقوقه، حقّ أن يكون له كرامة مصونة، ورأي يستطيع التعبير عنه.
أمام هذا الواقع، لا بدّ من طرح الأسئلة، أسئلة العتبة التي يمكن البناء وتأسيس قاعدة متينة تحمي من الهزّات المتلاحقة.
هناك عقول تفكّر وأصوات متنوّعة ومنظورات متعدّدة حول الواقع الحالي والمستقبل، إنّما ليست منظّمة، لا تعدو أن تكون جُزراً منفصلة في بحر موّار، لا بدّ من تلاقي هذه الجزر واستثمار جهودها ونظرياتها ورؤيتها حول المستقبل، وهذا لا يحصل من دون أحزاب سياسية.
هذه الحرّيات التي يتحدّث عنها بعضهم، وأنّها أصبحت متاحةً ومحميةً بعد سقوط نظام القمع والاستبداد، ليست حرّيات مثمرة أو يمكن أن تُحدث فارقاً في الوعي الشعبي، بل هي لا تعدو أن تكون صيحاتٍ في الخلاء كمن يمرّن صوته على الصراخ، هي صرخاتٌ لا تعبّر عن واقع أو رؤية، لا بدّ من وجود أحزاب ومجتمع مدني تتعاون في رصد الواقع، ورصد أداء الجهات الرسمية، ما يعني ضرورة وجود معارضة تحمي من الانزلاق في صدوعٍ خطرة قد لا يكون هناك احتمال للعودة منها.
فالمعارضة لا تقتصر على النقد فحسب، بل تقدّم أيضاً بدائل سياسية، أو على الأقلّ وجهات نظر مغايرة لما تراها الحكومات حلولاً أمثل، وتتيح تنوّع الآراء وتضمن أن تُسمع اهتمامات جميع فئات المجتمع ما يوفّر للمواطنين رؤية مختلفة للسياسات العامّة أيضاً.
المعارضة بأبسط تعريف هي مجموعة الحركات التي تعارض قرارات أصحاب السلطة، أو مجموعة الحركات والأحزاب التي تعارض القوى السياسية التي تدير الدولة، فهي بذلك حالة صحّية تماماً في حياة الشعوب، إنّها تحمي الحكومات من الأخطاء والانزلاق نحو خياراتٍ قد تكون ضدّ مصلحة الشعب أو الدولة.
وبالنسبة إلى سورية، حتى لو كان مجلس الشعب أو البرلمان معطّلاً، لا ندري إلى متى، فإنّ المعارضة يمكن أن تكون خارج البرلمانات أيضاً، وليس من الضروري أن تحتلّ مقاعد البرلمان، إنّما يمكن أن تشكّل جسداً مستقلّاً ينبثق من الشعب أيضاً، ولها دور كبير في تنقية الوعي الجمعي، وهي صاحبة عين تتابع وتراقب أداء الحكومات ومدى استجابتها لمصالح الشعب، وهل تقدّم كشفاً للحسابات وتلتزم بمبادئ الشفافية والإنصاف.
وجود المعارضة السياسية يعزّز الشعور بالعدالة في توزيع الأدوار الفاعلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك