بين جيل الشاشات وجيل الذكريات.
من صنع الفجوة؟في كل بيت تقريبًا، مشهد متكرر لحوار صامت بين جيلين: جيل أدمن الشاشات وأصبح تعاطيه معها يتم بتلقائية وعفوية كأنما تم برمجته على ذلك، وجيل آخر يجتر الذكريات القديمة والعلاقات السالفة بين أفراد الأسرة، فيتباكى في صمت على الزمن الجميل.
العلاقات بين الآباء والأبناء كانت تتطور عبر الأزمنة تطورًا طبيعيًا، بلا صخب يلفت، فقد كان لها ما يغذي نجاحها بمقتضى الفطرة والتعاليم الدينية والأعراف المتوارثة، فيحدث التلاحم والتمازج والاندماج بين الأجيال المختلفة في الأسرة الواحدة بشكل طبيعي سلس لا يحتاج إلى إعادة تقرير وتفصيل.
مع عصر الثورة التكنولوجية والاتصالية والرقمية، اختلف الأمر تمامًا، فهناك جيل نشأ في كنف عالم رقمي مفتوح قد سحرته الشاشات وجعلته يعيش عزلة نفسية عن محيط أسرته وهو لا يدري، فلا تكاد ترى طفلًا أو شابًا يمكث ساعة واحدة دون أن تمتد يده إلى هاتفه بلا حاجة حقيقية ودون قرار مسبق، فهو أول ما يفعله حين استيقاظه، وآخر ما يفعله قبل نومه، وبين ذلك ساعات طوال من الاقتران بين الإنسان والآلة، حتى أثناء تناول الطعام أو قضاء الحاجة.
في المقابل ينظر الآباء في أسى إلى ذلك المشهد اليومي وهذا الانفصال وهم يجترون ذكرياتهم عن العلاقات الصحية بين أفراد الأسرة والعلاقات التي كانت تبنى وجها لوجه، ويصبون جام سخطهم على تلك التكنولوجيا التي خلقت تلك الفجوة، التي تتسع مع كل تطبيق أو منصة رقمية جديدة تخطف اهتمام الأبناء.
وفي حين ينظر الآباء إلى انشغال الأبناء بالشاشات بمزيج من الدهشة والقلق والحزن على فقدان الدفء في العلاقات الاجتماعية، يرى الأبناء أن آباءهم يبالغون في تلك النظرة، بل ويبادلونهم الدهشة بدهشة: لماذا هذه الثورة وهذه النقمة على الشاشات؟ لماذا يتخذون هذه المواقف المتشددة حيال لغة العصر؟من هنا كانت نشأة المشكلة، كل جيل ينظر للقضية من خلال تجربته الخاصة التي يعتقدها الأصوب، جيل الذكريات يخشى على ضياع القيم الأسرية الأصيلة وروابطها المتينة، وجيل الشاشة الذين يرون الكبار يبالغون في التمسك بالماضي ويرفضون التكيف مع الحاضر، فتضيع فرص الحوار والتفاهم.
تزداد الفجوة اتساعا عندما يكتفي الكبار بالنقد والتوبيخ وعقد المقارنات العلنية بين" أيامنا" و" أيامكم"، بينما يصم الأبناء آذانهم عن الاستماع لنصائح الكبار والاستخفاف بمضمونها ودواعيها انطلاقا من شعورهم بالامتلاء المعرفي الذي يتوهمونه مع الاقتران بالفضاء الرقمي الذي حول العالم إلى قرية صغيرة، وجعل الحصول على المعلومة بضغطة زر لا من خلال تقليب صفحات الكتب.
بطبيعة الحال نتجه في مثل هذا الموطن إلى مخاطبة الآباء الذين يمتلكون الخبرة والحكمة والنظرة الأوسع للحياة.
على جيل الذكريات إدراك أن هذه هي طبيعة هذا الجيل الذي افترسه عالم الرقمنة، وأنه من الصعب جدا إن لم يكن مستحيلا أن يقوموا بخلع الأبناء عن هذا العالم، وأن هذا بالفعل أصبح أمرًا واقعًا يجب التعامل معه بحكمة.
الخطأ الذي يقع فيه الكبار، هو الاكتفاء بالنظرة البائسة إلى تلك الفجوة والتباكي على الزمن الجميل، أو الدخول في صراعات مع الأبناء، بدلًا من الصراع مع الشاشات.
ينبغي على الكبار أن يدخلوا في علاقة تنافسية مع تلك الشاشات، من خلال الاحتواء والتقارب وخلق الأجواء الأسرية الدافئة المشوقة التي تجمع أفرادها، وتقنع الأبناء بشكل عملي أن الحياة أوسع من سجن الشاشة.
بل لا نبالغ إن قلنا إنه يجدر بالكبير أن يشارك ولده أحيانًا اهتمامه بالشاشات، وإقناعه أن المشكلة ليست في التكنولوجيا، وإنما مع كيفية وأنماط التعاطي معها، ومن هنا يكون التركيز على التعامل الجدي المثمر مع ذلك الفضاء لتحقيق التوازن بين الترفيه والاستفادة العلمية والمعرفية والمهارية.
التركيز لا ينبغي أن يكون على استئصال الشاشات من حياة الأبناء، إنما إقناعهم بضرورة التقنين لتفادي الآثار النفسية والصحية السيئة التي تنجم عن هذا الإدمان، وعلى الاختيار الأمثل للمضامين التي يتعرضون لها وتحقيق الاستفادة القصوى من خلال الشاشة.
ولا يستثقل الكبير هذه المهام، فهو من اشترى الشاشة لولده في البداية، وهو من تركه لها بلا ضبط أو توجيه بحجة أنه صغير، ها هو الصغير قد كبر، وكبر معه التعلق، فلا مناص من القول: سددوا وقاربوا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك