تشهد وزارة الخارجية الأميركية موجة غير مسبوقة من مغادرة الدبلوماسيين المهنيين، وسط تحذيرات من مسؤولين حاليين وسابقين من أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تُضعف أحد أبرز أدوات القوة الناعمة الأميركية في العالم، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة أزمات دولية متصاعدة تمتد من الشرق الأوسط إلى أوروبا وأفريقيا.
ووفقاً لجمعية الخدمة الخارجية الأميركية، غادر نحو ألفي دبلوماسي السلك الدبلوماسي خلال العام الماضي، سواء عبر التسريح أو التقاعد الإجباري، ما أدى إلى فقدان الوزارة خبرات تراكمت على مدى عقود في مجالات إدارة الأزمات والتفاوض والعلاقات الدولية، فضلاً عن مهارات لغوية متخصصة استثمرت الحكومة الأميركية سنوات طويلة وأموالاً طائلة في تطويرها.
وحذر مسؤولون حاليون وسابقون في وزارة الخارجية الأميركية، في حديثهم إلى شبكة" إن بي سي نيوز"، من أن هذه المغادرة الجماعية لا تعني فقدان موظفين فحسب، بل خسارة رصيد كبير من الخبرة المؤسسية في إدارة الأزمات والتفاوض والعلاقات الدولية، إلى جانب الكفاءات اللغوية المتخصصة.
واستعرض التقرير قصة الدبلوماسية المخضرمة كيلي آدامز سميث، التي أمضت 28 عاماً في الخدمة الخارجية الأميركية، ورُشحت عام 2024 لمنصب سفيرة الولايات المتحدة لدى مولدوفا، مستندة إلى خبرة طويلة في الشؤون الأوروبية وإجادتها عدة لغات، من بينها الروسية.
غير أن إدارة ترامب سحبت ترشيحها في فبراير/شباط 2025 ضمن عشرات الترشيحات الأخرى الخاصة بدبلوماسيين مهنيين.
وقالت آدامز سميث للشبكة إن كثيرين من زملائها كانوا يتوقعون مواصلة العمل في مناصب قيادية وإشرافية داخل الوزارة، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد دفعهم إلى الرحيل، مضيفة أن شعورها بعدم وجود مستقبل مهني لها داخل الوزارة جعل المغادرة خياراً لا مفر منه.
ولا تقتصر القضية على سحب الترشيحات، إذ تشير" إن بي سي نيوز" إلى أن إدارة ترامب بدأت خلال الأشهر الأولى من ولايتها بسحب عشرات الترشيحات الخاصة بسفراء من السلك المهني، قبل أن تتجه لاحقاً إلى استدعاء نحو 30 سفيراً مهنياً كانوا يشغلون مناصبهم بالفعل في الخارج.
ووفقاً للقانون المنظم للخدمة الخارجية الأميركية، يُمنح السفير العائد إلى واشنطن مهلة لا تتجاوز 90 يوماً للعثور على وظيفة جديدة داخل الوزارة، وإلا يُحال إلى التقاعد.
ويقول مسؤولون سابقون إن الخيارات المتاحة لهؤلاء كانت محدودة للغاية، ما جعل التقاعد القسري مصيراً متوقعاً لكثير منهم.
كما نقل التقرير عن مسؤولين سابقين أن عمليات التدقيق السياسي المرتبطة بالتعيينات والترقيات بلغت مستويات غير مسبوقة، إذ لم تقتصر على مراجعة النشاط السياسي للدبلوماسيين أنفسهم، بل امتدت في بعض الحالات إلى فحص نشاط أفراد عائلاتهم على منصات التواصل الاجتماعي وسجلات التبرعات السياسية.
ويرى منتقدو إدارة ترامب أن هذه الإجراءات بعثت برسالة واضحة إلى عدد كبير من الدبلوماسيين مفادها أن المؤسسة لم تعد تنظر إليهم باعتبارهم أداة لتنفيذ السياسة الخارجية، بل باعتبارهم عقبة أمام أجندة الإدارة الجديدة.
ويظهر أثر هذا التحول بوضوح في التمثيل الدبلوماسي الأميركي حول العالم.
فبحسب بيانات جمعية الخدمة الخارجية الأميركية التي استند إليها التقرير، تعمل حالياً قرابة مئة بعثة دبلوماسية أميركية من دون سفراء معتمدين، أي ما يزيد على نصف السفارات الأميركية في العالم.
ومن بين المناصب الشاغرة سفارات في مناطق تشهد أزمات دولية حساسة، بينها أوكرانيا التي لا يوجد فيها سفير أميركي رسمي، فضلاً عن سفارات في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وتشير الشبكة إلى أن السفيرة المخضرمة جولي ديفيس، التي كانت تدير السفارة الأميركية في كييف بالتوازي مع عملها سفيرة لدى قبرص، تستعد بدورها للتقاعد قريباً.
وفي الشرق الأوسط، حيث تواصل الولايات المتحدة إدارة تداعيات المواجهة مع إيران والتوترات الإقليمية المرتبطة بها، تعمل نحو نصف البعثات الأميركية من دون سفراء رسميين، بما في ذلك أربع دول خليجية.
كما تخلو سفارتا الولايات المتحدة في قطر وباكستان من السفراء، رغم الدور المحوري الذي لعبته الدولتان في الوساطات والمفاوضات بين واشنطن وطهران.
ويقول دبلوماسيون سابقون إن غياب السفراء والمسؤولين المخضرمين أسهم في إرباك عمليات إجلاء المواطنين الأميركيين عندما بدأت إيران الرد على العمليات العسكرية الأميركية في المنطقة خلال مارس/آذار الماضي.
ونقلت الشبكة عن أحد المسؤولين السابقين قوله إن وزارة الخارجية تمتلك خبرة واسعة في إدارة عمليات الإجلاء والطوارئ، لكن غياب الأشخاص المناسبين في مواقع صنع القرار أدى إلى إخفاقات كان يمكن تفاديها.
أما في أفريقيا، فتشير المعطيات إلى أن أكثر من 75% من الدول الأفريقية لا يوجد فيها سفراء أميركيون معتمدون، في وقت تواجه فيه القارة تحديات متزايدة، من بينها تفشي وباء إيبولا الذي أعلنت منظمة الصحة العالمية أنه يمثل حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً.
كما لا يوجد حالياً سفير أميركي لدى الاتحاد الأفريقي، فضلاً عن شغور مناصب قيادية في المكتب الإقليمي الأفريقي بوزارة الخارجية الأميركية.
ويتناول التقرير أيضاً تغييرات داخلية أثارت مخاوف واسعة بين العاملين في الوزارة، من بينها تعديل نظام تقييم الأداء والترقيات.
ووفقاً للتقرير، جرى اعتماد نظام جديد يحد من عدد الموظفين الذين يمكن منحهم أعلى التقييمات السنوية، ما قد يؤثر مباشرة في فرص الترقية والاستمرار في الخدمة.
كما أُضيف مفهوم" الولاء" إلى قائمة المعايير الأساسية المستخدمة في تقييم الدبلوماسيين.
ويرى منتقدو هذه الخطوة أن ربط التقدم المهني بالولاء السياسي قد يهدد الطبيعة المهنية وغير الحزبية للسلك الدبلوماسي الأميركي، الذي اعتاد العمل مع الإدارات الجمهورية والديمقراطية على حد سواء.
ويلفت التقرير إلى أن كبار الدبلوماسيين المهنيين باتوا شبه غائبين عن المفاوضات الدولية الكبرى التي تخوضها الإدارة الأميركية.
فبدلاً من الاعتماد على خبراء وزارة الخارجية، أُوكلت ملفات حساسة تتعلق بالحرب في أوكرانيا والمواجهة مع إيران إلى شخصيات مقربة من ترامب، مثل صهره جاريد كوشنر وصديقه المقرب ستيف ويتكوف.
ويرى عدد من السفراء والمسؤولين السابقين الذين تحدثوا إلى الشبكة أن الإدارة تنظر بعين الريبة إلى الكوادر المهنية داخل الوزارة، وتفضّل الاعتماد على دائرة ضيقة من الشخصيات السياسية والمقربين من الرئيس، وهو ما يثير مخاوف متزايدة من تراجع قدرة الولايات المتحدة على إدارة أزماتها الدولية بالفاعلية نفسها التي تمتعت بها لعقود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك