صدر مؤخرًا كتاب (عثمانيون وبيزنطيون أوراق في التاريخ والأدب والأسطورة) للمؤرخ المعروف صاحب الكتابات العلمية الرصينة الأستاذ الدكتور حاتم عبدالرحمن الطحاوى، أستاذ تاريخ العصور الوسطى بكلية الآداب بجامعة الزقازيق ورئيس قسم التاريخ السابق بها.
صدر هذا الكتاب الشهر الماضي عن دار المعارف، تلك المؤسسة العريقة التي تشهد حركة النشر فيها في أيامنا طفرة جديدة برئاسة الكاتب والناقد المعروف إيهاب الملاح.
والأستاذ الدكتور حاتم الطحاوى، لمن لايعرفه من القراء، واحدًا من أبرز تلاميذ المؤرخ الموسوعي الشهير أ.
د قاسم عبد قاسم (1942- 2021م)، حصل د.
الطحاوي على درجة الليسانس في الآداب سنة 1983م من جامعة الزقازيق، وخلال أربعة عشر سنة تالية، حصل على درجة الماجستير، سنة 1993م، في موضوع (الحياة الاقتصادية في المستعمرات الصليبية في بلاد الشام 1099- 1187م) ثم درجة الدكتوراة سنة 1997م عن رسالته التي كانت بعنوان (العلاقات الاقتصادية بين الإمبراطورية البيزنطية والمدن التجارية الإيطالية 1018-1204م).
عمل الدكتور الطحاوي أستاذًا بالعديد من الجامعات المصرية والعربية والإسلامية، بجانب عضويته في كثير من المؤسسات العلمية والثقافية داخل مصر وخارجها، ومنها الجمعية المصرية للدراسات التاريخية واتحاد المؤرخين العرب، ولجنة التحكيم النهائية لجائزة الملك فيصل العالمية فرع (الدراسات الإسلامية) لعام 2020م، كما أنه قبل خلال السنوات 2022- 2025م أن يكون عضوًا في اللجنة العلمية لترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين في الجامعات المصرية؛ ونظرًا لقدره العلمي ومكانته الكبيرة قام اتحاد المؤرخين العرب سنة 2025م بمنحه درع شوامخ المؤرخين في احتفال كبير.
وهذا التكريم المُستحق يرجع للدور العلمي البارز للدكتور الطحاوي، وهذا الدور العلمي الذي يمكن تلمسه عبر اتجاهات ثلاثة رئيسية في اهتماماته العلمية، وهي الحقول المختصة بالدراسات الصليبية والبيزنطية والعثمانية، ومن أبرز مؤلفاته في الحقل الأول: الاقتصاد الصليبي في بلاد الشام، وفي الحقل الثاني: بيزنطة والمُدن الإيطالية (العلاقات التجارية 1081-1204م)، أما الحقل الثالث الخاص بالمجال العثماني فمن مؤلفاته فيه: دراسات فى تاريخ العصر العثمانى الباكر، هذا فضلًا عن مده للمكتبة العربية بالعديد من الترجمات مثل ترجمته لكتاب جونز المُسمى (الحصار العثماني للقسطنطينية: سبعة مصادر معاصرة)، وكتاب ثريا فاروقي (الدولة العثمانية والعالم المُحيط بها) وكتاب كريتوفوليس (تاريخ السلطان محمد الفاتح).
وبجانب هذه الكتب توجد للدكتور الطحاوي خلال ثلاثين عامًا تقريبًا إسهامات علمية في مؤتمرات دولية في دول عربية مثل مصر والأردن والسعودية، ودول إسلامية مثل تركيا، ودول أوربية مثل أيرلندا، وآسيوية مثل روسيا.
ويوجد له وبصورة لافتة عشرات البحوث والدراسات باللغتين العربية والإنجليزية في المجالات الثلاثة السابق ذكرها، يعرفها المتخصصون والمهتمون بالدراسات التاريخية.
ولأن الدكتور الطحاوي يتمتع بثقافة كبيرة وقراءات واسعة لم يهمل كتابة المقالات العامة للجمهور؛ ولعل القارئ يتذكر معي أن لسيادته مقالات كثيرة في صحف ومجلات مثل(الحياة) اللندنية، و(الهلال) المصرية، و(العربي) الكويتية.
وغيرها.
والكتاب الذي أقوم بقراءته في هذه المقالة لا يبعد عن اهتمامات الطحاوي العلمية؛ إذ أنه كما يُفهم من عنوانه (عثمانيون وبيزنطيون) يختص، على نحو غالب، بمجالين من المجالات الثلاثة التي سبق التنويه بها؛ وأقصد المجالين البيزنطي والعثماني، هذا بجانب تطرقه للمجال الصليبي في بعض مقالات الكتاب.
تحدث المؤلف في كتابه عن التاريخ العثماني والبيزنطي وعن تاريخ العثمانين الأوائل وعلاقتهم بالدولة البيزنطية التي سقطت عاصمتها على يد هؤلاء العثمانيين، والتي أفرد عدة مقالات للحديث عنه لدرجة يجعل القارئ يشعر كما لو أنه عاش هذه الأيام التي مر عليها قرابة القرون الستة الآن من تفاصيل الأحداث اليومية لحصار العاصمة وما أصاب السكان من الفزع والرعب وحملهم أيقونات القديسيين في مسيرات توسلاً للرب كي يشملهم برحمته، والاستعدادات العثمانية البرية والبحرية وصيحات المحاربين العثمانيين أمام الأسوار ثم الهجوم والاقتحام وماصاحب ذلك من أحداث.
تم تقسيم الكتاب إلى قسمين كبيرين تسبقهما مقدمة يوضح ويشرح فيها المؤلف محتويات الكتاب بقسميه بأسلوب جذاب وربطًا تاريخيًا ومنطقيًا بين مقالاته، احتوى القسم الأول على خمسة وثلاثين مقالًا، أما القسم الثانى فقد تتضمن أربعة وأربعون مقالًا.
ويمكن تقسيم مقالات القسم الأول زمنيًا إلى عدة محاور أو موضوعات، المحور الأول عن: أصول الدولة العثمانية وبداية نشأتها ويتضمن أربعه مقالات تتناول الأساطير المؤسسة لأصول الأتراك العثمانيين وتاريخهم، وتطرق المؤلف في إحداها إلى اتهام المؤرخين الأوربيين للعثمانيين الأوائل بذبح البشر وتقديمهم كقرابين بشرية وتفنيد ذلك، وجاء المحور الثاني في مقالين للحديث عن الدولة العثمانية الناشئة والظروف الثقافية والعسكرية قبل فتح القسطنطينية وكذلك الأوضاع الدينية وخاصة موضوع التحول للإسلام والعلاقة بين أصحاب الأديان داخل الإمبراطورية وموقف السلطان من بعض الحركات الدينية في دولته.
وانتقل المؤلف في محور ثالث للمرحلة الزمنية الخاصة بفتح القسطنطينية كفكرة رئيسية يتدرج تحتها عدة موضوعات، الموضوع الأول في مقالين يتحدث عن بطل من أبطال الصراع الإسلامى البيزنطي (بطل غازي) والجهاد في سبيل الله تمهيدًا لفتح القسطنينية- بعد ذلك بعدة قرون- وكذلك عن الوجود الإسلامي في القسطنطينية قبل الفتح من خلال مقال بعنوان (تاريخ مساجد المسلمين في القسطنطينية قبل الفتح الإسلامي) والذي ارتاده التجار والرحالة المسلمين، ثم يتحدث في الموضوع الثاني عن الفتح العثماني للقسطنطينية ويتضمن سبعة مقالات عن شهود عيان للفتح بدأهم بروايه نيقولو بابارو الطبيب البندقي الذي عمل على متن إحدى سفن أسطول مدينة البندقية، ثم رواية لوميللينو القنصل الجنوي على الحي الجنوي إبان أحداث الاستيلاء على العاصمة، تلاه شهادة الشاب الروسى نسطور-إسكندر، ثم رواية مبعوث البابا الكاثوليكي، الأب ليونارد الخيوسي، وأيضًا شهادة الكاردينال الروسي إيزودور، ويعرض المؤلف لجميع الروايات ويقارن بينها ويحللها مظهرًا طبيعة رواياتهم طبقًا لخلفياتهم السياسية والدينية.
وفي النهاية يؤرخ المؤلف لفتح القسطنطينية منذ محاولات المسلمين الأوائل في القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي والتي انتهت بالاستيلاء عليها، بمقال يحمل عنوان (قراءة جديدة في حدث كبير.
فتح القسطنطينية)، وينتقل المؤلف في مقال آخر للحديث عن نتائج الفتح العثماني للقسطنطينية على العثمانيين من الناحية العسكرية وعلى العالم الإسلامي ثم على الغرب الأوربي ودعوة البابا للقيام بحملة صليبية لاستعادة القسطنطينية من قبضة الأتراك العثمانيين.
وفى مقال (فتح القسطنطينية 1435م وعلامات الساعة.
قراءة نقدية) يتعرض المؤلف لكتاب فريدون إمجن وترجمته العربية عن فتح إسطنبول وعلامات الساعة ويعرض لمؤلفه موضحًا ما تمتع به من حس نقدى لم يتوافر لدى العديد من المؤرخين.
وبعدها ينتقل المؤلف لمحور جديد يتحدث فيه عن فاتح القسطنينية وصاحب الانتصار المؤزر السلطان محمد الفاتح في ثلاث مقالات الأول اشتمل على إشادة المؤرخ البيزنطي المسيحي بكفاءة الفاتح الحربية وثقافته وتقديره للتراث اليوناني، ومستقبله، والمقال الثاني تناول فيه صورة السلطان محمد الفاتح في المصادر التاريخية المسيحية والتي يتبين تحامل بعضها عليه بشدة بينما أنصفه البعض الآخر، والثالث تحدث فيه عن علاقة السلطان بشريف مكة، والأخير عن توظيف أسطورة التفاحة الحمراء في الصراع العثماني البيزنطي الذي انتهى بالفتح على يد هذا السلطان.
ولم يترك المؤلف فترة فتح القسطنينية دون تخصيص مقال عن الإمبراطور البيزنطي الأخير الذي قام العثمانيون بالاستيلاء على عاصمته وحديث المؤرخين عن مصيره بعد سقوط القسطنطينية.
وكذلك الحديث عن كاتدرائية آيا صوفيا التي حولها السلطان إلى جامع فيتعرض المؤلف على نحو فريد لتاريخها وآثارها ومكانتها لدى البيزنطيين، ويناقش في مقاله التالي (آيا صوفيا بين مفاهيم العصرين الوسيط والحديث) جزئية حصول السلطان عليها وتحويلها إلى مسجد، وجواز الصلاة فيه.
وهذا المقال يعتبر صورة مميزة تُظهر مدى اطلاع المؤلف الواسع وثقافته الفقهية والدينية.
وينتقل الدكتور الطحاوي بعد ذلك إلى فترة زمنية أخرى من القرن السادس إلى القرن التاسع عشر، ويتناول فيها مشاهدات وكتابات ومؤلفات متنوعة لعدد من الكتاب والمؤرخين والرحالة منهم مصطفى عالى الذي زار القاهرة مرتين وكتب عن محاسنها وعادات المصريين وتقاليدهم وأعيادهم وبعض التصرفات المستهجنه لديهم، وكذلك ما كتبه الرحالة العثماني أوليا جلبي 1611-1682م عن عادات المصريين في عيد الفطر، ولازال مؤلفنا يتحدث عن جلبى ورحلته فيفرد مقال للحديث عن مدينة أثينا في رحلته وآثارها اليونانية ومنشآتها الإسلامية وعادات النساء اليونانيات المسيحيات والتركيات المسلمات.
ويواصل مؤلفنا كتابته عن عدد من المؤرخين منهم مصطفى نوري في القرن التاسع عشر وتكوينه الثقافي ومؤلفاته وما اتصفت به ثم عرض لكتابه (نتايج الوقوعات)، وينتقل لمدونة أخرى وهي تقرير عن (الرعاية الصحية للحجاج في تقريري طبيبين عثماني ومصري) ليتحدث بالتفصيل عن أحوال الحج واستعداداته في هذه الفترة وما ينبغي اتخاذه من إجرءات صحية لضمان صحة الحجاج وسلامتهم مع عرض بعض المعلومات التاريخية والجغرافية عن بعض المدن.
ثم يتحدث الدكتور الطحاوي في مقال آخر عن مؤلف المؤرخ مصطفى عالي وكتابه" مناقب العارفين" عن الخط العربي وتطوره منذ العصور الإسلامية الأولي وأنواع الخطوط وصناعة الكتاب حتى تجليده، وتناول كذلك تقرير نصوح أفندى سلاحي الذي كان فارسًا ومؤرخًا ورحاله رافق السلطان سليم الأول في حملته على الشام ومصر، والسلطان سليمان القانوني فى حملاته على العراق ورسم صورة حية لأحداث تلك الحملة (الحملة العثمانية على العراق 941ه- 1534م)، ثم يعرض لتقرير السفير العثماني (سفارتنامه فرانسه) محمد أفندى يرميسكيز لزيارته لفرنسا ووصفه لها ونتائج زيارته ومن صاحبه أثناء الزيارة خاصة الإمام التركي ويقارن بين دوره ودور رفاعة الطهطاوي المصري ودوره التنويري والثقافي عندما زار فرنسا.
ويعرض بعد ذلك لمؤلف غاية في الأهمية عن الدولة العثمانية وعلاقاتها الأوربية في عصرها المبكر وحتى فتح القسطنطينة في مقال حمل عنوان" (إمبراطورية الغزو وإمبراطورية التبادل.
البدايات والمتغيرات) ويُعرِّج إلى عرض موقف المؤرخين المسلمين من الدولة العثمانية منذ بدايتها وأسباب هذا الموقف السلبي في تحليل متميز من المؤلف لطبيعة المرحلة.
ويختتم هذا الجزء بمقال عن (ثريا فاروقي وفن كتابة التاريخ العثمانى) والذي عرض المؤلف بصورة تفصيلية ومتميزة ودقيقة لمنهجهها ومصادرها غير المألوفة في كتابه التاريخ العثماني، واهتمامها بكتابة كل ما يهم الثقافة والحياة اليومية للأفراد وحياتهم الاجتماعية والاقتصادية وبعدها عن التاريخ العثماني بشكله التقليدي.
وبعد هذه الموضوعات الدسمة المتضمنة في القسم الأول من الكتاب يأتى القسم الثانى منه ليعبر عن موضوعات دسمة أخرى منها صورة الإسلام ونبيه والمسلمين من قبل الغرب الأوربي بكل أطيافه ثم العلاقة بين الطرفين، تلك النظرة التي اتخذت طابع التعصب والكراهية فجاء المقال الأول بعنوان (أوروبا والإسلام في العصور الوسطى قضايا المجابهة والعلاقات السياسية والإنسانية) الذي تابع فيه أول إشارة للنبي من قبل البيزنطيين سنة 634م بوصفه، حاشاه صلى الله عليه وسلم، " نبيًا مزيفًا".
تلك النظرة السلبية للإسلام، حتى في المخيلة الشعبية التي هدفت للانتقاص من شأنه وشأن المسلمين ورفضهم فجاء المقال الثاني بعنوان (المسلمون في الأدب الأوربي الوسيط.
ملحمة الفارس رولان نموذجًا).
وتستمر الصورة التي ترواحت بين السلبية والإيجابية والقبول والرفض وطبيعة العلاقات وتأثرها بين الطرفين حتى الوقت الحالي؛ فجاء المقال التالى بعنوان (العالم الإسلامي والغرب ميراث ماضي العلاقة وواقع الطرفين في المرحلة الراهنة) الذي كان عنوان أحد مؤتمرات الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، عرض المؤلف فيها للأبحاث المقدمة في المؤتمر التي تناولت العلاقة بين الطرفين والنظرة للإسلام والمسلمين.
وانتقل بعد ذلك لمرحلة قبول الآخر والـتأثير والتأثر به خاصة في مجال التجارة والعملات فجاء المقال بعنوان (المسلمون وأوروبا: التجارة والنقود.
التأثير والتأثر)، وأعطى مثال على ذلك بسك دينار ذهبي عليه عبارات التوحيد من قبل الملك الإنجليزى أوفا 757-796م وعرض المؤلف للآراء التي فسرت أسباب سك هذا الدينار ووجهه نظر المؤلف في هذه الآراء.
ثم تحدث عن العلاقة بين الطرفين أثناء حكم أسرة باليولوجوس وهي الأسرة التي حكمت الدولة البيزنطية منذ سنة 1261م وحتى سقوط العاصمة 1435م، وتناول ذلك من خلال مناظرة بين الإمبراطور مانويل الثاني وأحد علماء الدين الأتراك، ونوه بإيراد البابا بندكت السادس عشر بعض العبارات التي جاءت على لسان الإمبراطور لخدمه أهداف البابا لإذكاء روح التعصب ضد المسلمين.
ثم يعرض نظرة منصفه للإسلام تزيل تلك النظرة السلبية له من خلال ما كتبه الأب كريستيان فان نسبن في مقال حمل عنوان (مسيحيون ومسلمون: إخوة أمام الله.
شهادة عن الحوار الإسلامي-المسيحي) بل يتطرق المؤلف لنظرة الكتب المدرسية الأوربية للإسلام والمسلمين، والتي تحوى الكثير من الأكاذيب عن النبي وأحاديثه والإسلام والفاتحين المسلمين من خلال مقال (الثقافة الإسلامية في الكتب المدرسية الأوربية) مع عرضه عرضًا شيقًا ومتنوعًا وثريًا من خلال الأوراق البحثية التي عرضت في المؤتمر لعدد من المفكرين والكتاب الذين تناولوا النظرة الأوربية.
ويرجع ليتناول مرة أخرى صورة الإسلام والمسلمين من خلال من احتكوا بهم فيتحدث المقال التالي عن (صورة الإسلام والمسلمين في كتابات الرحالة السير جون ماندفيل) وتعرض المؤلف لكتابته عن النبي والإسلام وبعض مبادئ الدين وصورة المسلمين ورغم أنه وصف المسلمين بالسماحة وحسن الأخلاق إلا أن كلامه احتوى على بعض المغالطات.
وكذلك لدى الفارس الألمانى شيلتبرغر الذي حوت روايته الكثير من المغالطات عن الرسول والمسلمين واضطهادهم للمسيحيين ورغبتهم في استئصالهم وفي المقابل قام بالتحريض ضدهم ومحاربتهم.
وكذلك عرض المؤلف لصورة الإسلام والمسلمين فى كتابات حجاج إيطاليين من مدينة فلورنسا أواخر القرن الرابع عشر الميلادى ومنهم جوتشي وسيجولي وفريسكوبالدي، الذي ذكر أن المسلمين يكنون احتراما للمسيحيين، وتحدثوا كذلك عن مساجدهم وطقوسهم الدينية وحياتهم ونسائهم من حيث حشمتهن وجمالهن وممارسة بعضهن للتجارة.
ويأتى المقال التالي بعنوان (قسطنطين ميخائيلوس والإسلام) ليتحدث عن صورة الإسلام لدى هذا الفارس الصربي الذى التحق بالجيش العثمانى وشهد حروبهم في البلقان، ورغم انه اتخذ موقفا حياديًا من المسلمين ومساجدهم وعقيدتهم إلا انه اتخذ موقف سلبى من الاسلام والنبي وأورد العديد من المعلومات المشوشه والخلط فى الأحداث وقد فسر المؤلف أسباب ذلك.
وتحدث المؤلف في المقاليين التاليين عن" صورة الإسلام والمسلمين عند الراهب البولندي سيمون الأرمني" والذى خرج للحج إلى الأماكن المقدسة في بلاد الشام ومصر سنة 1608م، واشاد بإخلاق وتدين المسلمين وحسن معاملتهم للمسيحين.
على عكس المقال التالي الذى حمل عنوان" الإسلام والمسلمون في مذكرات الفارس أرنولد فون هارف" الذى خرج للحج للأماكن المقدسة في مصر وفلسطين سنة 1496م، وزار مكة أيضًا ودوَّن ملاحظاته، وكانت الكثير من معلوماته مشوشة ومغلوطة وفيها الكثير من الخلط ومتأثره بخلفيته المسيحية.
وكذلك صورة (المسلمون في كتابات الأب فيلكس فابري) الذي عاش مع المسلمين فى رحلتيه للحج سنة 1480م ومرة أخرى 1483م.
وينتقل المؤلف إلى (صورة الإسلام والمسلمين في كتابات عصر النهضة الإيطالية) من خلال عرضه لكتاب د.
عمر عبدالمنعم عن صورة الاسلام لدى الكتاب وكذلك الرحالة الإيطاليين خلال تلك الفترة.
ثم (صورة الإسلام والمسلمين لدى الأسير الألماني يوهان وايلد (1606-1610" الذي سقط في قبضة الأتراك العثمانيين إبان حروبهم مع القوى الأوربية المسيحية في بدايات القرن السابع عشر وجاب الأراضى الإسلامية من القاهرة إلى الجزيرة العربية ودمشق وبيت المقدس وحديثه عن صلوات المسلمين وطقوسهم وأعيادهم والكثير من المعلومات المتعلقة بحياتهم الاجتماعية والعلمية.
وننتقل مع المؤلف إلى محور جديد وهو الحركة الصليبية كأحد أهم مظاهر العلاقات بين الغرب الأوربي المسيحي والشرق العربي المسلم ليأتي المقال الأول (مقولة الحرب العادلة.
قراءة في التراث المسيحي في العصور الوسطى) ليوضح كيف تغير موقف الكنيسة من الحرب التي اعترفت بها كممارسة مشروعة بل ولازمة في سبيل الخلاص خاصة بعد الربط بين الغفران المسيحي والحرب ضد المسلمين، وأصبح المحاربين الذين أزهقوا أرواح الآلاف من المسلمين (جيش المسيح) بعد أن صاغت البابوية فكرة الحرب العادلة.
وجاء المقال التالي للتحدث عن انطلاق الصليبيين إلى الشرق واحتلال أراضيه وما ارتكبوه ضد المسلمين من مذابح واستيلائهم على مدينة بيت المقدس سنة 1099م حتى نجح صلاح الدين في استردادها سنة 1187م.
ثم المقال الثالث بعنوان (البحث عن صلاح الدين الأيوبي في سيرة الظاهر بيبيرس) وتعرض المؤلف لعمل د.
محمد رحيل الذي لفت فيه النظر إلى صورة صلاح الدين في السيرة الظاهرية الشعبية وليس الظاهر بيبيرس التي دبجت السيرة من أجلة وعرض المؤلف لأسباب ذلك.
ويعود مرة أخرى للحركة الصليبية ودوافعها وأحداثها حتى استولى صلاح الدين على بيت المقدس بمقال (" عٌشر صلاح الدين" ضريبة فرضها الغرب لمحاربة المسلمين) وذلك من أجل تمويل حملة صليبية جديدة لاستعادة مدينة القدس وما تلى ذلك من أحداث الحملة الصليبة الثالثة.
يتطرق مؤلفنا الواسع الثقافة بعد ذلك للحديث عن" العلاقات الإنسانية زمن الحرب.
تجربة المسلمين، والصليبيين" وصورها المتعددة بين المسلمين والصليبين حيث أفاض بذكر حالات التفاعل الإنسانى بين المسلمين والصليبيين.
وفي مقال آخر (اللغة العربية والغزاة.
الصليبيون نموذجًا) يتحدث فيه عن أثر هذه العلاقات التي دفعت الآخر (الصليبيون) إلى معرفة وتعلم اللغة العربية لدراسة الآخر وحضارته.
يليه الحديث عن أحد المؤرخين الذين تناولوا الحركة الصليبية (تاريخ متى الرهاوي مصدرًا للفترة الصليبية) وهو أهم المصادر الأرمينية التي أرخت للحركة الصليبية.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى محور آخر يتناول المؤرخين الذين تحدثوا عن الفترة المبكرة من تاريخ الإسلام والمسلمون وفتوحاتهم (فتوح المسلمين لبلاد الشام وأرمينيا.
قراءة في مصنف المؤرخ الأرمني" سيبيوس" ) موضحًا أسباب تميز مصدر سيبيوس التاريخي وتفرده في روايته لأحداث هذه الفترة.
وكذلك (البطريرك ديونسيوس التلمحري مؤرخًا للتاريخ الإسلامي) بطريرك أنطاكية و كتابه (تاريخ الأزمان) والذي بدأه بالحديث عن النبي، وعرض المؤلف لنقاط تميزه واختلافه عن غيره في بعض النقاط.
وإذا كان المؤلف قد تناول في محور سابق الرحالة الذين جاءوا إلى مصر والشرق الإسلامى نجده في هذا المقال (عبد الباسط خليل في الغرب الإسلامي ق15م.
الرحلة العكسية) يتحدث عن أحد الرحالة المصريين الذي زار بلاد المغرب والقسطنطينية وبلاد الأندلس 1462-1467م ودوَّن ملاحظاته في فترة زخم تاريخى وثقافي.
وأفرد بعد ذلك مقالين للحديث عن مصر، الأول (مصر في ذاكرة أسير ألماني في القرن الخامس عشر) وهو الأسير الذى وقع فى أسر السلطان العثماني في معركة نيقوبوليس 1394م وتحدث عن مصر والإسكندرية ومنارتها ودير سانت كاترين والأوضاع التجارية في العصر المملوكي.
أما المقال الثاني فكان بعنوان (مستشفى السلطان قلاوون في القاهرة.
من أوراق الحضارة الإسلامية) وتحدث فيه عن المستشفى وأقسامها وحجة الوقف الخاصة بها وتقدم الرعاية الصحية فيها، وإعجاب الرحالة الذين زاروا مصر بها.
وبعد ذلك ينقلنا إلى مقال لطيف عن شرب القهوة وتحريمها من قبل بعض الفقهاء (الفقهاء وتحريم القهوة.
الالتباسات القديمة والاجتهادات والفتاوى) وموقف السكان من هذا التحريم، وموقف السلطان قلاوون في مصر من هذا التحريم وكذلك في إسطنبول.
أتبع ذلك بعدة مقالات متنوعة تُظهر موسوعية المؤلف وثقافته فهناك مقال بعنوان (بغية الفلاحين في الأشجار المثمرة والرياحين) وهو أحد المخطوطات في علوم الفلاحة والزراعة، ومقال يحمل عنوان (تاريخ البحر الأحمر.
مواعيد الإبحار وأسطورة جبال المغناطيس)، وتحدث فيه عن مكانة هذا البحر ومسمياته عبر العصور ودوره التجاري وصناعة سفنه وهجرات سكانه منذ العصور القديمة.
وآخر بعنوان (التجارة الصامتة) وبدأه بمقدمة عن فلسفة التاريخ ثم تطرق إلى موضوع المقال عن هذه التجارة التي استمرت عبر عصور التاريخ القديم والوسيط والحديث وفي مناطق عديدة ذكرتها المصادر التاريخية والرحالة وفسر أسباب ذلك، وربطها المؤلف بما يتم من بيع وشراء عبر الإنترنت.
وينقلنا إلى مقال آخر بعنوان (مكتبة الإسكندرية تحتفل بابن خلدون في كتاب عن عصره) وينقلنا فيه المؤلف بين خمسين مقالًا فيه تمت كتاباتهم عن ابن خلدون والقوى المؤثرة على الأحداث في عصره وموقفه منها.
ومقال تالٍ يظهر فهم نضج المؤلف ونظرته المعتدلة وروحه السمحه ونقده للذات ورؤيته لضروره الحوار الإيجابي تحت عنوان (تعقيب على رضوان السيد.
عن المسلمين والمعرفة والتعامل مع المستجدات)، ثم يتحدث المؤلف عن الحج إلى مكة من خلال (رحلة حج هندية 1201هـ/ 1789م.
ملاحظات تاريخية وأنثروبولوجية) للحاج الهندى رفيع الدين المراد أبادى والذي أورد يومياته عن الحج وحديثه عن مكه وأوضاعها وحكامها وما أسبغ الله عليها من بركة وغني.
ويلى هذا المقال مقالًا آخر بعنوان (المسلمون الروس والحج في نهاية القرن الـ19) والطرق التي سلكها هؤلاء الحجاج واستعدادتهم وقيامهم بالحج ثم عودتهم واستقبالهم.
وفى عدة مقالات أخرى يحدثنا المؤلف عن بعض الأنشطة الثقافية واهتماماتها من خلال بعض المؤتمرات والندوات في مقال (المؤتمر العلمي الرابع عشر للجمعية التاريخية السعودية بالمدينة المنورة 18-20 مارس2013م) وعرض فيه الكثير من الأبحاث عرضًا تفصيليًّا وجذاب أضاف فيه العديد من المعارف عن المدينة المنورة وتاريخها عبر العصور.
ثم (ندوة الجزيرة العربية في المصادر الكلاسيكية) الذي تحدث فيه المؤلف عن كيفية تناول المصادر التاريخية اليونانية واللاتينية للجزيرة العربية وعرض للعديد من المقالات التي عرضت فى الندوة.
وتلى ذلك مقالًا عن (الجزيرة العربية في المصادر البيزنطية المتأخرة) وما دفع المؤلف لكتابه هذا المقال الذي تناول فيه المصادر البيزنطية منذ ثيوفانس المعترف في القرن الثامن الميلادي، حتى خالكوكونديلاس في القرن الخامس عشر عن الجزيرة العربية وسكانها وأظهر ما أورده المؤرخين من أخطاء.
ويختم المؤلف كتابه بأربعة مقالات تتحدث عن الصين والمسلمين، المقال الأول (المسلمون والصين.
قراءة في البدايات) ومتى وردت أول إشارة عن الإسلام في المصادر الصينية الرسمية.
ويلى ذلك مقال بعنوان (مصر في الوثائق والسجلات الصينية في العصور الوسيطة) نظرًا لمكانة مصر في القرن الثالث عشر حيث كانت مركز الدنيا وقبلة العالم، وذلك من خلال كتاب شوجو- كوا الذي عرضه المؤلف وأوضح ما به من حقائق وحكايات غير حقيقية عن أوضاع المصريين وحكامهم ونيلها.
ولم يكتف المؤلف بتناول مصر في المصادر الصينية وإنما عرج للحديث عن (مكة المكرمة والمدينة المنورة في الوثائق والسجلات الصينية في العصور الوسطي) وعرض لهذه المؤلفات وما اعترى بعض هذه المصادر من تشوش وخلط وحكايات أسطورية في حين اتصف البعض الآخر بالدقة وإنصاف الإسلام والمسلمين.
وفي نهاية هذا العرض لمحتويات هذا الكتاب لعلي لاأكون مبالغة إذا قلت إن من لم يقرأ هذا الكتاب القيم، فاته الكثير حقًا؛ ذلك لأن هذا الكتاب، الذي في أغلبه مقالات سبق لمؤلفها نشرها متفرقة في أوقات مختلفة على صفحات جريدة (الحياة) اللندنية- يُعد منجمًا للعديد من المعلومات عن الدين والتاريخ والآثار والرحلات والحكايات الشعبية والبطولات والأوضاع السياسية والدينية والثقافية، ويقدم أفكارًا صالحة لأن تكون موضوعات لعشرات الرسائل والأبحاث العلمية بفضل هذه التوليفة الكبيرة والمعلومات المزدحمة فيه التي تدهش القارئ.
ولا أريد ترك القلم العارض لهذا الكتاب المهم دون إبراز بعض الحقائق التي لاشك يستشعرها من يقرأ الكتاب:-اتسم الكتاب بأسلوب أدبي رشيق استخدم فيه المؤلف الكلمات المباشرة التي من السهل على القارئ العادي فهممها.
وكذلك القدرة على تصوير الأحداث لدرجة تجعل القارئ يعيش الحدث مثلما حدث في مقالاته عن حصار القسطنطينة وفتحها.
-يتضح من الكتاب سعة ثقافة مؤلفه وتنوعها، وهو الأمر الذي يظهر في إلمامه بكل نقطة تحدث عنها، وما استخدمه فيها من مصادر ومؤلفات تاريخية ودينية وأدبية وكذلك وثائق وتقارير بجانب المشاهدة والزيارات للموضوعات التي تناولها فلم يترك شاردة أو واردة حتى قام بالتأصيل لها وثوثيقها.
-وليس جديدًا أن نكرر القول بتميز المؤلف بصفات الموضوعية والقراءة المتأنية الفاحصة للمصادر التي اعتمد عليها، ذلك أنه استعان بالكثير من المصادر المعاصرة للأحداث التي تنوعت الفئات التي كتبتها من جنود ودبلوماسين ومؤرخين ورجال دين وسياسة التي أوردها وقام بالمقارنة بينها وتحليل ما ورد بها من معلومات، ونقد بعضها من أجل الوصول إلى حقيقة مايكون قد حدث بالفعل.
وعلى الرغم من التنوع البالغ لموضوعات الكتاب، التي كانت تصلح لإصدارها في أكثر من كتاب، فقد اتصف مؤلفه بتنظيم أفكاره وترتيبها وبالدقة والأمانة العلمية والاعتراف بفضل الغير ومجهوداته.
هذا بجانب كونه صاحب رؤية خاصة يوضحها في كثير من هذه المقالات ولا يقلد أو يتبع أحد، بل إن لديه مقدرة كبيرة على النقد حتى نقد الذات.
لكل هذا أرى أن هذا الكتاب سيبقى أحد أبرز الكتابات العربية الصادرة في سنتنا هذه، سنة 2026م، وأرشحه للقراءة من قبل الباحثين وكافة المهتمين بالكتابات التاريخية الهادفة والنافعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك