تعرف برامج البودكاست العربية تطوراً كبيراً كماً ونوعاً، وخاصة مع أحداث السنوات الأخيرة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول (2023)، حيث إن الكثير منها يُعنى بالقضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية.
ومن خلال هذه البرامج أمكن للمتابعين التعرف إلى عدد مهم من الكتّاب والمفكرين والجامعيين والسياسيين والاقتصاديين والصحافيين وأصحاب الرأي، وعلى سيرهم الذاتية والفكرية واهتماماتهم الكبرى ورؤاهم في مقاربة القضايا التي تمس الواقع العربي، وأيضاً على كتبهم وإصداراتهم، خاصة تلك التي لم تصل إلى الجمهور.
هذا الأمر جعل من هذه البرامج فسحة مميزة للمعرفة والثقافة والاطلاع على الجديد من المواقف والتحليلات لمختلف القضايا الراهنة، وهي بالنسبة للمشاهد نافذة مهمة لاستثمار الوقت وتمضيته في ما هو ممتع ومفيد، خاصة أن هذه البرامج حوارية وتجمع بين ما هو سيري يتناول التجربة الشخصية للضيف بما فيها من تحديات ونجاحات، والتي يمكن أن تكون نموذجاً إيجابياً للنجاح، وما هو فكري مرتبط بقضايا المجتمع.
هذا المزج يحرك الرغبة في المشاهدة، ولو امتد البرنامج لأكثر من ساعة أو ساعتين، لأنه ليس على نسق واحد.
فهي اليوم وسيلة مهمة ومعاصرة لتجسير العلاقة بين المثقف والمجتمع ليخرج كل من جزيرته المغلقة.
آخر بودكاست شاهدته هو لعالم الاجتماع ساري حنفي، في برنامج" أميركا بودكاست" على قناة الدكتور خليل العناني.
لا أعتقد أن ساري حنفي معروف خارج دائرة اختصاصه إلا من القلة القليلة المهتمة بما يتناوله من قضايا، وهنا تأتي أهمية البرنامج ليعرّفنا به.
فهو فلسطيني من مواليد المخيمات الفلسطينية في سورية، درس وتخرج في الهندسة المدنية، لكن اهتماماته في العلوم الإنسانية قادته إلى متابعة دراسته في علم الاجتماع لوعيه بأهمية الاختصاص، خاصة في سياق وجوده في سورية وكونه فلسطينياً مُهجّراً، ليتحصل على البكالوريوس في سورية ثم الماجستير والدكتوراه في فرنسا، حيث اختلط بأسماء مهمة في علم الاجتماع في فرنسا، مثل آلان تورين صاحب كتاب" نقد الحداثة" الذي ناقش فيه أزمة الحداثة والعقلانية ودافع فيه عن الفرد ضد هيمنة الأنظمة.
لساري حنفي عدة كتب، من بينها" نحو علم اجتماع عربي نقدي"، وآخرها" ضد الليبرالية الرمزية: من أجل علم اجتماع تحاوري"، وهو اليوم أستاذ بالجامعة اللبنانية وأول عربي شغل منصب رئيس الجمعية الدولية لعلم الاجتماع (ISA) خلال الفترة 2018–2023.
برامج البودكاست العربية هي اليوم وسيلة مهمة ومعاصرة لتجسير العلاقة بين المثقف والمجتمع ليخرج كل من جزيرته المغلقةتتوزع اهتمامات ساري حنفي بين مسائل متعلقة بالقضية الفلسطينية كاللاجئين والاحتلال الإسرائيلي، وأخرى متعلقة بقضايا اجتماعية مرتبطة أساساً بظواهر نشأت بعد الربيع العربي، وخاصة حالة التنافي والاستقطاب التي عرفتها وتعرفها المجتمعات العربية، وهي حالة تشق مختلف فئات المجتمع من مفكرين وعلماء دين واتجاهات فكرية وسياسية، وهو الوضع الذي ساهم في عجز المجتمعات العربية عن بناء نموذج ناجح لإدارة شؤونها.
ولعل الكلمة التي لفتت نظري أكثر في الحوار، وكانت المحفز لكتابة هذا المقال، هي كلمة" تجسير"، وقد مستني العبارة لأنني أجدها تحمل طاقة استعارية غنية يمكن توظيفها في سياقات مختلفة أينما كان ثمة قطيعة أو فجوة، من التجسير بين الثقافات والأفكار إلى التجسير بين الأفراد والمجموعات، إلى التجسير بين العلوم والمعارف، والذي يأتي في سياقه كتاب ساري حنفي" علوم الشرع والعلوم الاجتماعية: نحو تجاوز القطيعة"، وهو عنوان يذكرني بعنوان كتاب ابن رشد" فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال".
في حدود معرفتي، لا تبدو العبارة دارجة في لغة المثقفين والمفكرين والسياسيين العرب، وليست من الكلمات التي نسمعها كثيراً، رغم وجود عبارات قريبة منها من نوع الحوار والتواصل وغيرها، لكن عبارة" تجسير" تبدو لي أقوى ومشبعة بمعنى الصلة والربط، حد الإلحاح على خلق هذه الصلة، وهو ما يجعلها كلمة عمل أكثر منها كلمة قول، أي إن لها استتباعات عملية مرادها خلق هذا الجسر، وذلك بالبحث عما هو مشترك بين العناصر المراد تجسيرها وتحديده بشكل واضح.
هذا المشترك هو الجسر الذي يجعل عملية التواصل عملية منتجة وذات أثر، وليست عملية مؤقتة بلا فاعلية.
قوة هذا المشترك هي في انتمائه إلى الطرفين موضوع التجسير، وهو المجال الذي يجد فيه الطرفان نفسيهما فيه معاً، وهو ما من شأنه أن يمنع القطيعة الشاملة ويحد من الفجوات.
السائد أن كل هوية سياسية أو فكرية أو غيرها هي مهتمة بذاتها بحثاً وتطويراً من أجل إثبات الذات، وبالتالي فإن فكرة تجسير العلاقات مع بقية الهويات ليست حاضرة في الذهن، وهو ما يفسر جزئياً غياب مدونة كافية تبحث في إمكانية وكيفية بناء جسور مع المغاير.
واقع الحال العربي في العلاقة بين المختلفين يؤكد حاجة ملحة لتصبح فكرة التجسير جديرة بالتعميق وتوسيع مجالاتها ومراكمة البحث فيها لتحسين وتطوير العلاقات، لكنها ليست حاجة فقط بل هي ضرورة أيضاً بالنظر إلى الطبيعة المركبة للعالم بتعبير إدغار موران الذي غادرنا منذ أيام، حيث يقول إن" الواقع هو نسيج من العلاقات، وليس مجموعة عناصر منفصلة، وإن المعرفة التي تفصل بين ما هو مرتبط تعمي أكثر مما تنير".
ولا شك أن العمى منتشر بقدر كبير في واقعنا العربي في مختلف المجالات، ولا برء منه إلا بالبحث عما يجسر العلاقات ويوطدها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك