وكالة الأناضول - قدم.. وعكة صحية طارئة لكريستيان إريكسن تلغي ودية الدنمارك وأوكرانيا وكالة سبوتنيك - إعلام: ترامب يعتزم الاتصال بنتنياهو الآن ويطلب منه عدم الرد وكالة الأناضول - العراق يغلق مجاله الجوي لمدة 72 ساعة وكالة الأناضول - "حزب الله" يعلن تنفيذ 20 هجوما الأحد ضد قوات إسرائيلية جنوبي لبنان وكالة سبوتنيك - عضو "الحوار المهيكل" في ليبيا: الحوار تجربة وطنية تهدف إلى خلق مساحات مشتركة للتوافق إيلاف - إيران تهاجم إسرائيل بالصواريخ وشوارع طهران تبتهج وكالة الأناضول - إيران تغلق المجال الجوي الغربي للبلاد بعد هجمات على إسرائيل العربي الجديد - الحوار الليبي يوصي بإصلاحات تقلص الاعتماد على النفط وكالة الأناضول - ترامب يحث إيران على إبرام اتفاق بعد هجومها صاروخيا على إسرائيل إيلاف - إسرائيل تعلن تعرضها لقصف إيراني متتابع، وطهران "تتوعد بضربات مدمرة"
عامة

الدكتور فاروق عثمان أباظة.. مؤرِّخٌ جليل صنع من صفحات التاريخ عُمرًا

بوابة الأهرام
بوابة الأهرام منذ 1 ساعة

حين يرحل أحد كبار المؤرخين، لا يخلو المشهد من تلك المفارقة الصامتة التي تؤرّق من عرفوه عن قُرب: أنّ الرجل الذي أمضى عمره يُحيي ذكريات الأمم ودراما مآلات التاريخ، يغدو هو نفسه ذكرى، عندما وقفنا أمام خب...

حين يرحل أحد كبار المؤرخين، لا يخلو المشهد من تلك المفارقة الصامتة التي تؤرّق من عرفوه عن قُرب: أنّ الرجل الذي أمضى عمره يُحيي ذكريات الأمم ودراما مآلات التاريخ، يغدو هو نفسه ذكرى، عندما وقفنا أمام خبر رحيل الأستاذ الدكتور فاروق عثمان أباظة، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، فأدركنا أن ثمة بابًا أُغلق لن يُعوَّض بسهولة، وأن المقعد الذي خلا في قاعة القسم لن يملأه غير ذكراه.

ليست هذه السطور رثاءً، بل هي محاولة للإنصاف؛ إنصاف رجل آثر العمل الهادئ على الضجيج المُصطنع، وبنى مسيرته الأكاديمية لبنةً لبنة، حتى غدت صرحًا يستحق الوقوف أمامه بإمعان وتأمّل.

بداية المسيرة من البحيرة إلى الإسكندريةوُلد فاروق عثمان أباظة في الأول من سبتمبر عام 1936م في محافظة البحيرة، تلك الأرض التي طالما أنجبت رجالًا يحملون في أعماقهم دفء الريف ووضوح الرؤية معًا.

في مطلع الخمسينيات التحق بجامعة الإسكندرية التي ستغدو بيته الأكاديمي لعقود طويلة، فحصل على ليسانس الآداب من قسم التاريخ والآثار عام 1959م.

لم يكتفِ بهذا، بل آثر البقاء في الدار التي أحبّها وأحبّته؛ فنال منها الماجستير عام 1966م والدكتوراه عام 1974م، كلاهما في تخصص التاريخ الحديث والمعاصر.

وكان اختياره جامعة الإسكندرية حضنًا لمراحله العلمية كافة أمرًا كاشفًا: ليس ترددًا في المغامرة بالخارج، بل إيمانًا راسخًا بأن الأصالة العلمية تُبنى من الداخل.

تدرّجت مسيرته المهنية بثبات لافت؛ إذ عُيّن مدرسًا للتاريخ الحديث والمعاصر عام 1976م، فأستاذًا مساعدًا عام 1982م، فأستاذًا عام 1988م، وحين رأت الكلية فيه إلى جانب الكفاءة العلمية كفاءةً إداريةً نادرة، أسندت إليه وكالتها لشؤون التعليم والطلاب عام 1993م، ثم لشؤون الدراسات العليا والبحوث عام 1995م، وتوّج مسيرته الإدارية بتوليه عمادة المعهد العالي للدراسات الأدبية التابع لوزارة التعليم العالي في الفترة من 2000 إلى 2003م، مسيرةٌ في مجملها لا تشي بالاندفاع، بل تُعبّر عن إنسان يُحكم ما يبني، ويبني ما يُحكم.

الإنتاج العلمي.

موسوعية محكمةلعل أبرز ما يُميّز فاروق أباظة الباحثَ أنه لم يركن إلى تخصص ضيّق يُحاصره، بل امتدت مداه بحريّة المؤرخ الواثق من أدواته؛ فشملت أبحاثه التاريخ الاقتصادي لمصر ودول حوض البحر المتوسط، والسياسة البريطانية في شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر، والدولة العثمانية في اليمن، والعلاقات الدبلوماسية الدولية في مراحل فارقة من القرنين التاسع عشر والعشرين.

وتبقى أطروحته التي تحوّلت إلى كتاب مرجعي، علامةً فارقة في مسيرته: " أثر تحول التجارة العالمية إلى رأس الرجاء الصالح على مصر وعالم البحر المتوسط أثناء القرن السادس عشر" (دار المعارف، الإسكندرية، 1984).

في هذا العمل يُعيد أباظة تأطير الأزمة الاقتصادية البنيوية الكبرى التي أصابت مصر والعالم الإسلامي حين سرقت الملاحة البرتغالية مسار التجارة العالمية من شرايين البحر المتوسط، مقدّمًا نموذجًا رائدًا في كيفية قراءة الصدمات الهيكلية بدلًا من الاكتفاء بوصف الأحداث السطحية.

وهو ما يجعل هذا الكتاب مرجعًا لا غنى عنه لكل باحث في تاريخ مصر الاقتصادي في العصر الحديث المبكّر.

أما الأساس البحثي الذي احتل أوسع مساحة في فكره فكان منطقة البحر الأحمر وجنوب الجزيرة العربية في مرحلة التنافس الاستعماري، ومن أبرز ما أنجزه في هذا الإطار:" الحكم العثماني في اليمن 1872-1918" (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975).

" عدن والسياسة البريطانية في البحر الأحمر 1839-1918" (1976).

" سياسة بريطانيا في عسير أثناء الحرب العالمية الأولى" (دار المعارف، 1980).

" العلاقات البريطانية اليمنية بين الحربين العالميتين" (دار المعارف، 1981).

" التنافس الدولي في جنوب البحر الأحمر في النصف الأول من القرن التاسع عشر" (دار المعارف، 1983).

" العلاقات المصرية اليمنية وموقف بريطانيا إزاءها في العقد الرابع من القرن التاسع عشر" (دار المعارف، 1982)" بريطانيا والحكومة الوطنية في الشطر الجنوبي من اليمن 1939-1967م" (دار المعارف، 1988).

وهي مجتمعةً سلسلةٌ متماسكة تُشكّل جداريةً تاريخية شاملة للمنطقة في حقب الإمبراطوريات المتصارعة.

وإلى هذه المحور اليمني-العربي، دراسةٌ استثنائية في بابها تتعلق بـ" حافظ وهبة - مستشار شخصي للملك عبد العزيز آل سعود" (دار المعارف، 1988م)، وهي تكشف عن مؤرخ يعتبر الشخصية التاريخية مدخلًا لفهم بناء السلطة وشبكات النفوذ، كما أسهم في مشروع" تجميع التراث التاريخي لجنوب الجزيرة العربية" بإشراف جامعة الدول العربية ومنظمة اليونسكو في الفترة 1972-1976م، ومن قبل ذلك، شارك في تأليف" قاموس الشرق الأوسط" الصادر عن مركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس عام 1988م.

وعلى صعيد الكتاب الجامعي، أعدّ سلسلةً من المقررات الأكاديمية الصادرة عن دار المعرفة الجامعية بالإسكندرية في مطلع الألفية الثالثة، تضمّنت: " دراسات في تاريخ مصر الحديث والمعاصر"، و" العالم العربي الحديث والمعاصر"، و" تاريخ أوروبا الحديث والمعاصر"، و" نصوص تاريخية باللغة الإنجليزية - دراسة وتحليل"، و" تاريخ العلاقات الدولية والحضارة الحديثة".

تلك الجهود تكشف عن مؤرخ يؤمن بأن التدريس لا ينفصل عن البحث، وأن إعداد الطالب واجبٌ يعادل بناء المعرفة.

وإلى جانب الكتب، تمتد مشاركاته في الندوات والمؤتمرات الدولية امتدادًا يكشف عن حضور أكاديمي لافت؛ من ندوات اتحاد المؤرخين العرب وهيئة فولبرايت إلى مؤتمرات بيروت وصنعاء والرياض.

ومن أبرز أوراقه البحثية: " الإسكندرية في العصر العثماني: مدينة مصرية متعددة الجنسيات ومتنوعة الثقافات" (مكتبة الإسكندرية، 2004م)، و" العلاقات الاقتصادية بين الإسكندرية والبندقية في سنة 1517" (1994م)، و" أثر افتتاح قناة السويس على التنافس الدولي في البحر الأحمر" (2003م).

أوراقٌ تؤكد أن أباظة لم يكن يكتب في فراغ، بل كان يُحاور بها الباحثين والمؤرخين في كل اتجاه.

الأستاذ.

ما تعجز عنه الببليوغرافياغير أن ثمة جانبًا من فاروق أباظة لا تستطيع قائمة المنشورات مهما طالت أن تُحيط به: الجانب التربوي.

كان من الجيل الذي يرى في الطالب حجر زاوية لا ورقة عبور؛ الجيل الذي يُدرك أن الباحث الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد الصفحات التي ملأها، بل بعدد العقول التي أطلقها، كان يُلقي سؤاله بطريقة تفتح أبوابًا لا تُقفلها، ويُقدّم نقده بصورة تُحرّك ولا تكسر، في هذا يختلف المعلم عن الأستاذ، والأستاذ عن المؤرخ الذي جمع الصفتين.

والمؤرخون الذين تخرّجوا على يديه في مصر والوطن العربي، يحملون في طريقتهم في التعامل مع المصادر شيئًا من مدرسته: ذلك الجمع بين الصرامة المنهجية والانفتاح على الأسئلة الكبرى، وبين الأمانة للوثيقة والجرأة في تأويل السياق.

إرثٌ لا يقبل التوثيق في مرجع أو هامش، لكنه حيٌّ في كل من أخذوا عنه.

حين نعى قسم التاريخ والآثار المصرية والإسلامية بجامعة الإسكندرية" العالمَ الجليل فاروق عثمان أباظة"، كان الرثاء جماعيًا بقدر ما كان شخصيًا، فالمؤرخ الذي كرّس عمره للحفاظ على الذاكرة الجماعية يغدو هو نفسه مادةً لهذه الذاكرة، وكأن التاريخ، ذلك الكائن الوفيّ، أبى إلا أنْ يحتضن مؤرخيه الكبار بين صفحاته.

يبقى فاروق أباظة علامةً في مسار الدراسات التاريخية الحديثة في مصر؛ مؤرخًا كتب عن رأس الرجاء الصالح فأبصر من ورائه ما حلّ بالحضارات حين تتحوّل الخرائط، وكتب عن اليمن فأدرك أن المنطقة العربية جسدٌ واحد تربطه شرايين لا تظهر على السطح، كان في كتاباته خارجًا دومًا من الجزء إلى الكل، ومن الحدث إلى البنية، ومن التاريخ المحلي إلى التاريخ الإنساني في أبعاده الأشمل، فقد كان يؤمن بأنّ الشجرة لا تُدرس من أوراقها، ولكن من جذورها.

رحم الله الأستاذ الدكتور فاروق عثمان أباظة، الذي آثر أن يُقيم في رحاب جامعة الإسكندرية، وفيًا لمسيرته وطلابه وبحثه، وليُذكر اسمه كما يليق برجل جعل من العلم عبادةً، ومن قاعة الدرس محرابًا، ومن الكتابة التاريخية رسالةً لا تنتهي بانتهاء عمرها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك