من طهران إلى بودابست، مرورا بالفاتيكان، ثم واشنطن ولندن وبكين وموسكو، تتكثف الإشارات الدالة على أن العالم لم يعد يدور حول محور واحد.
لقد دخلنا مرحلة جديدة، لم تعد فيها الهيمنة الأمريكية المطلقة أمرا مسلما به، ولا حتى مرغوبا فيه لدى كثير من الحلفاء التقليديين.
ما كان يعتبر، حتى عقدين مضيا، نظاما دوليا مستقرا تحت قيادة قوة واحدة، بات اليوم ساحة مفتوحة لتحديات متزايدة: سياسية، اقتصادية، عسكرية، وأخلاقية.
صحيح أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك أدوات قوة هائلة – من أسطول حربي يجوب البحار، إلى نظام مالي عالمي تسيطر عليه، إلى إعلام نافذ يصل إلى كل بقعة في الكوكب – لكن قدرتها على فرض إرادتها دون مقاومة أو مساومة تراجعت بشكل واضح وملموس.
إن إدارة العالم وكأنه شركة مساهمة، أو كما لو كان فندقا يمكن إعادة تأثيثه حسب رغبة المدير التنفيذي، هي وصفة أكيدة لكوارث إنسانية.
الشعوب تثور ليس لأنها ترفض التغيير، بل لأنها ترفض أن يتخذ قرار مصيرها دونها.
لم تعد الدول، ولا حتى الحلفاء الأوفياء، مستعدين للانخراط الأعمى في سياسات تفرض من الخارج، خاصة عندما تتناقض مع مصالحهم الحيوية، أو مع نبض شعوبهم التي تنبض بوعي متزايد بحقوقها وكرامتها.
في هذا السياق، يبرز نموذج سياسي يعكس هذا التحول بشكل حاد، بل ويسرعه: دونالد ترامب.
فالرجل، سواء أعيد انتخابه أم لا، لم يعد مجرد رئيس سابق، بل تحول إلى ظاهرة تعبر عن قطاع واسع من النخبة الأمريكية التي ترى في العالم سوقا مفتوحة، وفي العلاقات الدولية لعبة صفقات بلا روح.
بالنسبة لهذه النظرة، تقاس التحالفات بمنطق الربح والخسارة الآنية، لا بمنطق القيم أو التوازنات الإستراتيجية طويلة المدى.
تتحول القضايا الكبرى – كالحرب والسلام، والتجارة، واللجوء، والمناخ – إلى مجرد أوراق تفاوض ترفع وتخفض حسب المزاج أو المكسب الشخصي.
لكن هذه الرؤية، مهما بدت عملية في غرف الاجتماعات المغلقة، تصطدم بواقع لا يمكن تجاهله، واقع مؤلم وبسيط في آن واحد: الشعوب ليست عقارات.
الشعوب ليست شركات يمكن دمجها أو بيعها في صفقة استحواذ، ولا أراضي يمكن التفاوض على مصيرها بين قطبين خلف الأبواب المغلقة.
الشعوب تحمل تاريخا، وذاكرة, وهوية، وكرامة، وأحلاما.
وهذه العناصر لا تخضع لمنطق السوق، ولا يمكن تسعيرها بالدولار، ولا يمكن تفريغها في جداول إكسل.
عندما يتم تجاهل هذه الحقيقة البسيطة، فإن النتائج لا تكون استقرارا، بل مزيدا من الغضب، والتوتر، والانفجارات الاجتماعية والسياسية التي تجتاح المدن من باريس إلى بيروت، ومن سانتياغو إلى طهران.
إن إدارة العالم وكأنه شركة مساهمة، أو كما لو كان فندقا يمكن إعادة تأثيثه حسب رغبة المدير التنفيذي، هي وصفة أكيدة لكوارث إنسانية.
الشعوب تثور ليس لأنها ترفض التغيير، بل لأنها ترفض أن يتخذ قرار مصيرها دونها، أو أن يباع مستقبلها في صفقة جانبية بين قادة لا يعرفون شيئا عن آلامها اليومية.
العالم يحتاج إلى نظام أكثر توازنا وإنصافا، يعترف بأن القوة الحقيقية لا تقاس فقط بالسلاح والمال، بل بمدى احترام إرادة الشعوب، وبمدى القدرة على بناء جسور لا جدران.
ما نشهده اليوم، من الشرق الأوسط إلى أوروبا، ليس مجرد إعادة ترتيب لموازين القوى، بل هو صراع وجودي على شكل العالم القادم.
وهنا تبرز ثلاثة نماذج، لكل منها سياقه، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: رفض الإملاءات الخارجية.
طهران تمثل نموذجا للرفض السياسي والأيديولوجي للهيمنة الغربية، وإن كانت تدفع ثمنا باهظا من عزلتها الاقتصادية.
لكنها أثبتت أن دولة متوسطة القوة يمكنها، لعقود، أن تقول" لا" لواشنطن دون أن تنهار.
بودابست تعكس توجها أوروبيا متزايدا نحو الاستقلالية في القرار، حيث تتصدى حكومة فيكتور أوربان لسياسات بروكسل وواشنطن في ملفات الهجرة والعقوبات والقيم الاجتماعية، مدعية أنها تمثل صوت" أوروبا الأخرى" التي لا تريد أن تكون تابعة.
أما الفاتيكان فيحاول، بصوت مختلف تماما، أن يذكر العالم ببعده الأخلاقي والروحي في زمن تتراجع فيه القيم الإنسانية أمام المصالح الضيقة.
البابا لم يعد مجرد زعيم ديني، بل صار صوتا عالميا ينتقد الرأسمالية المتوحشة، ويطالب باحترام المهاجرين والفقراء، ويحذر من منطق الأسلحة والصفقات.
الفاتيكان هنا ليس طرفا صانعا للقوة، بل هو ضمير العالم الذي يذكر من نسي أن الشعوب ليست مجرد أرقام.
إن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس فقط تراجع هيمنة قوة وصعود أخرى، بل غياب رؤية إنسانية عادلة تنظم هذا الانتقال.
السؤال الحقيقي ليس: هل ستنهار أمريكا؟ فهذا غير وارد في المدى المنظور.
السؤال هو: هل سيبقى النظام الدولي قائما على هيمنة قوة واحدة تفرض شروطها وتصنف من يطيعها ومن يعصيها؟ أم أننا نتجه نحو عالم متعدد الأقطاب، تسمع فيه أصوات الشعوب، وتحترم فيه خصوصيات الدول، ويعاد فيه تعريف" القوة" نفسها؟ المؤشرات تدل على أن الثاني هو الأرجح، لكن الطريق لن يكون سهلا.
فالتعددية القطبية لا تعني بالضرورة عدالة أو سلاما.
قد تعني صراعات إقليمية أكثر، وحروبا بالوكالة، وفوضى تنظيمية.
لكنها تعني أيضا فرصة لإعادة بناء قواعد اللعبة الدولية على أسس أكثر توازنا، حيث لا يستطيع أي طرف، مهما كان قويا، أن يحتكر الحقيقة أو يفرض نموذجه على الجميع.
إن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس فقط تراجع هيمنة قوة وصعود أخرى، بل غياب رؤية إنسانية عادلة تنظم هذا الانتقال.
العالم لا يحتاج إلى تاجر جديد يدير شؤونه بمنطق البيع والشراء، ولا إلى مستبد جديد بلون آخر.
وفي قلب كل هذه التحولات، تبقى الحقيقة الأوضح، التي يبدو أن البعض لا يزال يجهلها عمدا: الشعوب لا تشترى ولا تباع.
لا في صفقات ترامب، ولا في حسابات البنتاغون، ولا في لعبة الأمم المتحدة.
الشعوب تبقى، وتنتظر، وتثور، وتحلم.
ومن ينسى ذلك، سيدفع الثمن، عاجلا أم آجلا.
العالم يتغير، بسرعة ربما تفوق قدرة قادته على الفهم.
ولكن في قلب هذا التغيير، هناك صوت واحد لا ينبغي إسكاته: صوت الشعوب التي تريد أن تعيش بكرامة، لا أن تباع في بورصة القوى الكبرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك