الخرطوم 7 يونيو 2026- أثار رفض مكتب الخطوط الجوية الإثيوبية إصدار حجوزات التذاكر بالعملة المحلية في السودان موجة من الجدل بين المختصين بصناعة الطيران وخبراء الاقتصاد، وسط مخاوف من إسهام الخطوة في المزيد من تدهور قيمة الجنيه السوداني وتضييق خيارات السفر أمام المواطنين.
وتوقف مكتب الخطوط الجوية الإثيوبية ببورتسودان مؤخراً عن التعامل بالجنيه السوداني في معاملات شراء التذاكر، مشترطاً الدفع بالدولار نقداً فقط، الأمر الذي أثار استياء المواطنين والمتعاملين مع المكتب.
وتشهد العملة المحلية في السودان تدهوراً مريعاً أمام سلة العملات الأجنبية، حيث تجاوز سعر الدولار الواحد أربعة آلاف جنيه منذ أشهر.
وقال أحد المسافرين عبر الخطوط الإثيوبية، عبد الله محمد، لـ«سودان تربيون»، إنه تفاجأ بإيقاف الشركة التعامل بالجنيه السوداني نقداً أو عبر التطبيقات البنكية، مما اضطره للذهاب إلى الأسواق الموازية لتدبير قيمة التذكرة بالدولار، واصفاً الأمر بالمرهق والذي يزيد من معاناة المواطنين.
ودعا إلى التراجع عن تلك الخطوة عاجلاً لتمكين السودانيين من السفر إلى الوجهات المختلفة دون عناء.
في المقابل، انتقد مدير الشحن الجوي بالخطوط الجوية السودانية، مرتضى حسن جمعة، في تصريحات صحفية، امتناع مكتب الخطوط الإثيوبية عن قبول الجنيه السوداني في بيع تذاكر السفر وقصر السداد على الدولار.
وأوضح أن أي شركة طيران أجنبية تعمل في السودان تخضع للقوانين الوطنية السارية، بما في ذلك قوانين الطيران المدني وقوانين النقد الأجنبي ولوائح حماية المستهلك والأنظمة الصادرة عن الجهات المختصة.
وأضاف أن الأصل في المعاملات التجارية داخل الدولة هو احترام العملة الوطنية متى ما كانت القوانين واللوائح المحلية تلزم بذلك، ولا يجوز لأي منشأة تمارس نشاطاً تجارياً داخل السودان أن تفرض ترتيبات مالية تتعارض مع الأنظمة الوطنية أو تنتقص من سيادة الدولة النقدية إلا بموجب تصاريح أو استثناءات صادرة من السلطات المختصة.
وأشار إلى أن اتفاقيات النقل الجوي الثنائية واتفاقيات منظمة الطيران المدني الدولي تمنح الناقلات الأجنبية الحق في تحويل إيراداتها بالعملات القابلة للتحويل وفقاً للأنظمة المصرفية المعمول بها، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة إعفاءها من الالتزام بمتطلبات البيع والتحصيل المحلية متى ما كانت هذه المتطلبات مقررة بموجب القانون الوطني.
وتابع: «إذا ثبت أن الشركة ترفض بصورة مطلقة قبول الجنيه السوداني أو وسائل الدفع الإلكترونية المعتمدة دون وجود توجيه رسمي أو استثناء صادر من بنك السودان المركزي أو الجهات المختصة، فإن الأمر يستوجب المراجعة القانونية والتنظيمية للتأكد من مدى توافق هذا الإجراء مع القوانين الوطنية وشروط الترخيص الممنوح لها للعمل داخل السودان».
وأكد أن معالجة مثل هذه القضايا ينبغي أن تتم عبر القنوات المؤسسية المختصة، وبالتنسيق بين سلطة الطيران المدني وبنك السودان المركزي ووزارة النقل ووزارة التجارة والجهات الرقابية ذات الصلة، وذلك لضمان حماية حقوق المستهلكين والحفاظ على سيادة الدولة النقدية، وفي الوقت ذاته الالتزام بالاتفاقيات الدولية المنظمة للنقل الجوي والتجارة الدولية.
أزمة تحويل الأرصدة وشح النقد الأجنبيمن جانبه، قال المدير السابق لسلطة الطيران المدني، إبراهيم عدلان، لـ«سودان تربيون»، إن القضية أكثر تعقيداً من مجرد خلاف بين شركة طيران وسلطات الدولة، فهي نتاج ظروف اقتصادية استثنائية فرضتها الحرب وتداعياتها على الاقتصاد السوداني والجهاز المصرفي.
وأوضح أن هناك جملة من الحقائق التي لا يمكن تجاهلها، يأتي على رأسها أن الخطوط الإثيوبية، شأنها شأن العديد من شركات الطيران الأجنبية، تواجه مشكلة حقيقية تتمثل في صعوبة تحويل فوائض مبيعاتها من السودان إلى الخارج بالعملات الحرة.
وأضاف أن بنك السودان المركزي لا يملك في الوقت الراهن القدرة الكاملة على الوفاء الفوري بجميع طلبات التحويل المتراكمة، وذلك لأسباب تتعلق بشح النقد الأجنبي والظروف الاقتصادية المعروفة للجميع.
وتابع أن الخطوط الإثيوبية تخشى الاحتفاظ بأرصدة كبيرة بالجنيه السوداني بسبب مخاطر انخفاض قيمته بمرور الزمن، وهو تخوف تجاري مشروع من وجهة نظر أي شركة تعمل وفق أسس اقتصادية سليمة، لافتاً إلى أن الخطوط الإثيوبية تمثل أكبر ناقل جوي أجنبي يخدم السودان حالياً، كما أنها تشكل منفذاً رئيسياً لربط السودان بالعالم الخارجي عبر شبكة واسعة من الوجهات الدولية.
وبيّن عدلان أن هناك مخاوف مشروعة للطرفين، مشيراً إلى أن الخطوط الإثيوبية تخشى تراكم أموال يصعب تحويلها إلى الخارج أو تتآكل قيمتها نتيجة تقلبات سعر الصرف.
أما من جانب الدولة السودانية، فهناك مخاوف لا تقل مشروعية تتمثل في أن يؤدي بيع التذاكر بالدولار النقدي داخل السودان إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية خارج النظام المصرفي الرسمي.
وأضاف أن المسافر الذي لا يجد الدولار عبر القنوات الرسمية سيتجه تلقائياً إلى السوق الموازية للحصول عليه، الأمر الذي يؤدي إلى تنشيط تجارة العملة وزيادة الضغوط على سعر الصرف، وهو ما يتعارض مع أهداف السياسة النقدية للدولة.
كما أن إلزام المواطن بالدفع بالدولار في بلد عملته الرسمية هي الجنيه السوداني يثير تساؤلات تتعلق بالسيادة النقدية ومبدأ التعامل بالعملة الوطنية داخل حدود الدولة.
واستدرك قائلاً إنه بدلاً من ترك الأزمة تتفاقم حتى تصل إلى مرحلة تقليص الرحلات أو توقفها، ينبغي على سلطة الطيران المدني أن تتعامل مع الخطوط الإثيوبية باعتبارها شريكاً استراتيجياً لا مجرد مستخدم للمطارات والمجال الجوي.
واقترح تثبيت قيمة فوائض مبيعاتها بالدولار الحسابي اعتباراً من تاريخ استحقاقها، بحيث لا تتحمل الشركة مخاطر انخفاض قيمة الجنيه السوداني، بينما يتم السداد الفعلي عند توفر النقد الأجنبي، منوهاً إلى أن ذلك يحفظ حقوق الشركة دون أن يفرض على المواطن شراء التذاكر بالدولار النقدي.
كما اقترح استخدام المقاصة وسداد بعض الرسوم بالعملة المحلية باعتباره من أكثر الحلول واقعية وقابلية للتطبيق في الظروف الراهنة، فبدلاً من تراكم كامل فوائض مبيعاتها المطلوب تحويلها إلى الخارج، يمكن السماح باستخدام جزء من تلك الأرصدة في سداد رسوم العبور والخدمات الملاحية الجوية وبعض الالتزامات الحكومية الأخرى بالعملة المحلية.
وأوضح أن هذا الحل يستند إلى مبدأ المقاصة بين الحقوق والالتزامات، حيث تمتلك الشركة أموالاً مستحقة داخل السودان يصعب تحويلها في الوقت الحالي، وفي المقابل توجد رسوم وخدمات حكومية مطلوبة منها، ومن ثم فإن تسوية جزء من هذه الالتزامات محلياً تسهم في تقليل حجم المبالغ المطلوب تحويلها بالنقد الأجنبي.
وأشار إلى أنه في عام 2021 تم التوصل إلى ترتيبات عملية سمحت باستخدام جزء من المستحقات المحلية لتسوية التزامات مرتبطة برسوم العبور والخدمات الملاحية، الأمر الذي ساعد في المحافظة على استمرارية التشغيل وتجنب تصعيد الأزمة.
وأضاف عدلان أنه حتى في حال تعذر التحويل الكامل للمستحقات، فإن وجود برنامج واضح لتحويل نسبة محددة منها بصورة دورية يمنح الشركات الثقة ويقلل حالة عدم اليقين، مبيناً أن المشكلة بالنسبة لشركات الطيران لا تكمن فقط في التأخير، وإنما في غياب رؤية واضحة لموعد استلام مستحقاتها.
وأشار إلى أنه يمكن منح شركات الطيران حوافز تشغيلية مؤقتة تشمل تسهيلات أو تخفيضات محددة في بعض الرسوم المرتبطة بالتشغيل مقابل استمرار الخدمة والمحافظة على عدد الرحلات.
ودعا إلى إنشاء آلية تنسيق تضم بنك السودان ووزارة المالية وسلطة الطيران المدني وشركات الطيران الأجنبية لمتابعة ملف التحويلات بصورة مستمرة بدلاً من معالجة كل أزمة بصورة منفصلة.
وقال إن الخيار الأفضل للجميع لا يكمن في إجبار الخطوط الإثيوبية على تحمل الخسائر، كما لا يتمثل في دفع المواطنين نحو السوق الموازية للحصول على الدولار.
وشدّد على أهمية بناء تسوية متوازنة تعترف بالظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد وتحافظ في الوقت نفسه على حقوق الناقلات الجوية واستمرارية خدماتها، لافتاً إلى أن التجارب أثبتت أن شركات الطيران لا تغادر الأسواق بسبب الأزمات وحدها، بل بسبب غياب الحلول.
وأضاف أنه إذا استطاع السودان تقديم ضمانات معقولة وآليات عملية لحماية أموال الخطوط الإثيوبية، فإن الشركة ستجد أن الاستمرار في خدمة السودان أكثر جدوى من مغادرته.
وأكد أن المحافظة على أكبر ناقل أجنبي يعمل في البلاد ليست مصلحة للخطوط الإثيوبية وحدها، بل هي مصلحة وطنية تتعلق بحركة المواطنين والتجارة والاقتصاد وربط السودان بالعالم، وأن الحكمة تقتضي البحث عن حلول مبتكرة ومرنة تراعي مصالح جميع الأطراف بدلاً من الانزلاق إلى تدابير متشددة لا رابح فيها.
من جهته، قال المحلل الاقتصادي هيثم محمد فتحي إن إلزام الدفع بالعملة الأجنبية (الدولار) لرحلات تبدأ من الداخل يُعد أمراً مخالفاً لتعليمات سلطة الطيران، كما أن قيام بعض الشركات ببيع منتجاتها في السوق المحلية بالعملة الأجنبية يعد مخالفة صريحة لقانون البنك المركزي والجهاز المصرفي السوداني الذي أكد أن يكون التعامل داخل السودان شراءً وبيعاً في مجال السلع والخدمات بالجنيه السوداني.
وأضاف: «في تقديري سيرضخ المواطنون لقرار بيع التذاكر بالدولار، لمحدودية التنافس الأجنبي في السوق المحلية وعدم إمكانية دخول شركات أخرى إلى السودان حتى الآن في ظل الأوضاع الأمنية المتذبذبة التي تشهدها البلاد».
وأشار إلى أن ذلك سينعكس سلباً على المواطن والاقتصاد السوداني، من ناحية ارتفاع أسعار تذاكر السفر في سوق يمكن اعتباره أقرب إلى احتكار القلة، وهو وضع مجحف بحق المواطن السوداني، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
وشدّد على ضرورة إلزام جميع الشركات والمؤسسات الأجنبية العاملة في البلاد بالتعامل بالجنيه السوداني بدلاً من الدولار، دعماً للعملة الوطنية.
وكانت شركات الطيران الإقليمية والعالمية قد علّقت نشاطها في الأجواء السودانية منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023 وخروج مطار الخرطوم عن الخدمة، قبل أن يعود بعضها للعمل عبر مطار بورتسودان شرقي البلاد، بعد نقل خدمات الملاحة الجوية إليه بصورة مؤقتة.
ويعاني السودان من تراجع مستمر في قيمة العملة المحلية وشح موارد النقد الأجنبي نتيجة طول أمد الحرب وضعف الإنتاج والصادرات، فضلاً عن توجيه جزء كبير من الموارد المالية لتغطية نفقات المجهود الحربي، الأمر الذي يفاقم صعوبات شركات الطيران الأجنبية في تحويل فائض مبيعاتها إلى الخارج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك