روسيا اليوم - الأمير عبد العزيز بن سلمان: 30 اتفاقية للتعاون بين روسيا والسعودية سيتم توقيعها في منتدى بطرسبورغ العربي الجديد - النصّ الحرفي للإعلان الأميركي حول وقف النار بين لبنان وإسرائيل قناة التليفزيون العربي - حزب الله يحسم قرار ه وخلاف لبناني حاد بشأن مسار المفاوضات الاتفاق مع إسرائيل Independent عربية - مقتل هنري يثير سجال "العنصرية ضد البيض" في بريطانيا روسيا اليوم - الإمارات تسلم روسيا مواطنين مطلوبين بنشرة دولية العربي الجديد - قاآني: انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان مطلب أساسي للمقاومة روسيا اليوم - هنغاريا توافق على بدء مفاوضات انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي التلفزيون العربي - قاسم وصف المفاوضات بالعار.. كيف ينظر حزب الله لاتفاق وقف النار؟ العربي الجديد - مواجهات مقديشو قناة الغد - خارجية لبنان تدين استهداف قوات اليونيفيل بعد مقتل جندي صربي
عامة

فيليب ومحمود

بوابة الوسط
بوابة الوسط منذ يومين
2

في مجتمعاتنا كثيرًا ما يتحول النقاش إلى جدل محتدم ينتهي لا بالحجة ولا بالمنطق، بل بالمباهاة بالأصل والنسب. وكأن شجرة العائلة تكفي لتعويض غياب البرهان، أو تمنح صاحبها مكانة لا يستحقها بعمله. هذه العادة...

ملخص مرصد
يناقش المقال زيف الاعتماد على النسب والأصل في تقييم الأفراد، مستشهدًا بتجربة فكرية حول طفلين ليبي وإنجليزي تبنيهما أسرتان مختلفتان. يثبت المقال أن السلوك والهوية نتاج البيئة والتربية، لا الجينات، داعيًا لتحويل الجهود نحو تطوير التعليم والبنية التحتية بدلاً من نقاشات الأصل العقيمة.
  • السلوك والهوية نتاج البيئة والتربية، لا الجينات أو الأصل (بحسب المقال)
  • الأمم ترتقي بكفاءة التعليم والبنية التحتية، لا بنبل الأصل (بحسب المقال)
  • التفاخر بالنسب عذر للكسل الفكري والتخلف المجتمعي (بحسب المقال)

في مجتمعاتنا كثيرًا ما يتحول النقاش إلى جدل محتدم ينتهي لا بالحجة ولا بالمنطق، بل بالمباهاة بالأصل والنسب.

وكأن شجرة العائلة تكفي لتعويض غياب البرهان، أو تمنح صاحبها مكانة لا يستحقها بعمله.

هذه العادة ليست جديدة؛ إنها بقايا ثقافة عشائرية قديمة، حين كان الإنسان يُعرَّف بقبيلته لا بفكره، وبأسماء أجداده لا بمهارته.

لكن في هذه الأزمنة، لم يعد لهذا الوهم مكان؛ فالإنسان محصلة بيئته، ونتاج تربية أسرته ومدرسته ومجتمعه.

سلوكه لا يرتبط بقطرة دم واحدة، ولا بشجرة عائلة مجدها أجداده.

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نعيش في وهم «الأصل»؟التجربة التي لا تقبل الجدل لنقم بتجربة فكرية بسيطة، لكنها تتحدى، وبشكل مقنع، أسطورة «الأصل».

لنفترض أننا أخذنا رضيعًا ليبيًا اسمه «عاشور»، وُلِد لأبوين ليبيين، ثم نقلناه في أيامه الأولى إلى بريطانيا لتبنيه وتربيته في كنف أسرة إنجليزية.

عاش عاشور (الذي سُمي لاحقًا فيليب) حياته كأي طفل إنجليزي، مارًّا بالحضانة والروضة والمدارس البريطانية.

ولنفترض، في المقابل، أننا أخذنا رضيعًا إنجليزيًا اسمه «جاك»، وُلِد في مستشفى «ساينت ماري» بلندن، ثم نقلناه لتبنيه في أسرة ليبية، حيث تربى بين أبنائها، وعاش تفاصيل شوارعها وأزقتها.

لو عدنا بعد ستة عشر عامًا لتقصي أثرهما، سنجد أن «عاشور الليبي» (فيليب) يتصرف تمامًا كأقرانه الإنجليز؛ لديه حصيلة لغوية تتميز بعبارات الأدب والكياسة المفرطة، مثل «لو سمحت» و«شكرًا» و«عذرًا»، والتي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من سلوكه اليومي العفوي.

لديه ميل تلقائي للتقيد بقواعد النظام، كالانتظام في الطوابير واحترام الأدوار، بينما نجد معارفه العامة وثقافته الدينية محدودة للغاية؛ فهو يحمل عصارة الثقافة الإنجليزية بإيجابياتها وسلبياتها.

أما لو ذهبنا إلى «جاك الإنجليزي»، فسنكتشف أن الأسرة الليبية قد أطلقت عليه اسم «محمود».

سنجده يمارس سلوكيات مجتمعه الجديد بحميمية؛ يلعب كرة القدم في زقاق الحي، ويمتلك علاقات أسرية ممتدة ووثيقة، ورغم أنه قد يتأثر ببعض السلبيات كالميل إلى المرونة الزمنية الواسعة في المواعيد، إلا أنه، إجمالًا، يمثل في الكثير من تصرفاته الثقافة الليبية برمتها، بمحاسنها وعيوبها.

إن من يتابع تصرفات «فيليب» و«محمود» من الخارج لن يتمكن أبدًا من تخمين أصلهما البيولوجي الحقيقي؛ فالإنسان، في نهاية المطاف، هو «محصلة بيئته» ونتاج تربيته، وسلوكه لا يرتبط بأي شكل من الأشكال بأصله الجيني أو العرقي.

هذا لا يعني إنكار التأثيرات الفردية المحدودة للجينات في بعض المواهب أو الصفات الجسدية، لكنها لا تصنع أمة ولا مجتمعًا، بل إن «البيت والمدرسة والمجتمع» هي الثالوث الذي يشكّل الطين البشري للطفل، فيمنحونه الديانة، واللغة، والقيم، والهوية الوطنية.

هذه الحقيقة الوجودية تضعنا أمام مرآة كاشفة: إذا أردنا حقًا تطوير أفرادنا والنهوض بمجتمعاتنا، فقد حان الوقت للكف نهائيًا عن الغرق في مستنقع نقاشات «الأصل والنسب»؛ ذلك الجدل العقيم الذي استنزف طاقاتنا دون طائل، وتحويل بوصلة جهودنا بالكامل نحو مكمن القوة الحقيقي: آليات التنشئة في بيوتنا، وتطوير مناهجنا التعليمية، والرفع من كفاءة معلمينا، والاستثمار الحقيقي في البنية التحتية للمدن ومرافق الترفيه والرياضة.

فالمسألة لا تتعلق بنبل الدماء، بل بكفاءة الإناء.

والمدرسة والمجتمع هما الإناء؛ فبينما توفر المدرسة الإطار الرسمي والمنظم لاكتساب المعرفة وقيم النظام والمسؤولية والعدالة، يأتي الشارع والمؤسسة الاجتماعية ليختبرا هذه النظريات على أرض الواقع.

وهنا تبرز المعضلة الكبرى في عالمنا؛ فجودة البيئة المجتمعية، بما توفره من أمان، وفرص عمل، وعدالة قانونية، هي المعيار الأساسي الذي يحدد ما إذا كان الفرد سينمي هوية إيجابية منتجة قائمة على الكفاءة والولاء للوطن، أم أنه سينكفئ مرغماً نحو الهويات الفرعية (القبلية أو العرقية) طلبًا للدعم والحماية والفرص التي عجز المجتمع العام عن توفيرها له.

إن غياب العدالة والكفاءة، وسقوط سلطة القانون، هو الوقود الحقيقي الذي يحيي النعرات القبلية ويضعف الولاء للدولة الجامعة.

الأمم لا ترتقي لأن أصلها شريف:نعم، قد تكتسب قضية «الأصول» بعض الأهمية المشروعة في سياق المصاهرة والزواج، ليس لسبب عِرقي، بل لأن الزواج هو دمج بين أسرتين؛ ولذا يصبح التوافق في المستوى القيمي والاجتماعي المكتسب أمرًا حيويًا لتعزيز فرص النجاح.

أما في مسألة بناء الأمم ونهضتها، فالأصل البيولوجي لا معنى له ولا قيمة؛ فالأمم لا ترتقي لأن أصل سلالتها شريف أو نبيل.

ولنا في التاريخ المعاصر شواهد تصفع هذه الأوهام البدائية؛ فأستراليا نشأت تاريخيًا كمستعمرة بريطانية للعقوبات، يُنفى إليها المساجين والمجرمون.

واليوم، تحتل أستراليا المركز الثالث عشر عالميًا في التقدم الاقتصادي، وتُعد رائدة عالمية في معيار جودة المعيشة، والتنمية البشرية، والرعاية الصحية.

وينطبق الحديث ذاته على الولايات المتحدة الأميركية، وكندا، ونيوزيلندا، التي تأسست على أكتاف مهاجرين وفارين ذوي أصول بسيطة ومتواضعة.

كما أن الدول التي اختارت قهر التخلف وصناعة طفرتها الخاصة في العصر الحديث، مثل سنغافورة، وماليزيا، وتركيا، وجنوب كوريا، لم تفتش في دفاتر «الأصول النبيلة والشريفة»، بل استعانت بمناهج تعليمية متطورة، وبإدارة صارمة للتنمية الشاملة، وبتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص على الجميع دون استثناء.

تُثبت هذه التجارب الإنسانية الممتدة أن الفوارق الحقيقية بين الدول والمجتمعات لا ترسمها «شجرة العائلة»، بل تصنعها كفاءة التنشئة والفرص.

متى ما طُبق القانون وعُظمت الكفاءة، فإن أي مجموعة من البشر، بغض النظر عن خلفيتها التاريخية أو العرقية، قادرة على بناء أمة عظيمة ومتقدمة.

فالمستقبل يُصنع في الفصول المدرسية ومؤسسات الدولة، لا في المقابر والمشجرات القديمة.

إذًا، لماذا نعشق «الأصل»؟لأن الحديث عن «الأصل» أسهل من الحديث عن «التغيير».

لأن التفاخر بالنسب لا يكلف أحدًا شيئًا، بينما تطوير المدرسة والمعلم والمنهج يحتاج إلى جهد ومال ومساءلة.

لأن «أصلنا شريف» يكفي ليجعلنا نشعر بالتفوق دون أن ننجز شيئًا.

بينما «مستقبلنا مهدد» يحتاج إلى عمل.

التفاخر بـ«الأصل» ليس فضيلة، بل هو عذر للكسل الفكري والتخلف المجتمعي.

نحن لا نتأخر لأن «أصلنا ليس شريفًا».

نحن نتأخر لأن مدارسنا تخرّج جهلًا، لأن بيوتنا تربي عبودية لا مواطنة، لأن مجتمعنا يكافئ المحسوبية لا الكفاءة، لأن قانوننا يُطبَّق على الضعفاء فقط.

لن يتغير شيء ما دام شغلنا الشاغل «أبناء العمومة» و«شجرة العائلة» و«أصلنا خير من أصلهم».

ليس المطلوب أن نحرق كتب الأنساب، بل ألا نعبدها بدلًا من بناء المدارس.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك