قضت المحكمة العليا الإسبانية بعدم تعليق التنفيذ المؤقت للمرسوم الحكومي الصادر في إبريل/ نيسان الماضي والمتعلّق بعملية تسوية أوضاع المهاجرين المقيمين في إسبانيا بطريقة غير قانونية، الأمر الذي يتيح استمرار تطبيق الإجراءات المعتمدة إلى حين البتّ النهائي في الطعون القانونية المقدّمة ضدّ المرسوم.
ويأتي هذا القرار في أعقاب جلسات استماع مطوّلة عقدتها غرفة القضاء الإداري لدى المحكمة العليا الإسبانية، خُصّصت للنظر في طلبات عاجلة لوقف تنفيذ المرسوم، قدّمتها كلّ من" مجتمع مدريد" وحزب فوكس اليميني المتطرّف، إلى جانب ثلاث جمعيات؛ " أثتيه أويير" (اجعل صوتك مسموعاً) و" ليبرتاد إي خوستيسيا" (حرية وعدالة)، و" أسوثياثيون بور لا ريكونثيلياثيون إي لا برداد إيستوريكا" (جمعية المصالحة والحقيقة التاريخية).
ووفقاً لما أعلنته المحكمة العليا الإسبانية، فقد رُفض طلب وقف التنفيذ احترازياً، بعدما خلص القضاة إلى عدم توفّر مبرّرات قانونية كافية لتعليق العمل بالمرسوم بصورة فورية.
كذلك قرّرت المحكمة عدم قبول طعون عدد من الجمعيات، نظراً إلى غياب الصفة القانونية اللازمة للمشاركة في هذه المرحلة من التقاضي.
لكنّ المحكمة أعلنت قبول الطعون المقدّمة من حكومة إقليم مدريد وحزب فوكس لجهة المبدأ، ما يعني استمرار النظر في جوهر القضية في المرحلة المقبلة، من دون أن يؤثّر ذلك على سير عملية تسوية الأوضاع.
وتدور القضية حول مرسوم حكومي يهدف إلى تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين المقيمين في إسبانيا بطريقة غير قانونية، إذ أفادت بيانات أولية بأنّ أكثر من نصف مليون شخص تقدّموا بطلبات للاستفادة من هذا الإجراء منذ فتح باب التسجيل.
وتشير الحكومة الإسبانية إلى أنّ المرسوم يهدف إلى تنظيم وضع فئة موجودة بالفعل في داخل البلاد، بما يتيح لها الحصول على حقوق العمل والإقامة والمساهمة في الاقتصاد الرسمي، في حين ترى أطراف معارضة أنّ العملية قد تمثّل ضغطاً على الخدمات العامة.
وكانت الجلسات التي عقدتها المحكمة قد شهدت جدالاً قانونياً واسعاً، إذ ركّزت على احتمال أن يؤدّي استمرار تنفيذ المرسوم إلى" أضرار يصعب تداركها" في حال إلغائه لاحقاً، الأمر الذي رفضه ممثلو الدولة.
وكان" مجتمع مدريد" وجمعيات أخرى مدعومة من اليمين المتطرّف قد رفعت دعوات تشير بموجبها إلى أنّ تسوية أوضاع المهاجرين قد تؤدّي إلى زيادة الضغط على منظومات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، بالإضافة إلى ما وصفته بأنّه" تأثير محتمل على التوازن الإداري والسجل الانتخابي".
في المقابل، ردّت النيابة العامة في إسبانيا وممثلو منظمات حقوقية بأنّ هذه المخاوف غير مدعومة ببيانات دقيقة، وأنّ الأشخاص المعنيين بالمرسوم يقيمون بالفعل في داخل البلاد ويستفيدون من عدد من الخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل الحديث عن" تدفّق جديد" غير دقيق من الجهة القانونية وفي الواقع.
كذلك شدّدت منظمات داعمة لحقوق المهاجرين على أنّ تسوية الوضع القانوني من شأنها أن تتيح دمج هؤلاء في سوق العمل، الأمر الذي قد ينعكس إيجاباً على الاقتصاد من خلال الضرائب والاشتراكات الاجتماعية.
ورحّبت وزيرة الدمج والضمان الاجتماعي والهجرة إلما سايز بقرار المحكمة العليا، ووصفته بأنّه خطوة تعزّز استقرار العملية القانونية، وبيّنت أنّ الحكم" يفتح الطريق أمام استمرار معالجة الطلبات من دون تعطيل".
أضافت أنّ الحكومة تعدّ المرسوم أداة لتنظيم واقع اجتماعي قائم، وليس لتشجيع الهجرة غير النظامية، مشيرةً إلى أنّ آلاف العائلات، وكذلك الأطفال، قد تستفيد من تسوية أوضاعها القانونية.
ومن المتوقّع أن يُسهم قرار المحكمة في إزالة حالة عدم اليقين التي كانت تحيط بملفّ التسوية، خصوصاً مع وجود مئات آلاف الطلبات قيد المعالجة.
وفي الوقت ذاته، يُبقي القرار الباب مفتوحاً أمام معركة قانونية طويلة الأمد، إذ سوف تواصل المحكمة العليا الإسبانية النظر في الطعون المقدّمة بشأن شرعية المرسوم نفسه، وليس فقط مسألة تعليقه المؤقت.
ويأتي هذا المستجدّ في سياق سياسي متوتّر تشهده إسبانيا حول قضايا الهجرة، إذ تتباين مواقف الحكومة والأحزاب المعارضة ما بين دعم سياسات الدمج والتشدّد في ضبط الهجرة غير النظامية، الأمر الذي يجعل الملف أحد أبرز ملفات الجدال العام في البلاد في الوقت الراهن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك