تقاس قوَّة الدول بقدرتها على توفير الحياة الكريمة لمواطنيها، وبمدى نجاحها في بناء شبكات أمان تحمي الإنسان في مختلف مراحل حياته؛ ولهذا أصبحت منظومات الحماية الاجتماعيَّة أحد أهم المؤشرات التي تعكس مستوى التقدم المؤسَّسي والاقتصادي لأيِّ دولة؛ لأنها ترتبط بصورة مباشرة بالاستقرار المُجتمعي، وتعزيز فرص التنمية ورفع جودة الحياة.
ومن هذا المنطلق تمضي سلطنة عُمان في تطوير منظومة حماية اجتماعيَّة حديثة تستند إلى رؤية واضحة تجمع بين العدالة الاجتماعيَّة والكفاءة الاقتصاديَّة، وتضع الإنسان في قلب عمليَّة التنمية، وهو ما انعكس في التجربة العُمانيَّة التي حظيت باهتمام دولي متزايد، وتوّجت بإطلاق تقرير (إعادة تصميم منظومة الحماية الاجتماعيَّة في سلطنة عُمان) بالتعاون مع منظمة العمل الدوليَّة، ليؤكد أن ما تحقق أصبح نموذجًا يحظى بالمتابعة والتقدير على المستوى الدولي.
إنَّ أهميَّة التجربة العُمانيَّة تنبع من قدرتها على الجمع بين الأبعاد الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة ضمن إطار واحد متكامل، فمنذ عام 2020 بدأت السلطنة تنفيذ مسار إصلاحي طموح استهدف بناء منظومة أكثر كفاءة واستدامة وجاهزيَّة للمستقبل، ترجم بإصدار قانون الحماية الاجتماعيَّة وتوحيد (11) صندوقًا تقاعديًّا في صندوق موحَّد، مع توسيع نطاق التغطية ليشمل مختلف فئات المُجتمع ومراحل الحياة.
ويعكس هذا التوجُّه فهمًا عميقًا للعلاقة بين الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي.
فالمُجتمعات التي يشعر أفرادها بالأمان والثقة في المستقبل تمتلك قدرة أكبر على الإنتاج والمشاركة في التنمية، وتعزيز رأس المال البشري الذي يُمثِّل الثروة الحقيقيَّة لأيِّ وطن.
وتؤكد الأرقام حجم التحول الذي شهدته المنظومة خلال فترة زمنيَّة قصيرة، حيث يخدم صندوق الحماية الاجتماعيَّة نحو (3.
3) مليون شخص، فيما بلغت نسبة السكان المشمولين بخدمات المنظومة نحو (64) بالمئة من إجمالي السكان.
كما تجاوز عدد المؤمَّن عليهم النشطين (1.
67) مليون مؤمَّن عليه، وبلغ عدد المنتفعين النشطين أكثر من (1.
55) مليون منتفع خلال الربع الأول من عام 2026.
وتشمل هذه الأرقام أكثر من (1.
25) مليون مستفيد من منفعة الطفولة، و(179) ألف مستفيد من منفعة كبار السِّن، و(52) ألف مستفيد من منفعة الأشخاص ذوي الإعاقة، و(48) ألف مستفيد من دعم دخل الأُسر، كما ترتبط بالمنظومة (139) ألف جهة عمل نشطة، ويشمل نطاق التغطية أكثر من (104) آلاف من العاملين لحسابهم الخاص، وهي مؤشرات تعكس اتساع المظلة الاجتماعيَّة وقدرتها على الوصول إلى مختلف شرائح المُجتمع.
وتحمل المكانة الدوليَّة التي حققتها التجربة العُمانيَّة دلالات تتجاوز حدود الأرقام؛ فإطلاق التقرير في جنيف وبالشراكة مع منظمة العمل الدوليَّة يعكس مستوى الثقة الذي باتت تحظى به هذه التجربة.
كما أن تحقيق صندوق الحماية الاجتماعيَّة (14) إنجازًا دوليًّا خلال عامَي 2024 و2025، والمشاركة في (117) فعاليَّة دوليَّة وإقليميَّة خلال عامين، والحصول على الجائزة الرئيسة للجمعيَّة الدوليَّة للضمان الاجتماعي لأفضل الممارسات في آسيا والمحيط الهادئ، يؤكد أن سلطنة عُمان نجحت في بناء نموذج متوازن يجمع بين البُعد الإنساني والاستدامة الماليَّة والكفاءة المؤسَّسيَّة.
وتكتسب هذه الإنجازات أهميَّة خاصَّة؛ لأنها تعكس استثمارًا طويل الأمد في الإنسان، وترسِّخ قناعة بأن التنمية المستدامة تبدأ من توفير الحماية والفرص والطمأنينة لكل فرد في المُجتمع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك