في السنوات الأخيرة، لم تعد المصطلحات النفسية حبيسة الكتب المتخصصة أو عيادات العلاج النفسي، بل أصبحت جزءاً من الأحاديث اليومية على منصات التواصل الاجتماعي.
مفاهيم مثل الصدمة النفسية، وأنماط التعلق، والتلاعب النفسي، وحساسية الرفض، باتت تتكرر في مقاطع الفيديو والمنشورات القصيرة التي تحاول تفسير مشاعر الناس وعلاقاتهم.
وبينما ساهم هذا الانتشار في زيادة الوعي بالصحة النفسية، يرى بعض المختصين أنه خلق مشكلة موازية تتمثل في الميل إلى تفسير كل تجربة عاطفية مؤلمة باعتبارها عرضاً لمشكلة نفسية عميقة، بحسب موقع سيكولوجي تودي.
يتناول المحلل النفسي روبن ستيرن، المتخصص في ظاهرة التلاعب النفسي منذ أكثر من ثلاثة عقود، والباحثة كريستا سميث، الكيفية التي يمكن أن تتحول بها حساسية الرفض إلى حالة من التشكيك المستمر بالمشاعر والتجارب الشخصية، بحيث يبدأ الفرد تدريجياً في نفي مشاعره أو التقليل من مشروعيتها، فيما يشبه ممارسة التلاعب النفسي على نفسه.
من القلق الطبيعي إلى توقع الرفضيشير الكاتبان إلى أن العلاقات الإنسانية بطبيعتها مليئة بالإشارات غير الواضحة.
فقد يتأخر شخص في الرد على رسالة، أو يعتذر عن لقاء، أو يرسل رداً مقتضباً يصعب تفسير نبرته.
بالنسبة لمعظم الناس تبقى هذه المواقف ضمن دائرة الاحتمالات الطبيعية، لكن بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من حساسية مرتفعة تجاه الرفض، يمكن أن تتحول بسرعة إلى دليل على الاستبعاد أو عدم القبول.
وتُعرّف حساسية الرفض بأنها حالة من التأهب النفسي المفرط تجاه أي إشارة محتملة للرفض أو النقد.
ففي هذه الحالة لا يقتصر الأمر على الشعور بالانزعاج، بل قد يترافق مع موجات من القلق أو الخجل أو الغضب أو تراجع مفاجئ في تقدير الذات.
ويضرب الكاتبان أمثلة بسيطة على ذلك: عدم تلقي دعوة إلى مناسبة اجتماعية قد يتحول إلى تساؤلات حول القيمة الشخصية، وتأخر صديق في الرد على رسالة قد يُفسر باعتباره علامة على تدهور العلاقة، بينما قد يُنظر إلى تصرف عابر من زميل في العمل على أنه تعبير عن غضب أو استياء.
هل أصبحنا نُشخّص مشاعرنا أكثر من اللازم؟لا ينكر ستيرن وسميث أن بعض الأشخاص يعانون بالفعل من أشكال حادة من حساسية الرفض تؤثر في حياتهم اليومية، لكنهما يحذران في الوقت نفسه من الخلط بين هذه الحالات وبين المشاعر الإنسانية الطبيعية.
فالشعور بخيبة الأمل بعد الاستبعاد من نشاط اجتماعي لا يعني بالضرورة وجود صدمة نفسية قديمة، كما أن القلق الناتج عن رسالة غامضة لا يشير تلقائياً إلى اضطراب في نمط التعلق أو إلى مشكلة نفسية معقدة.
ويرى الكاتبان أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت أحياناً في تحويل التفاعلات اليومية العادية إلى مؤشرات مرضية، حيث يتم التعامل مع كل انزعاج أو حيرة أو شعور بعدم الارتياح بوصفه عرضاً يحتاج إلى تشخيص أو تفسير نفسي متقدم.
وبحسب تحليلهما، فإن التركيز المستمر على «الإشارات الحمراء» والمخاطر العاطفية المحتملة قد يدفع بعض الأشخاص إلى تطوير حالة من اليقظة المفرطة تجاه الرفض، بحيث يصبح الغموض نفسه مصدراً للتهديد.
عندما يبدأ الإنسان بالتشكيك في نفسهالجزء الأهم في تحليل ستيرن يتعلق بما يراه علاقة مباشرة بين حساسية الرفض والتلاعب النفسي الذاتي.
فمن خلال عمله الطويل في دراسة ظاهرة «الغاسلايتنغ» أو التلاعب النفسي، لاحظ أن كثيراً من الحوارات الداخلية التي يعيشها الأشخاص شديدو الحساسية تجاه الرفض تشبه إلى حد كبير الآليات التي يستخدمها المتلاعب النفسي مع ضحيته.
فعندما يشعر الشخص بالأذى أو الإحباط، قد يبدأ فوراً بالتشكيك في صحة مشاعره.
وقد يخبر نفسه بأنه يبالغ في رد فعله، أو أنه حساس أكثر من اللازم، أو أن ما حدث لا يستحق كل هذا الانزعاج.
وفي أحيان أخرى، يعيد تفسير الموقف بطريقة تقلل من تأثيره العاطفي، أو يشكك في ذاكرته للأحداث، أو يحمّل نفسه المسؤولية الكاملة عما جرى.
ويعتبر ستيرن أن هذه العملية ليست مجرد نقد ذاتي، بل شكل من أشكال إلغاء المشاعر الذاتية.
فبدلاً من محاولة فهم ما يشعر به الشخص، يبدأ بمحاكمة مشاعره وإنكار مشروعيتها.
ويضيف أن هذه الأنماط تظهر بشكل أكبر لدى الأشخاص الذين نشأوا في بيئات كانت تقلل باستمرار من أهمية مشاعرهم أو تشكك في قراءتهم للواقع، ما يجعلهم أكثر استعداداً لتبني هذا الأسلوب في التعامل مع أنفسهم لاحقاً.
كيف يختلف ذلك عن التلاعب النفسي الحقيقي؟يوضح ستيرن أن التلاعب النفسي الحقيقي يقوم على محاولة متعمدة للسيطرة على شخص آخر من خلال دفعه إلى الشك في إدراكه وذاكرته وفهمه للأحداث.
أما في حالة حساسية الرفض، فإن المشكلة لا تأتي بالضرورة من شخص خارجي، بل من الطريقة التي يعالج بها الفرد تجاربه العاطفية.
وبحسب ستيرن، فإن حساسية الرفض لا تجعل الشخص أكثر عرضة للتأثر بالآخرين فقط، بل قد تدفعه أيضاً إلى أداء دور المتلاعب والضحية في الوقت نفسه، عندما يبدأ بإقناع نفسه بأن مشاعره غير صحيحة أو غير مهمة.
ترى كريستا سميث، التي تشغل منصب مديرة البرامج في منظمة السلام التابعة للأمم المتحدة في نيويورك، وعملت سابقاً باحثة في مركز ييل للذكاء العاطفي، أن الخطوة الأولى للخروج من هذه الدائرة تتمثل في التوقف عن إعادة كتابة التجربة العاطفية فور حدوثها.
وتقترح مراقبة المشاعر كما هي قبل محاولة تفسيرها أو تبريرها.
فالانتباه إلى ما يشعر به الإنسان، ومتى يشعر به، ومع من يتكرر هذا الشعور، يمكن أن يوفر صورة أكثر دقة عن الواقع العاطفي الذي يعيشه.
كما تشير إلى أهمية التركيز على الأنماط المتكررة بدلاً من المواقف الفردية.
فإذا كان شخص ما يشعر باستمرار بالقلق أو الذنب أو التوتر في علاقة معينة، فقد يكون ذلك مؤشراً يستحق التوقف عنده، سواء كان السبب سلوك الطرف الآخر أو تجربة سابقة يجري استحضارها دون وعي.
وفي الوقت نفسه، تؤكد سميث أن ليس كل شعور سلبي يحتاج إلى تشخيص أو تفسير مرضي.
فعدم الارتياح لا يعني دائماً وجود خطر، والانزعاج لا يعني بالضرورة وجود صدمة نفسية، كما أن ردود الفعل العاطفية ليست جميعها مشكلات تحتاج إلى إصلاح.
يرى ستيرن أن زيادة الوعي النفسي تظل أمراً إيجابياً، لكنها قد تتحول إلى عبء عندما تدفع الإنسان إلى مراقبة نفسه باستمرار والبحث عن تفسير مرضي لكل شعور يمر به.
وفي عالم أصبحت فيه المصطلحات النفسية جزءاً من الحياة اليومية، ربما تكمن الحكمة في التمييز بين الألم الذي يحتاج إلى فهم، والألم الذي يحتاج فقط إلى أن يُعاش ويُعترف به.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك