لا تزال الجماهير الجزائرية تعيش على وقع الفوز الودي التاريخي الذي حققه المنتخب الوطني أمام نظيره الهولندي في ملعب روتردام، بفضل الهدف الجميل الذي وقعه حاج موسى في النصف الثاني من المباراة.
وبعيدا عن أهمية مخلفات هذا الفوز من الناحية المعنوية، فإن العناصر الوطنية أبانت عن مردود فني خلف الكثير من الإشادة أمام منتخب قوي يحتل المرتبة السابعة عالميا، ما يجعل أبناء المدرب بيتكوفيتش أمام حتمية ضبط ساعتهم من الآن على الموعد الرسمي أمام منتخب الأرجنتين في إطار اللقاء الأول من نهائيات كأس العالم، وهذا بصرف النظر عن الودية الأخيرة المرتقبة أمام بوليفيا.
حقق المنتخب الوطني عدة مكاسب فنية ومعنوية خلال المباراة الودية القوية التي نشطها زملاء بن طالب في ملعب روتردام بهولندا أمام المنتخب الهولندي القوي بقيادة المدرب كومان، حيث عرف “محاربو الصحراء” كيف يتفاوضون بشكل جيد مع مجريات التسعين دقيقة، من خلال الاستثمار في التكيف مع نقاط قوة وضعف المنافس، وهو الأمر الذي بدا بشكل واضح خلال الشط الأول، حيث تحمل القاطرة الخلفية مسؤولية كبيرة للحفاظ على نظافة الشباك وسط تألق واضح للحراس لوكا زيدان الذي برهن مجددا بأنه سيكون المرشح الأول لتولي حراسة مرمى المنتخب الوطني في نهائيا أس العالم، وهذا رغم متاعبه الصحية، بعد الإصابة التي تعرض لها، وحتمت عليه وضع وقي الرأس، حيث كانت أغلب تدخلات لوكا زيدان موفقة، مانحا ثقة مهمة لزملائه الذين عرفوا كيف يتفاوضون بشكل جيد مع متطلبات وتحديات هذه المباراة، وأنهوا المرحلة الأولى بالتعادل الأبيض وسط صمود دفاعي واضح، وفقا للمنظومة التي اعتمد عليها المدرب بيتكوفيتش، والمشكلة في البداية من خدمات عبادة ونوري على مستوى الظهيرين، مقابل تعزيز المحور بخدمات ماندي وبلعيد، في الوقت الذي أبان بن طالب عن أداء طيب سمح بإحداث التوازن في خط الوسط، مقابل قيام الخط الأمامي بعدة مبادرات عن طريق القائد رياض محرز في الوسط الأول، قبل أن تحدث ديناميكية أفضل في الشوط الثاني، تزامنا مع التغيرات التي أحدثها الطاقم النفي، من خلال منح الفرص لعديد العناصر الشابة التي خطفت الأضواء دفاعيا وهجوميا، في صورة مازة وشايبي، إضافة إلى توقة الذي شكل ثنائيا مهما في النحور رفقة بلعيد، إضافة إلى مسجل هدف المباراة حاج موسى الذي عرف كيف يباغت حارس المنتخب الهولندي بفضل حسه الفني وفعاليته التي مكنته من الاستثمار في إمكاناته الفردية والتسديد بطريقة جمعت بين الفعالية والجماعية، موقعا هدفا تاريخيا في ملعب روتردام، ما سمح للمنتخب الوطني بتحقيق فوز ودي تاريخي في أول مباراة تجمعه بنظيره الهولندي.
وبعيدا عن مخلفات هذا الفوز الودي من الناحية المعنوية على الخصوص، فإن المدرب بيتكوفيتش لم يتوان في وضع لاعبيه في الصورة، من خلال الدعوة إلى ضرورة التحلي بالواقعية، ومواصلة العمل التحضير في أجواء جادة وهادئة، خاصة وأن مباراة هولندا لا تعدو أن تكون مجرد لقاء ودي تحضيري، وهذا بصرف النظر عن الإيجابيات الكثيرة التي خلفتها، وفي مقدمة ذلك الاستماتة الدفاعية بشكل يعكس التوازن في المنظومة الخلفية، وهو الأمر الذي يزيد من ثقة العناصر الوطنية التي تراهن على تحصين الجدار الخلفية مقابل تفعيل الأداء الهجومي، وقبل ذلك ضمان التوازن اللازم في خط الوسط، خاصة في ظل حيازة المنتخب الوطني على عناصر بارزة تجمع بين الخبرة والشبان، وسط طموح كبير في الظهور بوجه إيجابي يشرف الكرة الجزائرية.
وعلى هذا الأساس يحرص المدرب بيتكوفيتش من الآن على ضمان الأجواء الهادئة في المجموعة، مع التفكير بجدية في المواعيد الرسمية المرتقبة في نهائيات كأس العالم، في مقدمة ذلك المباراة القوية والكبيرة أمام المنتخب الأرجنتيني، خاصة وأن هناك إجماعا على أن محاربي الصحراء بمقدورهم التألق وصنع التميز في العرس العالمي الأمريكي، ما يتطلب آليا الاستثمار في الأجواء الايجابية التي يعيشها المنتخب الوطني من الناحية المعنوية والفنية، وتوظيف جهود الجميع لتحقيق مسار إيجابي يسمح بتجاوز عقبة الدور الأول، وهو الكلام الذي ذهب إليه المدرب بيتكوفيتش الذي يسير وفق إستراتيجية منهجية من شأنها أن تخدم العناصر الوطنية، وهذا بعد أن عبر عن رضاه بسير تربص سيدي موسى الذي طعمه بودية قوية أمام هولندا، في انتظار ودية أخيرة أمام بوليفيا تكون فرصة لوضع آخر اللمسات قبل ضبط أموره بصورة مباشرة مع موعد الأرجنتين.
وصفت اللقاء بـ”العقوبة الكروية” القاسيةالصحف والمواقع الهولندية: “أنيس حاج موسى يعاقب هولندا في بيته”لم تكن مباراة “توديع الجماهير” التقليدية التي خاضها المنتخب الهولندي على أرضية ملعب “دي كويب” بروتردام مجرد محطة تحضيرية قبل السفر لخوض نهائيات كأس العالم، بل تحولت إلى ليلة تاريخية صدمت الشارع الرياضي في الأراضي المنخفضة، وصنعت الحدث في كبرى الصحف والمواقع الرياضية هناك، فالخسارة المفاجئة لـ”الطواحين” بهدف نظيف أمام المنتخب الجزائري، لم تكن الحدث الأبرز بحد ذاتها، بل السيناريو الدراماتيكي الذي كُتب بأقدام جزائرية، وصاغته تفاصيل لا تحدث إلا في روايات كرة القدم المشوقة.
وعنونت الصحافة الهولندية الصادرة، الخميس، المشهد بعبارة تلخص حجم الصدمة والمفارقة: “أنيس حاج موسى يعاقب هولندا في بيته” في عنوان تصدر أغلفة المواقع الشهيرة مثل “Voetbal International” و”Sportnieuws”، جاء ليصف بدقة اللحظة القاتلة في الدقيقة 86، عندما تسلم الجناح الجزائري الشاب كرة مرتدة نموذجية، وتوغل بها بجرأة مستغلا معرفته اللصيقة بكل شبر في عشب ملعب روتردام، ليطلق تسديدة مقوسة ساحرة بيسراه سكنت الزاوية البعيدة للحارس روبن روفس، معلنةً عن هدف اللقاء الوحيد.
ركزت التقارير التحليلية على الأثر النفسي والتكتيكي لهذه اللقطة، فحاج موسى ليس غريبا عن الجماهير الهولندية، بل هو أحد أبرز نجوم نادي فينورد روتيردام، وصاحب الـ14 هدفا بقميص النادي هذا الموسم في جميع المسابقات، وأن يأتي هذا اللاعب تحديدا، وفي ملعبه وبيته الذي طالما هتفت له فيه الجماهير، ليزور شباك منتخب بلادهم، كان بمثابة “عقوبة كروية” قاسية وصدمة لم يتوقعها أشد المتشائمين من عشاق الكتيبة البرتقالية.
ولم تتوقف الإشادات عند حاج موسى وحده، بل أفردت وسائل الإعلام مساحات واسعة للحديث عن جدار الدفاع الجزائري الصلب، والتألق الإعجازي للحارس لوكا زيدان، الذي لعب بقناع واق للوجه بسبب إصابة في الفك، ونجح في التصدي لست محاولات محققة من ممفيس ديباي ودونييل مالين، مما أصاب الهجوم الهولندي بالعقم والإحباط رغم سيطرتهم على الاستحواذ بنسبة تجاوزت 54 بالمائة، وفيما اعتبرت الصحف الهولندية هذه الهزيمة بمثابة “دوش بارد” تكتيكي للمدرب رونالد كومان يعيد ترتيب حساباته قبل المونديال، اعترفت في الوقت ذاته بأن المنتخب الجزائري، بقيادة فلاديمير بيتكوفيتش، قدم درسا في الواقعية الكروية، والالتزام الدفاعي، والتحول السريع، ليخرج “الخضر” من روتيردام بفوز معنوي وتاريخي ثمنه هيبة كروية، وبطله لاعب عاقب مستضيفه في عقر داره.
أكدت أن فوز الجزائر لم يكن ضربة حظ…مواقع وصحف نمساوية: تبديلات بيتكوفيتش “نقطة التحول الشطرنجية”لم تكن مواجهة روتردام الودية الأخيرة بين المنتخب الوطني الجزائري ونظيره الهولندي مجرد محطة إعدادية في طريق التحضير لنهائيات كأس العالم 2026، بل تحولت إلى درس تكتيكي رفيع المستوى، تداولته الصحافة النمساوية والأوروبية بكثير من الإعجاب والتحليل، وتحت هذا العنوان، أفردت كبرى المواقع الرياضية النمساوية، وفي مقدمتها منصة “Laola1” العريقة والصفحات الرياضية لصحيفة “Der Standard”، مساحات واسعة لقراءة العبقرية التكتيكية التي أدار بها الناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش رقعة المباراة، مبرزة كيف تحول “الخضر” من مرحلة الصمود والدفاع إلى الصعق والانتصار في الأنفاس الأخيرة.
الصحافة النمساوية التي تابعت اللقاء باهتمام خاص، نظرا لإدارة المباراة من طرف طاقم تحكيم نمساوي بقيادة الحكم الدولي “جاكوب سيميلر” من جهة كما أن الفريقان سيلتقيان في مونديال أمريكا من جهة أخرى، حيث ركزت في قراءتها التحليلية على الشوط الأول الذي شهد سيطرة مطلقة لـ”الطواحين” الهولندية، وأشارت التقارير إلى أن المنتخب الهولندي فرض ضغطا عاليا رهيبا بقيادة كودي غاكبو وممفيس ديباي، كاد أن يعصف بالشباك الجزائرية لولا الاستبسال الدفاعي والوقوف الخرافي للحارس لوكا زيدان، الذي وصفته صحيفةKurier” ” بـ”الجدار المنيع” الذي أحبط الهجمات البرتقالية المتتالية.
لكن الإثارة الحقيقية والتحول الدراماتيكي بدأ في الشوط الثاني، وتحديدا مع حلول الدقيقة 70، هنا، وحسب القراءة الفنية لموقع “Laola1″، ظهرت لمسة بيتكوفيتش الشطرنجية، حيث لم يكتف المدرب السويسري- البوسني بالدفاع، بل قامر بجرأة تكتيكية عبر إقحام عناصر هجومية حيوية بهدف نقل الضغط إلى مناطق الخصم، وجاءت التغييرات لتعيد التوازن لخط الوسط وتمنح الأطراف سرعة فائقة في الارتداد الهجومي.
الذروة التكتيكية تجلت في لقطة المباراة عند الدقيقة 86، والتي صاغ تفاصيلها البديل الاستراتيجي أنيس حاج موسى، فوفقا لـ”Der Standard”، فإن التغييرات التي أجراها بيتكوفيتش خلقت المساحات اللازمة لحاج موسى في الرواق الأيمن، ليقوم بفاصل مهاري تفوق فيه على الدفاع الهولندي، قبل أن يطلق قذيفة يسارية مركزة سكنت شباك الحارس الهولندي روبن، معلنة هدف الفوز التاريخي.
اتفقت المصادر النمساوية في ختام تحليلاتها على أن فوز الجزائر في روتردام لم يكن ضربة حظ، بل كان نتاج قراءة عبقرية وتبديلات مدروسة غيرت موازين القوى على أرضية الميدان، مما يوجه إنذارا شديد اللهجة للمنافسين في المونديال القادم بأن “محاربي الصحراء” باتوا يملكون عقولا تدير المعارك الكروية بأناقة ودهاء الشطرنج.
إشادة إعلامية بـ”الظاهرة الشغوفة”الجماهير الجزائرية تسرق العرض في ليلة روتردام وتُبهر الصحافة الهولنديةلم تكن المواجهة الودية الأخيرة التي جمعت بين المنتخب الجزائري ونظيره الهولندي على أرضية ملعب “دي كويب” الشهير بروتردام، مجرد مباراة كرة قدم في الأجندة الدولية، بل تحولت إلى مهرجان جماهيري استثنائي صُنعت تفاصيله باللونين الأخضر والأبيض، ورغم أن اللقاء أقيم في معقل الطواحين الهولندية ووسط جماهيرهم، إلا أن عشاق “محاربي الصحراء” نجحوا في خطف الأضواء تماما، وسرقوا العرض ليصنعوا الحدث الأبرز الذي تصدر عناوين الصحف والمواقع الرياضية الهولندية والعالمية في اليوم التالي.
إذ منذ الساعات الأولى التي سبقت صافرة البداية، تدفقت الآلاف من الجماهير الجزائرية، القادمة من مختلف المدن الهولندية ومن دول الجوار مثل فرنسا، بلجيكا، وألمانيا، صوب مدينة روتردام، محولين شوارعها المحيطة بالملعب إلى ساحات احتفالية صاخبة بهتافات “وان، تو، ثري، فيفا لالجيري”، ومع انطلاق المباراة، تحولت مدرجات ملعب “دي كويب” العريق- المعروف تاريخيا بأجوائه المشحونة- إلى ما يشبه المرجل المشتعل، حيث غطت الأعلام الجزائرية المشهد، وأطلقت الجماهير أهازيج حماسية مدوية لم تتوقف طوال التسعين دقيقة، مما جعل لاعبي هولندا يشعرون، باعتراف وسائل إعلامهم، وكأنهم يخوضون مواجهة شرسة خارج ديارهم وفي قلب القارة الإفريقية.
هذا الحضور الجماهيري الطاغي نال قسطا وافرا من الإشادة والذهول في كبريات الصحف والمواقع الهولندية، إذ وصفت التقارير الرياضية هناك الجمهور الجزائري بـ”الظاهرة الشغوفة” التي لا تتكرر كثيرا في الملاعب الأوروبية، واعتبرت أن هذا الدعم الجنوني كان الوقود الحقيقي الذي منح “الخضر” تفوقا معنويا واضحا على أرضية الميدان، كما لم يقتصر الأمر على الهتافات، بل أبدع المشجعون في رسم لوحات تشجيعية حضارية راقية عكست الروح الرياضية العالية، وقدمت صورة مشرفة عن الشغف الكروي الجزائري.
وقد فتحت هذه اللوحة الاحتفالية الباب واسعا أمام التوقعات والقراءات التي تؤكد قدرة هذه الجماهير الوفية على تكرار ذات الأجواء الأسطورية ونقل هذا الزخم الفريد إلى نهائيات كأس العالم، إذ يجمع المحللون على أن المدرجات المونديالية ستكون على موعد مع طوفان بشري جزائري لا يهدأ، قادر على تحويل أكبر ملاعب المونديال إلى معاقل وطنية لـ”المحاربين” بفضل الجاليات المنتشرة في كل مكان، والجاهزية التامة لعشاق الخضر للتنقل الجماعي وصناعة التميز الذي يمنح رفقاء حاج موسى أفضلية الأرض والجمهور أينما حلوا وارتحلوا.
لقد تزامنت هذه الملحمة الجماهيرية في المدرجات مع توهج خاص لنجوم الجزائر على العشب الأخضر، وعلى رأسهم النجم الشاب أنيس حاج موسى، لاعب نادي فينورد روتردام، الذي كان يلعب في بيته وأمام جماهير فريقه الهولندي، ولكنه اختار هذه المرة قيادة بلاده إلى فوز تاريخي بهدف نظيف أشعل به المدرجات، وفي النهاية، أثبتت جماهير الجزائر، في ليلة روتردام، أن كرة القدم ليست سوى خطط تكتيكية داخل المستطيل الأخضر، بل هي روح وشغف وانتماء عابر للقارات، يملك القدرة دائما على سرقة العرض وقلب الموازين في أكبر المسارح الكروية العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك