كان مقتل كل من إسماعيل خطيب وزير الاستخبارات، ومجيد خادمي رئيس جهاز استخبارات" الحرس الثوري"، وغلام رضا رضائيان رئيس جهاز استخبارات الشرطة، حدثاً وضع هيكل القيادة الأمنية في النظام الإيراني أمام أزمة غير مسبوقة.
ولا تقتصر أهمية هذا الحدث على إقصاء ثلاثة مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى، فما لفت انتباه المحللين أكثر من أي شيء آخر هو الصمت غير المسبوق للحكومة بشأن خلفاء هؤلاء الأشخاص.
ففي حين أن النظام الإيراني كان، حتى في أكثر الظروف أزمة في السابق، يحاول سد الفراغ الإداري في المؤسسات الأمنية والعسكرية في أقصر وقت ممكن، إلا أنه هذه المرة، وبعد أسابيع من مقتل كبار المسؤولين الاستخباريين، لم يتم حتى الآن الإعلان علناً عن الرؤساء الجدد لوزارة الاستخبارات، ومنظمة استخبارات" الحرس الثوري"، واستخبارات الأمن الداخلي.
ويصبح هذا الوضع أكثر دلالة عند النظر إلى سوابق التحولات الأخيرة في منظمة استخبارات" الحرس الثوري" فمجيد خادمي نفسه تم تعيينه في هذا المنصب بعد مقتل محمد كاظمي، الرئيس السابق لمنظمة استخبارات" الحرس الثوري"، ونائبه حسن محقق.
والآن، مع إقصاء خادمي، تكون هذه المنظمة قد فقدت رئيسها الثاني خلال أقل من عام، وهو ما يعد من وجهة نظر الخبراء الأمنيين مؤشراً إلى أزمة عميقة في إحدى أهم الأذرع الاستخباراتية في النظام الإيراني.
أما بشأن وزارة الاستخبارات، فلا تزال الشكوك مستمرة، وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام المقربة من الحكومة أعلنت أن مسعود بزشكيان عين في اليوم نفسه الذي قتل فيه إسماعيل خطيب قائماً بالأعمال لهذه الوزارة، فإن اسم هذا الشخص لم يعلن رسمياً حتى الآن، وقد أشار بيان الحكومة فقط إلى بدء عمل القائم بالأعمال الجديد، معلناً أن التعريف الرسمي به سيتم في الوقت المناسب.
وكان الدليل الوحيد على وجود هذا القائم بالأعمال إصدار بيان بمناسبة يوم الجيش، نشر بتوقيع" القائم بأعمال وزارة الاستخبارات"، وهو بيان صدر من دون ذكر الاسم، مما زاد من الغموض القائم.
ويختلف هذا النهج بوضوح عن سلوك الحكومة في الأزمات السابقة.
فعلى سبيل المثال، بعد مقتل محمد كاظمي، تم خلال فترة قصيرة اختيار مجيد خادمي وتقديمه خليفة له، أما الآن، فلم يعلن عن أي تعيين جديد، بل إن هوية القائمين بالأعمال الموقتين بقيت أيضاً طي الكتمان.
الخوف من الاختراق والاغتيال، هل الصمت الأمني ناتج عن مخاوف وقائية؟أول تفسير يطرح لهذا الصمت هو القلق من تكرار الاغتيالات الموجهة.
فخلال الأعوام الماضية شهد النظام الإيراني مراراً عمليات استهدفت قادة عسكريين كباراً، وخبراء نوويين، ومسؤولين أمنيين، لكن مقتل رؤساء ثلاث مؤسسات استخبارية مهمة في وقت واحد كشف، من وجهة نظر كثيرين من المراقبين، مستوى جديداً من الهشاشة الأمنية.
ورأى خبراء الأمن أن تصفية مسؤولين يتمتعون بأعلى مستويات الحماية تكاد تكون مستحيلة من دون الوصول إلى معلومات دقيقة وسرية، ولهذا السبب، حظيت فرضية وجود اختراق واسع داخل البنى الأمنية للنظام الإيراني باهتمام أكبر من السابق.
وفي مثل هذه الظروف، فإن الإعلان العلني عن الخلفاء قد يحولهم إلى أهداف محتملة لعمليات لاحقة.
ويعتقد بعض المحللين أن قرار الحكومة إبقاء أسماء القائمين بالأعمال سرية هو في الواقع محاولة لتقليل خطر الاغتيالات المقبلة.
وتزداد أهمية هذا القلق في ضوء التقارير المتعددة حول نشاط شبكات استخبارات أجنبية داخل إيران.
ويعتقد بعض الخبراء أن نجاح مثل هذه العمليات غير ممكن من دون وجود شبكات اختراق داخلية والوصول إلى معلومات مصنفة.
ومن هذا المنظور، قد يكون الصمت الحالي مؤشراً إلى أزمة ثقة في أعلى مستويات الجهاز الأمني للنظام الإيراني، وهي أزمة دفعت الحكومة إلى التصرف بحذر شديد حتى في الإعلان عن أسماء المديرين الجدد.
عودة حلقة حسين طائب، هل يتغير توازن القوى الأمنية؟تتعلق فرضية أخرى مهمة بإعادة ترتيب موازين القوة داخل المؤسسات الأمنية الايرانية.
فبعد إقالة حسين طائب من رئاسة منظمة استخبارات" الحرس الثوري"، اعتقد كثير من المراقبين أن وزارة الاستخبارات تمكنت من استعادة جزء من مكانتها المفقودة، وأن نفوذ استخبارات" الحرس الثوري" في مجال الأمن الداخلي تقلص نسبياً.
إلا أن التطورات الأخيرة أعادت اسم حسين طائب إلى مركز الاهتمام من جديد، فطائب الذي تولى رئاسة منظمة استخبارات" الحرس الثوري" منذ تأسيسها عام 2009 وحتى إقالته، يعد أحد أكثر الشخصيات الأمنية تأثيراً في النظام الإيراني.
وخلال الأسابيع الماضية، طُرح اسمه مراراً في التقارير والتحليلات والتكهنات الإعلامية، وتتحدث بعض المصادر عن أنه يؤدي دوراً محورياً في عملية إعادة بناء الهيكل الأمني بعد الحرب الأخيرة، وأن الشبكة المقربة منه تعمل مجدداً على توسيع نفوذها داخل بنية اتخاذ القرار الأمني.
وأصبحت هذه التكهنات أكثر جدية عندما ورد اسم طائب في بعض التقارير المتعلقة بالمفاوضات الإقليمية والتطورات السياسية خلف الكواليس.
وعلى الرغم من أن أي مسؤول رسمي لم يؤكد هذه الادعاءات، فإن ذكر اسمه في تحليلات مختلفة يدل على أن شريحة مهمة من المراقبين لا تزال تعده أحد اللاعبين المؤثرين في البنية الأمنية للنظام الإيراني.
وفي هذا الإطار، قد يعني عدم تقديم رؤساء جدد تركيز الصلاحيات موقتاً في دائرة ضيقة من صناع القرار الأمني، وهي دائرة تفضل إعادة تعريف توازن القوى وحدود صلاحيات المؤسسات الأمنية قبل تعيين المديرين الجدد.
التاريخي بين وزارة الاستخبارات واستخبارات" الحرس الثوري".
صراع لم ينتهمن بين الاحتمالات المطروحة أيضاً بشأن تأخر التعيينات الأمنية، التنافس بين وزارة الاستخبارات ومنظمة استخبارات" الحرس الثوري"، فقد تنافس هذان الجهازان خلال العقدين الماضيين مراراً في ملفات مختلفة.
وأدى توسع صلاحيات استخبارات" الحرس الثوري" بعد احتجاجات عام 2009 إلى دخول هذا الجهاز تدريجاً في مجالات أمنية كانت سابقاً حكراً على وزارة الاستخبارات.
وكانت نتيجة هذا الوضع ظهور بنية موازية تحولت مع مرور الزمن إلى أحد أهم مراكز القوة الأمنية في البلاد.
وكان ملف الناشطين البيئيين عام 2017 من أشهر نماذج التنافس بين الجهازين.
ففي حين أعلنت وزارة الاستخبارات أن المتهمين ليسوا جواسيس، أصرت استخبارات" الحرس الثوري" على صحة هذه الاتهامات واستمرت الاعتقالات.
وفي الأعوام اللاحقة أيضاً، أشار مسؤولون سياسيون وحتى بعض النواب في البرلمان مراراً إلى وجود مؤسسات أمنية موازية.
وكان علي مطهري قد انتقد علناً، خلال مناقشة أهلية محمود علوي لتولي وزارة الاستخبارات، تدخل المؤسسات الموازية في مجال مهام الوزارة.
ويعتقد كثير من المحللين أن مقتل قادة المؤسستين الاستخباريتين الرئيستين في الوقت نفسه أدخل هذا التنافس القديم في مرحلة جديدة.
ففي ظل شغور المناصب الأساسية، يحاول كل جناح الحصول على حصة أكبر من الهيكل الأمني المستقبلي.
أزمة الخلافة وأسئلة متزايدة حول هيكل اتخاذ القرارتزامنت التطورات الأخيرة مع تصاعد التكهنات حول بنية القيادة والخلافة في النظام الايراني.
فقد أدى مقتل عدد من القادة والمسؤولين الكبار إلى تضييق دائرة صناع القرار الأساسيين وزيادة حساسية التعيينات الجديدة.
ورأى بعض المحللين أن هناك الآن منافسة خفية بين الجهات الرئيسة المحيطة بمكتب القيادة، وقادة" الحرس الثوري" الكبار، والمجلس الأعلى للأمن القومي، وشخصيات مثل رئيس السلطة القضائية ورئيس البرلمان، إضافة إلى التيار المقرب من سعيد جليلي وأنصار إبراهيم رئيسي السابقين، وذلك من أجل تحديد الترتيب الجديد للقوة.
وفي الوقت ذاته، علقت بعض الشخصيات السياسية بشكل غير مباشر على مسار القرارات التي تتخذ خلف الكواليس، وتظهر هذه المواقف أن قضية تعيين المديرين الجدد ليست مجرد مسألة إدارية، بل هي جزء من صراع أوسع حول مستقبل بنية السلطة في ايران.
هل يقف النظام الإيراني على أعتاب إعادة ترتيب أمنية كبرى؟إلى جانب كل هذه الفرضيات، يطرح احتمال آخر أيضاً، وهو أن يكون تأخير تقديم الخلفاء جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الهيكل الأمني للنظام الإيراني.
فمنذ أعوام ينتقد معارضون وحتى بعض المسؤولين الحكوميين السابقين ظاهرة الازدواجية بين المؤسسات الاستخبارية.
فوجود وزارة الاستخبارات، واستخبارات" الحرس الثوري"، وحماية استخبارات" الحرس"، وحماية استخبارات الجيش، واستخبارات الأمن الداخلي، ومجموعة من المؤسسات المشابهة، خلق بنية معقدة ومتعددة الطبقات يرى بعض الخبراء أنها تعيق تبادل المعلومات وتزيد من حدة المنافسات الداخلية.
وتشير بعض التقارير والتكهنات إلى أنه بعد الحرب الأخيرة، عاد الحديث مجدداً عن إنشاء مركز قيادة موحد أو هيئة عليا للتنسيق بين الأجهزة الأمنية.
وإذا كان مثل هذا البرنامج مطروحاً على جدول الأعمال، فقد يكون تأخر تعيين الرؤساء الجدد جزءاً من عملية إعادة ترتيب هيكلية تشمل أولاً مراجعة الاختراقات، وعمليات التطهير الداخلية، وإعادة تعريف حدود صلاحيات المؤسسات، ثم تُستكمل لاحقاً بتعيين المديرين الجدد.
وعلى أي حال، فإن ما يبدو واضحاً اليوم هو أن البنية الأمنية للنظام الإيراني دخلت واحدة من أكثر مراحلها حساسية وغموضاً.
فمقتل عدد من كبار المسؤولين الاستخباريين في الوقت ذاته، وعدم تقديم خلفائهم، وتصاعد الإشاعات حول دور حلقات القوة المختلفة، واشتداد التنافس بين المؤسسات الأمنية، كلها ترسم صورة غير مسبوقة عن هشاشة البنية الأمنية للنظام الايراني.
وسواء كان الصمت الحالي ناتجاً عن مخاوف أمنية، أو خلافات سياسية، أو عودة شخصيات أمنية قديمة إلى مركز القوة، أو تمهيداً لتغيير هيكلي واسع، فإن الإجابة عن هذا السؤال، في حال استمرار النظام الإيراني، ستتضح على الأرجح خلال الأشهر أو الأعوام المقبلة، لكن ما حدث اليوم، يعد، من وجهة نظر كثيرين من المراقبين، واحداً من أهم مؤشرات الأزمة داخل الجهاز الأمني لهذا النظام منذ تأسيسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك