عمان- مع اقتراب الأردن من استكمال الإغلاق المالي لمشروع الناقل الوطني، لم يعد النقاش مقتصرا على ما سيضيفه المشروع من أمن مائي واستقلالية عن المصادر الخارجية، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بكيفية إدارة الكلفة المالية لمشروع يعد الأكبر في تاريخ قطاع المياه الأردني؛ هل سيصبح رفع تعرفة المياه مستقبلا خيارا لا مفر منه إذا تجاوزت مديونية سلطة المياه 15 مليار دينار، أم أن هناك بدائل قادرة على حماية المواطنين من تحمل فاتورة هذا التحول المائي؟ اضافة اعلانهذا السؤال اكتسب زخما إضافيا بعد تصريحات وزير المياه والري رائد أبو السعود، الذي كشف أن مديونية سلطة المياه تقترب حاليا من 5 مليارات دينار، وقد تتجاوز 15 مليارا بعد تنفيذ المشروع، في ظل تحمل السلطة عبء الدين كاملا، وهو ما أعاد ملف الاستدامة المالية للقطاع إلى صدارة النقاش بالتوازي مع الحديث عن الأمن المائي.
ورغم أن الوزير شدد، في وقت سابق لـ" الغد"، على أن الحكومة أصبحت قريبة من استكمال الترتيبات التمويلية للمشروع، فإن حديثه حمل رسالة أخرى لا تقل أهمية، حين أشار إلى أن مديونية السلطة وصلت إلى نحو 5 مليارات دينار، نتيجة الفجوة المستمرة بين الكلفة الحقيقية لإنتاج المياه وسعر بيعها للمستهلك.
وفي تفسير هذه الفجوة، أوضح أبو السعود" أن الكلفة الفعلية للمتر المكعب تبلغ نحو 1.
8 دينار، بينما تباع المياه بأسعار أقل بكثير"، مؤكدا أن استمرار هذا الواقع لسنوات طويلة، كان من أبرز أسباب تراكم المديونية الحالية.
عليه، فإن السؤال المطروح لا يبدو مرتبطا فقط بما إذا كانت تعرفة المياه سترتفع أم لا، بل بكيفية إدارة مرحلة ما بعد الناقل الوطني بأكملها؛ فنجاح المشروع لن يقاس فقط بقدرته على إيصال المياه للمحافظات، بل بقدرة الدولة على بناء نموذج مالي مستدام، يضمن استمرار الخدمة دون تحويل كلفة الأمن المائي إلى عبء مباشر على المواطنين.
وبناء على المعطيات الحالية، لا تبدو زيادة التعرفة خيارا حتميا أو المسار الوحيد المتاح أمام الحكومة، حتى مع احتمال تجاوز المديونية حاجز الـ15 مليارا.
فتصريحات الوزير نفسها، إلى جانب تقديرات مختصة، تشير لوجود مساحة واسعة من البدائل، تبدأ من استمرار الدعم والمنح الدولية، ولا تنتهي عند خفض الفاقد وتحسين الكفاءة التشغيلية وإعادة هيكلة التمويل.
لكن ما يبدو مؤكدا، هو أن مرحلة ما بعد الناقل، ستفرض على الأردن معادلة جديدة عنوانها؛ كيف يمكن تحقيق الأمن المائي دون التضحية بالاستدامة المالية، أو تحميل المواطنين فاتورة التحول كاملة؟كما أن القراءة المتأنية لتصريحات الوزير، تكشف أنه لم يكن بصدد التمهيد لقرار مباشر برفع الأسعار بقدر ما كان يلفت الانتباه إلى تحد مالي بات يرافق المشروع منذ لحظة ولادته.
فالوزير عاد ليؤكد أن المقصود من حديثه حول ضرورة مشاركة الجميع في تحمل كلفة المياه" ليس نقل عبء الدين إلى الأردنيين"، وإنما البحث عن صيغة أكثر استدامة لتمويل القطاع، مع المحافظة على الحماية الاجتماعية للشرائح الأقل استهلاكا.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية التي تواجه القطاع؛ فالمشروع الذي ينظر إليه باعتباره مشروع سيادة مائية وأداة إستراتيجية لتحرير الأردن من ضغوط الشح المائي، قد ينجح بمعالجة أزمة التزويد، لكنه يفتح في المقابل تحديا ماليا طويل الأمد، يتمثل بكيفية إدارة الدين الناتج عنه دون المساس بالبعد الاجتماعي لخدمة المياه.
وفي هذا الصدد، حاولت" الغد" الاتصال بوزارة المياه والري للوقوف على تفاصيل وحيثيات مفاد تلك التصريحات، لكنه لم يتسنّ لها الرد.
وفي الوقت ذاته، تبرز دعوات متزايدة لإعادة هيكلة التمويل المائي بصورة أوسع، وتعظيم الاستفادة من المنح الدولية وصناديق المناخ والتمويل الميسر، وربط جزء من الإيرادات المستقبلية بالمشاريع والخدمات المرتبطة بالقطاع، بدلا من الاعتماد الحصري على تعرفة المياه كمصدر لسداد الالتزامات.
وتذهب قراءات أخرى إلى أبعد من ذلك، بطرح تساؤلات حول ما إذا كان الناقل الوطني، يجب أن يكون نقطة تحول نحو نموذج مائي جديد، يركز على إدارة الطلب، وتعظيم الاستفادة من المصادر الأقل كلفة، والاستثمار في التكنولوجيا المائية والابتكار وحصاد المياه، بما يقلل الحاجة مستقبلا لمشاريع رأسمالية ضخمة تزيد مستويات الدين.
وفي هذا السياق، يرى الأمين العام الأسبق للوزارة إياد الدحيات، أن الإجابة عن التساؤل حول ما إذا كان رفع تعرفة المياه مستقبلا سيصبح خيارا لا مفر منه في حال ارتفعت مديونية السلطة لأكثر من 15 مليارا بعد تنفيذ الناقل الوطني، أم أن هناك بدائل مالية يمكنها منع تحميل المواطنين كلفة المشروع، وتتطلب النظر إلى طبيعة السياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة بإدارة وتمويل القطاع طوال السنوات الماضية.
يؤكد الدحيات أن قطاع المياه حيويٌ ذو أولوية، دعمته الحكومات المتعاقبة ماليا في إطار سياسات عامة، مراعاة للأبعاد الاجتماعية واستقرار المجتمعات والصحة العامة والأمن الغذائي، وهي اعتبارات تتجاوز الجانب الاقتصادي والمالي المجرد.
وبين الخبير المائي، أن أولى هذه السياسات تمثلت في الاقتراض الحكومي من الجهات التنموية الدولية التي تقدم منحا وقروضا خارجية مالية ميسرة، لتمويل مشاريع القطاع الرأسمالية المكلفة، والتي تشمل استخراج وتطوير مصادر المياه والخطوط الناقلة وإعادة تأهيل وتوسعة الشبكات، وتنفيذ شبكات ومحطات الصرف الصحي وغيرها من المشاريع.
ويشير إلى أن هذا التوجه، أسهم بوضع الأردن في طليعة دول المنطقة من حيث نسبة المواطنين المخدومين بالمياه، والتي تناهز 95 %، ونسبة المواطنين المخدومين بخدمات الصرف الصحي، والتي تصل لـ68 %.
ويقول الدحيات، إن السياسة الثانية، تمثلت بتقديم الدعم المالي في تعرفة المياه لجميع شرائح الاستهلاك، إذ يدعم كل م3 من المياه.
ونتيجة لذلك نشأ عجز مالي سنوي عملت الحكومة ممثلة بوزارة المالية على تحمله عبر الاقتراض الداخلي وإصدار السندات المالية.
ويضيف أن فاقد المياه، أو المياه غير المفوترة، تمثل التحدي الأكبر في القطاع، إذ تصل نسبتها إلى نحو 45 % من كميات التزويد المائي، موضحا بأن هذا الفاقد يتسبب بتراجع الإيرادات المالية للسلطة المياه وشركات التوزيع الحكومية، نتيجة عدم محاسبة هذا الفاقد الذي لا يصل للمواطنين، أو الذي يسرق نتيجة الاعتداءات، أو الذي يضيع في الشبكات عبر التسرب.
ويشير الدحيات إلى مساهمة ذلك بزيادة العجز المالي بين الإيرادات المالية والنفقات التشغيلية، لتتحمله الحكومة عبر الاقتراض الداخلي وإصدار السندات المالية.
مؤكدا أن هذه العوامل مجتمعة، أدت عبر السنوات الماضية لارتفاع دين السلطة التراكمي، ليتراوح بين 4 و5 مليارات العام الحالي، لافتا إلى أن السلطة، هي الدائرة الحكومية التي تحصر فيها التكاليف والخسائر، بما فيها العجز المالي لشركات التوزيع الحكومية باستمرار.
أما بشأن الناقل الوطني، فيبين الدحيات أن المشروع تموله وتنفذه وتشغله الشركة المنفذة له: ائتلاف" ميريديام - سويز"، في حين تسهم الحكومة بـ722 مليون دولار، كما تسهم جهات تنموية بمنح تبلغ قيمتها 663 مليون دولار.
ويرى بأن هذه المنح والمساهمات، تشكل بديلا ماليا لعدم رفع أسعار المياه وعدم تحميل المواطن سعر المتر المكعب كاملا مما ستشتريه الحكومة من الشركة المنفذة للمشروع، والمقدر حاليا بدينار وتسعين قرشا للمتر المكعب، كما جرى التصريح عند توقيع اتفاقية المشروع.
ويضيف الدحيات، أن هذه المياه ستتوفر للمواطنين عبر السلطة وشركات التوزيع الحكومية بسعر أقل، ووفقا للسياسة العامة الحكومية المعتمدة في حينه، والخاصة بأسعار المياه ودعمها، ما يعني استمرار تطبيق نهج الدعم الحكومي للمياه حتى بعد دخول المشروع مرحلة التشغيل.
ويشدد الخبير المائي على أن تخفيض فاقد المياه، بديل مهم وذو أثر مالي مباشر، يقلل العجز المالي ويضمن السيطرة على أي ارتفاع حاد في دين السلطة التراكمي، بحيث يصل لمستويات أقل من المتوقع عند البدء بالتشغيل التجاري للناقل الوطني، ووصول كمياته المائية إلى المحافظات.
ويوضح بأن مسؤولية تزويد مياه الناقل الوطني بعد إيصالها للنقاط الرئيسة، تقع على عاتق شركات توزيع المياه الحكومية، ما يستوجب بأن تكثف هذه الشركات جهودها للوصول بنسب الفاقد إلى أدنى مستوى ممكن، انسجاما مع ما ورد في رؤية التحديث الاقتصادي وإستراتيجية فاقد المياه للأعوام 2022-2040.
كما يؤكد ضرورة تطبيق خطة تنفيذية للأعوام 2026-2030 بمشاركة الشركاء، يتفق عبرها على الأهداف ومؤشرات الأداء التي ستتحقق، وبيان انعكاس تنفيذ مشاريع فاقد المياه على ارتفاع الإيرادات المالية والمؤشرات الأخرى، بما في ذلك تعزيز حصة الفرد من المياه وتحسين أدوار المياه عبر كميات المياه الإضافية التي ستوفرها، وستدخل كمكون مهم في الموازنة المائية، لتضخ في شبكات المياه لتعزيز التزويد المائي.
ويؤكد الدحيات أهمية تطوير خطط ترشيد النفقات المالية التشغيلية وخفض الخسائر لشركات توزيع المياه الحكومية، وبناء على ذلك، يرى أن هناك بدائل مالية وإدارية وفنية، قد تسهم بالحد من ارتفاع المديونية المستقبلية للسلطة، وتخفيف الأعباء المالية المترتبة على الناقل الوطني؛ وفي مقدمتها استمرار الدعم الحكومي والمنح التنموية، وخفض الفاقد، ورفع كفاءة شركات التوزيع، وترشيد النفقات التشغيلية، وتحسين إدارة الأصول والبنية التحتية، بما يساعد على تجنب تحميل المواطنين الكلفة الكاملة للمشروع أو اللجوء إلى رفع تعرفة المياه كخيار وحيد لمعالجة الالتزامات المالية المستقبلية.
تحسين كفاءة إدارة الموارد المائيةوفي ظل المخاوف المتزايدة من انعكاسات ارتفاع مديونية القطاع على المواطنين، تطرح الخبيرة الأردنية في دبلوماسية المياه ميسون الزعبي رؤيتها القائمة على البحث في البدائل المتاحة، قبل اعتبار رفع التعرفة خيارا حتميا.
مبينة أنه إذا صحت التقديرات التي تشير إلى أن مديونية القطاع قد تتجاوز 15 مليار دينار عقب تنفيذ الناقل الوطني، فإن الإشكال لا يقتصر على حجم الدين بحد ذاته، بل يمتد إلى كيفية إدارة هذا العبء وآليات سداد التزاماته المستقبلية.
وتقول الزعبي، إن خيار رفع تعرفة المياه قد يطرح كبديل للتعامل مع هذه الالتزامات، لكنه ليس الوحيد أو الحتمي، ما يفتح الباب أمام مقاربات أخرى أكثر تنوعا واستدامة.
مضيفة أن هذه المقاربات تشمل تحسين كفاءة إدارة الموارد المائية وتقليل الفاقد، وإعادة هيكلة التمويل، وتوسيع الاستفادة من المنح والدعم الدولي، وتطوير مصادر إيرادات مرتبطة بالمشاريع دون تحميل المواطنين أعباء مباشرة إضافية.
وتؤكد أن ذلك يبرز الحاجة إلى شفافية واضحة بشأن النموذج المالي للمشروع، ومصادر السداد المتوقعة، وانعكاساتها المحتملة على التعرفة، بما يمكن المواطنين من تقييم الكلفة الحقيقية وأثرها الاقتصادي والاجتماعي.
وفي سياق الحديث عن البدائل الممكنة، تطرح الزعبي تساؤلات حول ما إذا كان الناقل الوطني سيشكل آخر المشاريع المائية الكبرى عالية الكلفة، في ظل توجه مستقبلي يركز على إدارة الطلب وخفض الفاقد وتعظيم الاستفادة من المصادر الأقل كلفة، بدلا من الاستمرار بالتوسع في مشاريع رأسمالية ثقيلة تزيد المديونية.
كما تشير إلى أن السياق ذاته، يثير خيار تعزيز الاستثمار في الابتكار والبحث العلمي والتكنولوجيا المائية لتطوير حلول أكثر كفاءة واستدامة وأقل كلفة.
ومن جهة أخرى، تطرح الزعبي، تساؤلات حول مدى إعادة تقييم البدائل المائية الأقل كلفة، بما في ذلك الاستثمار المدروس في الآبار العميقة حيثما كانت مستدامة، وتطوير تقنيات حصاد المياه وتكثيف بخار الماء، والتوسع في إنشاء السدود والحفائر المائية وفق خرائط الأمطار المحدثة، بما يسهم بتقليل الفاقد من مياه الفيضانات وتعظيم الاستفادة منها بدلا من خسارتها موسما بعد آخر.
كما تلفت إلى أن ملف إدارة القطاع بعد انتهاء عقود الشراكة مع القطاع الخاص يطرح بدوره تساؤلات مهمة، من بينها ما إذا كان هناك توجه لنقل التشغيل تدريجيا إلى شركات وطنية وكفاءات أردنية، بما يعزز خفض الكلف التشغيلية ورفع الكفاءة الاقتصادية وخلق فرص عمل محلية، مع الحفاظ على الاستدامة المالية.
وتضيف الزعبي، أن أهمية التوسع في مشاريع التكيف مع تغير المناخ تبرز كذلك في هذا السياق، والاستفادة من التمويل الدولي الميسر، مشيرة إلى بروز تساؤلات تتعلق بسياسة إدارة المياه المشتركة مع الدول المجاورة، في ظل اعتماد الأردن على مصادر مائية عابرة للحدود، وما إذا كانت هناك خطط لتعزيز الجهود الدبلوماسية والفنية والقانونية لحماية الحقوق المائية وتعظيم الاستفادة من هذه الموارد، بما يخفف الحاجة إلى مشاريع عالية الكلفة في المستقبل.
وتشدد على أهمية توسيع نطاق إشراك المعنيين وأصحاب العلاقة بفاعلية، باعتبارهم شركاء حقيقيين في صنع القرار، بما يعزز من جودة السياسات العامة ويرفع مستوى التوافق حول الخيارات المطروحة، ويضمن قدرا أكبر من الشفافية والقبول المجتمعي للتوجهات المستقبلية في قطاع المياه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك