تستيقظ فتاةٌ صباحاً، تحاول النهوض من السرير فلا تستطيع.
لا تعرف إن كان هذا ثقلاً في جسدها أم شيئاً آخر لا تستطيع إدراكه.
كيف ستشرح هذا التعب لوالدتها؟ وكيف ستقنع مديرها في العمل بأنّها ليست بخير كما تبدو؟لا يتوقّف الأمر عند لحظة الاستيقاظ.
أحياناً تصبح حتى أبسط الأمور اليومية ثقيلة: غسل الأسنان وتبادل أطراف الحديث مع الآخرين.
إنّها أمور بسيطة حين تكون بخير، لكنّ الألم الداخلي يجعلها أكثر ثقلاً.
ولعلَّ الأصعب من ذلك، ضرورة الشرح والتبرير للآخرين.
لذا، تكتفي بالابتسامة، وكأنّ الألم أمر غير لائق للبوح به.
تتمنى في تلك الحال، لو أنّها مصابة بأيّ وعكةٍ صحية لها ملامح واضحة، تريحها من استنكار من حولها.
لأنَّ الألم لا يُعامل، اجتماعياً، كحقيقةٍ إلا حين يكون قابلاً للتفسير.
في البداية، تحاول الشرح، تبحث عن الكلمات المناسبة، ثم تتراجع حين تشعر أنّ ما تقوله لن يُفهم كما أرادت.
الألم لا يُعامل، اجتماعياً، كحقيقةٍ إلا حين يكون قابلاً للتفسيرعندما تعجز عن عيش يومها بشكلٍ طبيعيٍّ وسلس، كيف بإمكانها أن تواجه استنكاراً مُتمثّلاً في سؤال: ما الذي أصابك؟ تبدين بصحةٍ جيدة! فتبدأ بمراقبة جسدها أكثر من اللازم، كأنّها تبحث عمّا يُفسّر ما تشعر به.
ولهذا، في غياب دليلٍ واضح، يُصبح الألم محلّ شك.
لماذا يبدو ما نراه وكأنّه الحقيقة الوحيدة، بينما يُعامل ما لا يُرى وكأنّه مجرّد احتمال؟ ليس دائماً بدافع القسوة، بقدر ما هو عجزٌ عن الاستيعاب يقود إلى التشكيك.
فالأعراض الجسدية، كالكسر أو الحرارة أو الكدمات، اعتدنا تصديقها والتعامل معها.
ربطنا منذ الطفولة الألم بالمرض، والمرض برؤية الدم أو الجرح أو نتيجة فحص سيئة.
بينما الألم الخفي يُربِكنا ولا نُجيد التعامل معه.
قد يتمكّن الشخص من الوقوف، والذهاب إلى العمل، بينما هو ينهار من الداخل.
لكن من حوله لا يرون سوى الجسد الذي يتحرّك، فيعتقدون أنَّ هذا الإنسان في أفضل حال، بينما هو لا يريد أكثر من توقّف العالم عن مطالبته بالتظاهُر بأنَّه بخير.
يبدو ما نراه وكأنّه الحقيقة الوحيدة، بينما يُعامل ما لا يُرى وكأنّه مجرّد احتمالورُبّما لهذا يلجأ بعض الأشخاص إلى أعذارٍ جسدية، كألمٍ في الرأس أو الأسنان، أو عدم النوم جيداً، أو أيّ سببٍ آخر.
ليس كذباً، بل محاولة للهروب من ثقلٍ يصعب شرحه.
عندما يسمع المتألّم عبارات من قبيل: أنت بخير، لا تبدو مريضاً، لعلك تبالغ.
يشعر بالضياع، ولا يلبث أن يتسرّب إليه الشك نفسه.
فإذا كان الجميع يطلبون من المتألّم دليلاً على ألمه، يبدأ هو أيضاً بالتشكيك فيما يشعر به، وكأنَّ المعاناة لا تكفي ما لم تكُن قابلة للتفسير.
هنا يحاول هذا الشخص كتم ألمه أكثر، أو إنكاره ولوم نفسه لأنّه أعطاه أهمية، ويتوقّف عن الشرح.
ليس لأنّه باتَ بخير، بل لأنَّ الشرح لم يعُد يُغيّر شيئاً في الأمر.
في النهاية، لم يعُد السؤال: لماذا يؤلمني هذا؟ وإنّما: كيف أُثبت لنفسي أنّه يؤلمني حقاً؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك