لا يوفّر الإفساد الذي يمارسه دونالد ترامب في الكوكب مجالاً ولا قطاعاً.
حتى اللغة الإنكليزية طاولها عبثه قبل أن يصبح رئيساً، عندما اخترع عن جهل أو ثقل دم مصطلحاً لا وجود له في المعجم هوbigly.
حصل ذلك قبل عشر سنوات، وكان يناظر هيلاري كلينتون، وقصد من فتحه اللغوي" بشكل كبير"، في إطار وعده مناصريه بتحقيق نصر كبير (we are going to win bigly).
يبذل الرجل كل جهده لإفساد الثقافة ويحاول إلصاق اسمه في صروح كمركز كينيدي ويضطهد المثقفين الذين يتجرّأون على أميته ورجعيته وعنصريته التي لا يقلل منها قوله إن رواية الألماني إريك ماريا ريمارك" كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" من أجمل ما قرأه.
وبقليل من سوء النية، يمكن افتراض أن ترامب شاهد الفيلم المقتبس من العمل الأدبي على" نتفليكس" فصار في وسعه الادعاء أنه قرأ الكتاب لعلّ مذيعاً أو محاوراً تجرأ على إحراجه بسؤال عن شيء من القصة.
الرياضة من ضحايا ترامب أيضاً وقد وجد شريكاً اسمه جياني أنفانتينو، ويمكن بسهولة توقع مشاهدة أسوأ نسخة من تاريخ كأس العالم لكرة القدم بدءاً من الأسبوع المقبل، بما أن الرئيس الأميركي سيكون نجمه.
ولفهم نوعية الشريك إنفانتينو، يكفي إخبار من فاته النبأ أن رئيس" فيفا"، السويسري ــ الإيطالي الذي أهدى إليه الرئيس اللبناني جوزاف عون الجنسية اللبنانية لأن زوجته تحملها، وعد بأنه سيجلب شخصياً" النقانق والمشروبات الغازية" لأي شخص يشتري تذكرة مباراة نهائي كأس العالم مقابل مليوني دولار في 19 يوليو/ تموز المقبل، قبل أن يطمئن محدودي الدخل بأن هناك تذاكر متاحة بـ33 ألف دولار فقط.
وحتى كتابة هذه السطور، لم يكن لاعبو المنتخب الإيراني قد نالوا تأشيراتهم الأميركية ويرجَّح أن يقيموا في المكسيك وقد تُنقل مبارياتهم إلى هناك لأن ترامب يرفض السماح لهم بالدخول، بينما إنفانتينو أخرس أبكم أصمّ.
كذلك حالُ لاعبي منتخب جنوب أفريقيا الذين غادروا أول من أمس الاثنين إلى المكسيك بعد تأخر صدور تأشيراتهم إلى أميركا.
هذا شيء من إفساد ترامب الرياضة، أما عندما يتراقص الرجل، فيمكن لذلك أن يجعلك بسهولة بالغة تكره كل ما يمتّ إلى الرقص بصلة.
والعِلم ضحية مركزية في بنك أهدافه، هو راعي نظريات المؤامرة وصاحب أقوال مأثورة من نوع أن فيروس كورونا، أو" الفيروس الصيني" على قوله، سيتبخّر في الهواء وأن لا شيء اسمه تغيّر مناخي وأن تلوّث الوقود الأحفوري حيلة ضد الاقتصاد الأميركي وناشطي البيئة عملاء ضد إدارته.
وهل من نكتة أكثر سماجة من نكاته؟ الإفساد الترامبي نفسه يمكن إسقاطه على الإعلام والأخلاق والذوق العام والاقتصاد والقانون وأمور أخرى كثيرة قبل التفرغ لنعي السياسة، الضحية الكبرى لترامب.
السياسة في عهد ترامب صارت كلمة مجازية لا بل رمزية، مثل القانون الدولي، وبات من يتابع وكالات الأنباء يومياً يصادف عبارة معتادة متنقلة ومكرّرة، هي" فلان الفلاني مرشّح الرئيس ترامب.
في البلد العلّاني".
و" مرشحو ترامب" في المجر أو تشيلي أو هندوراس أو سلوفاكيا أو الأرجنتين أو اليابان، لم يكونوا مدعومين بشكل عابر ورمزي من الرئيس الأميركي، بل إن ترامب كان ناخباً أساسياً في معارك فيكتور أوربان وخوسيه أنطونيو كاست ونصري عصفورة وروبرت فيتسو وخافيير ميلي وساناي تاكايتشي، فقد هدد شعوب معظم هذه البلدان بأنه سيعاقبهم سياسياً واقتصادياً، وربما عسكرياً، في حال لم ينتخبوا الرؤساء ورؤساء الحكومات المذكورة أسماؤهم أعلاه.
وبالفعل، وحده الكابوس أوربان تخلّصت البشرية من سمومه والباقون، ومعظمهم من أشباه ترامب، ابتليت شعوب بهم.
ومن جرائم ترامب التي لا تُغتفر أنه جعل طائفة واسعة من البشر لا يبحثون في برامج مرشحين أو جدول أعمالهم أو وعودهم الانتخابية لكي يقرّروا هوية من يستحق أصواتهم، بل أمسوا يبحثون عن" مرشح ترامب" في كل بلد لكي يصوّتوا لخصمه على صحة السلامة، ذلك أن خياراً غير عقلاني مثل" مرشح ترامب"، يخلق نقيضه الذي قد يكون بدوره خياراً غير عقلاني آخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك