في مصر، يسير" الترند" وفق بوصلة أخلاقية مُحيّرة؛ فبينما تشتعل منصّات التواصل الاجتماعي ضدّ المُمثّلة آية سماحة، بسبب" قبلة" وضدّ راقصة الأداء المصرية بسنت رحمي، بسبب ملابس البحر، تمرّ أخبار قتل النساء وكأنّها مجرّد" نشرة جوية" روتينية.
وكأنّنا أمام تحوّل صار أمرًا واقعًا ومُعتادًا أمام مجتمع يقيم الدنيا ولا يقعدها من أجل" تلامس شفاه"، أو بدلة رقص من ممثّلة أداء على البحر لكنّه يبحث عن" أعذار مُخفّفة" حين تسيل دماء حقيقية داخل البيوت.
خلال الفترة نفسها التي انشغل فيها روّاد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر بعمل" منشن" لوزارة الداخلية المصرية على قبلة آية سماحة، وعلى فيديوهات راقصة الأداء المصرية بسنت رحمي كي يتم ضبطهن وحبسهن، كانت هناك نساء قد سالت دماءهن في" المنطقة الرمادية" التي يقدّسها المجتمع: " الخصوصية الزوجية".
حيث القتل هنا يُنظر إليه فشلاً في الإدارة المنزلية، أو فورة غضب عارضة، لا يهزّ كيان الدولة ولا يخدش حياء المجتمع ولا يهدّد" قيمه الاجتماعية".
الجثّث المذبوحة في الدقهلية والمنوفية والإسكندرية هي" ضحايا مثاليات"؛ لأنّهن لا يملكن هاتفاً ليستغثنّ كما فعلت بسنت، ولا يملكن موهبة ليعبّرن عن حبّهن كما فعلت آية.
هنّ مجرّد أرقام في دفتر الحوادث، صمتهن الأبدي يُرضي غرور أولئك الذين يريدون من المرأة أنّ تظلّ" صامتة" حتى وهي تُساق إلى حتفها.
وعوضًا عن ذلك، أصبحت هناك موجة لفتيات يوثّقن الانتهاكات اليومية بالتحرّش الذي يتعرّضن له في وسائل المواصلات، وأصبح جمهور السوشيال ميديا ينتظر هذه الفيديوهات بوصفها فقرة كوميدية، لا تُثير الغضب ولا تدفع لتحرّك ولا حتى" نخوة".
ففي" نبروه" بالدقهلية، ذُبحت زوجة شابة على يد زوجها أمام أطفالها، وفي" الخانكة" بالقليوبية، سقطت أخرى بآلة حادة، وفي مكان آخر، قُتلت محامية حاولت استعادة ابنتها بحكم الحضانة، وفي الجيزة والفيوم تكرّرت مآسي" البيوت المغلقة".
نعيش في مجتمع" جنائزي" بامتياز، يمنح القداسة للمرأة فقط حين تُدرج في قائمة" المرحومات"، ويُطاردها إن أصرّت على ممارسة" فعل الوجود" خارج حدود الوصايةالمفارقة الدرامية تكمن في أنّ فيديوهات التحرّش اليومي، التي تُعرض فقرات" كوميدية" أو مادة للتندّر، تُؤكّد موازين القوى السائدة؛ حيث الرجل هو" الفاعل" والمرأة هي" المفعول بها" في موقع ضعفٍ مألوف.
لذا لا تستفز هذه الانتهاكات غريزة" حماة الفضيلة".
أمّا" آية وبسنت"، فهما تُجسّدان" المرأة الفاعلة" التي تختار زاوية التصوير، وصياغة الرسالة، وإعلان المشاعر؛ وهذا هو" المنكر" الحقيقي الذي يستوجب الرجم القانوني والاجتماعي.
نحن نعيش في مجتمع" جنائزي" بامتياز، يمنح القداسة للمرأة فقط حين تُدرج في قائمة" المرحومات"، ويُطاردها بالاتهام الاحتياطي طالما أنها تصرّ على ممارسة" فعل الوجود" خارج حدود الوصاية.
يعاني المجتمع المصري من أزمة" تعريف الخطر".
الخطر في الوعي العام أصبح يكمن في" المرئي" (الصورة، الفيديو، القبلة)، لا في" الحقيقي" (الضرب، السحل، الذبح).
إنّ سجن بسنت رحمي بتهمة" خدش الحياء" بعد تعرّضها للضرب هو إعلان عن وفاة" الحياء الإنساني" لصالح" الحياء الإداري".
الدولة هنا تحمي" عين الجمهور" من رؤية وجع الضحية، أكثر مما تحمي" جسد الضحية" من بطش المُعتدي.
نظريًا، القبلة (بوصفها فعل حياة) والاستغاثة (بوصفها فعل بقاء) يمثّلان" المرأة الفاعلة".
والقتل (بوصفه فعل فناء) يمثّل" المرأة المفعول بها".
وما زال النسق الاجتماعي يفضّل أن تكون المرأة مقتولة" مستورة" بدمها، على أن تكون حية" مفضوحة" بصوتها أو مشاعرها أو جسدها.
الخطر في الوعي العام أصبح يكمن في" المرئي" (الصورة، الفيديو، القبلة)، لا في" الحقيقي" (الضرب، السحل، الذبح)آية سماحة وبسنت رحمي وضحايا العيد، كلّهن ضحايا لـ" فصام وطني" يرى في جسد المرأة ميدانًا لتصفية الحسابات الأخلاقية.
آن الأوان أن ندرك أنّ الخجل الحقيقي يجب أن يكون من السكاكين التي تذبح النساء في البيوت، لا من القبلات التي توثّق الحبّ، أو الفيديوهات التي توثّق الألم.
الحياء الذي لا يحمي الدماء هو حياء كاذب، وهذا الاستنفار السيادي تجاه صورة" آية سماحة" ليس غيرةً على طُهرانية، بقدر ما هو رعبٌ من فكرة" الوكالة الجسدية"؛ فالمرأة التي تُقرّر متى تُحبّ وكيف تُوثّق مودّتها، هي امرأة تكسر احتكار المجتمع لقرارها الشخصي.
في المقابل، يمثّل" السكين" في بيوت الدقهلية والقليوبية أداةً لاستعادة التوازن المفقود في العقلية التقليدية.
القتل هنا هو" فعل امتلاك نهائي"، والجثّة هي الحالة الوحيدة التي يطمئن فيها النسق الأبوي لسلامة" الستر"؛ فالمرأة الميتة هي امرأة مُروّضة بالضرورة، لا تملك هاتفًا لتبثّ منه وجعها، ولا موهبة لتنتزع بها تصفيقًا، ولا رغبة تخدش بها صنم الوقار الزائف.
اعتدنا مؤخّرًا أن نلمس" فلسفة الإخفاء" التي تحكم" السيستم"؛ فالمجتمع والبيروقراطية الإدارية يغفران للجريمة" خفاءها"، لكنهما لا يغفران للضحية" تجليها".
قضية بسنت رحمي تكشف عن بشاعة هذا المنطق؛ فالدولة التي منحتها شهادة" التميّز" في فن الأداء، هي نفسها التي منحتها" الكلبش" حين قرّرت أن تؤدي دور" المُستغيثة" خارج الإطار الرسمي.
الخجل الحقيقي يجب أن يكون من السكاكين التي تذبح النساء في البيوت، لا من القبلات التي توثّق الحب، أو الفيديوهات التي توثّق الألمسجن بسنت لم يكن لحماية الآداب، بل كان عقابًا لضحية" وقحة" بمقاييسهم، لأنّها رفضت أن تكون" رقمًا صامتًا" في محضرٍ يُحفظ، واختارت أن تكون" صوتًا حيًا" في فضاءٍ رقميٍ لا يُمكن السيطرة عليه.
إنّنا أمام" نيوروبيروقراطية" اجتماعية، تبرمج الحواس على النفور من" الرؤية" (رؤية القبلة أو الدموع) والألفة مع" المعرفة" (معرفة أنّ الجارة تُضرب أو تُقتل خلف الباب)، وكأنّ الحياء العام في مصر هو حياء" بصري" محض، يرتعد من ملامح الحياة ويستكين لهيبة القبور.
يبدو أنّ" قيم الأسرة" قد تحوّلت من ميثاق للمودة والرحمة إلى" جدار عازل" يُشرعن العنف المنزلي تحت بند" الخصوصية"، ويُجرّم الاستقلال الإنساني تحت بند" العلانية".
إنّ المجتمع الذي لا يهتزّ لسماع صوت تكسير العظام، لكنه ينتفض لمشهد مودةٍ عابر، هو مجتمع يحتاج إلى إعادة تعريف" الخطر الإنساني".
الخطر ليس في قبلةٍ توثّق اتصالًا، بل في سكينٍ تنهي حياةً وتجد في صمتنا وتبريراتنا غطاءً لتستمر في الحصد.
آن الأوان أن ندرك أنّ الأخلاق التي لا تحمي الأحياء هي مجرّد طقوسٍ كاذبة ومنافقة، وأنّ الحياء الحقيقي هو أن نخجل من دماء النساء المسفوكة، لا من ملامح رغبتهن في الحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك