تشهد صناعة السيارات الأوروبية تحولا غير مسبوق مع بدء عدد متزايد من الشركات والمصانع دراسة الدخول إلى قطاع الصناعات الدفاعية، في ظل خطط أوروبية ضخمة لإعادة التسلح تصل قيمتها إلى 800 مليار يورو، وتراجع الطلب على السيارات التقليدية، وازدياد الضغوط الناتجة عن المنافسة الصينية والتحول المكلف نحو المركبات الكهربائية.
وبحسب دراسة حديثة نشرها مركز السياسات الأوروبي (EPC) في 29 مايو/أيار 2026 بالتعاون مع رابطة مصنعي السيارات الأوروبية (ACEA)، فإن عددا من مصانع السيارات في القارة يعمل حاليا بأقل بكثير من طاقته الإنتاجية، بعدما تراجعت معدلات التشغيل بأكثر من 20% مقارنة بذروة الإنتاج المسجلة عام 2017.
ويرى معدو الدراسة أن هذا الواقع يفتح الباب أمام إمكانية استغلال المصانع وخطوط الإنتاج والكوادر البشرية في تصنيع منتجات ومعدات عسكرية تحتاجها أوروبا ضمن برامج التسلح الجديدة.
فجوة عمالية في الصناعات الدفاعيةوتشير الدراسة إلى أن هذا التحول يأتي في ظل تصاعد المخاوف الأوروبية بشأن فجوة القدرات الدفاعية واحتياجات التسلح المستقبلية، خصوصا بعد الحرب في أوكرانيا وما رافقها من تحذيرات متزايدة بشأن جاهزية الجيوش الأوروبية لمواجهة التحديات الأمنية المحتملة.
ووفقا للدراسة، وظفت مصانع الأسلحة الأوروبية نحو 600 ألف عامل فقط خلال عام 2023، في حين ستحتاج الصناعة الدفاعية إلى أكثر من 760 ألف موظف إضافي بحلول عام 2030 لتلبية الطلب المتوقع على المعدات العسكرية والأنظمة الدفاعية.
وترى الدراسة أن قطاع السيارات، بما يمتلكه من قاعدة صناعية ضخمة وخبرات إنتاجية واسعة، قد يشكل أحد أهم المصادر القادرة على سد جزء من هذا النقص في العمالة والقدرات التصنيعية خلال السنوات المقبلة.
ويعمل أكثر من 13 مليون شخص في قطاع السيارات الأوروبي وشبكات مورديه، ما يجعل الصناعة مصدرا محتملا للعمالة والخبرات الفنية التي تحتاجها شركات الدفاع.
كما أعلنت شركة راينميتال الألمانية، إحدى أكبر الشركات العسكرية في أوروبا، خططا لتوظيف ما بين 40 ألف موظف و60 ألفا خلال السنوات المقبلة.
ألمانيا وفرنسا في الصدارةوفي ألمانيا، يبرز مصنع فولكسفاغن في مدينة أوسنابروك بوصفه أحد أبرز المواقع المرشحة للتحول نحو الإنتاج العسكري، بعدما خرج عمليا من الخطط الإنتاجية المستقبلية للشركة.
ووفقا لما أوردته مجلة أوتوموتيف نيوز الأميركية، الخميس الماضي، فإن فولكسفاغن تقترب من إقامة مشروع مشترك مع شركة" رافائيل" الإسرائيلية للصناعات الدفاعية لإنتاج مكونات مرتبطة بأنظمة الدفاع الجوي، مع بحث إمكانية تصنيع مركبات وشاحنات عسكرية داخل ألمانيا.
أما في فرنسا، فقد أكدت شركة رينو أنها ستشارك في تصنيع ما يصل إلى 600 طائرة مسيّرة لمصلحة وزارة الدفاع الفرنسية بالتعاون مع شركة متخصصة في الصناعات العسكرية، في خطوة تعكس دخول شركات السيارات الأوروبية تدريجياً إلى مجالات كانت حتى وقت قريب حكراً على شركات السلاح التقليدية.
وترى الدراسة أن أحد أبرز عوامل الجذب أمام شركات السيارات يتمثل في خبرتها الطويلة في التصنيع واسع النطاق.
فبينما اعتادت شركات الدفاع الأوروبية إنتاج كميات محدودة من المعدات العسكرية، تمتلك شركات السيارات خبرات متقدمة في إدارة سلاسل التوريد والإنتاج الضخم وخفض التكاليف، وهي قدرات أصبحت مطلوبة مع ارتفاع الطلب العسكري الأوروبي.
كما تشير الدراسة إلى أن الفرص لا تقتصر على الأسلحة والمركبات القتالية فقط، بل تشمل قطاع الخدمات اللوجستية العسكرية الذي قد تتجاوز قيمته 50 مليار يورو خلال السنوات العشر المقبلة.
ويشمل ذلك الشاحنات العسكرية ومنصات النقل والمركبات ذاتية القيادة وأنظمة الإمداد الحديثة المستخدمة في الجيوش.
كذلك تبرز الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي باعتبارهما من أكثر المجالات الواعدة.
فقد أسست شركة شيفلر الألمانية وحدة متخصصة للدفاع والفضاء، كما دخلت في شراكات مع شركات ناشئة تعمل في تقنيات الطائرات المسيّرة والأنظمة العسكرية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
ورغم هذه الفرص، تحذر الدراسة من عقبات كبيرة قد تعرقل التحول.
فالصناعة الدفاعية الأوروبية لا تزال مجزأة إلى حد كبير، حيث تختلف القوانين والإجراءات والمواصفات الفنية بين دولة وأخرى، كما تخضع العقود العسكرية لاعتبارات سياسية وأمنية معقدة تختلف جذرياً عن طبيعة عمل شركات السيارات.
وتصف الدراسة الفارق بين القطاعين بأنه يشبه الفرق بين إنتاج الملابس الجاهزة والخياطة حسب الطلب.
فشركات السيارات تعتمد على الإنتاج الموحد والكميات الضخمة، بينما تقوم الصناعات العسكرية على طلبات محدودة ومواصفات خاصة وعقود طويلة الأجل تخضع لتغيرات سياسية مستمرة.
كما تواجه الشركات تحديا آخر يتمثل في عدم اليقين بشأن استمرار موجة الإنفاق العسكري الحالية.
فبعض المصنعين يتخوفون من أن يؤدي أي اتفاق سلام محتمل في أوكرانيا أو تراجع التوترات الأمنية إلى إبطاء برامج التسلح الأوروبية، ما قد يحول الاستثمارات الجديدة إلى أعباء مالية مكلفة.
وتخلص الدراسة إلى أن أوروبا تقف أمام تجربة صناعية جديدة قد تعيد رسم خريطة بعض القطاعات الاقتصادية الكبرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك