لم يعد الحديث عن توطين المهاجرين واللاجئين في ليبيا مجرد مخاوف تُزكيها نظريات المؤامرة، بل تحول إلى واقع يُفرض بالترهيب الدبلوماسي والابتزاز السياسي، إذ جاءت التصريحات الأخيرة الصادرة عن المسؤولة بمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كارمن صخر، لتنزع ورقة التوت الأخيرة عن عورة السياسة الدولية تجاه الدول الضعيفة، وتكشف كيف تُستغل أزمات أي دولة لتمرير أجندات ديمغرافية خطيرة.
وفي خضم الانقسام السياسي في ليبيا، والفوضى التي تلت ثورة فبراير، تحول ملف اللجوء والتهريب إلى معضلة تؤرق الأمن القومي للدولة، في ظل غياب خطط حكومية فعالة لحماية حدودها.
وما طرحته تصريحات المسئولة في مفوضية اللاجئين من أفكار حول تسوية الأوراق والتعيينات في شتى المجالات لا يمكن تصنيفه كدمج إنساني، بل هو توطين وإحلال ديمغرافي ممنهج، قنبلة موقوتة ستتحول إلى انفجار ديمغرافي مع مرور السنوات، وحقوق مكتسبة بالتوطين، ومطالبات سياسية بتقرير المصير، لتضيع ليبيا جغرافيا وسكانيا لمصلحة مشروع أوروبي يريد تحويل البلاد إلى «مكب» لأزماته السياسية، فأوروبا تُصارع أمواج المهاجرين، وتبحث عن حلول للتخلص منهم، حتى على حساب أمن وسيادة دول أخرى.
إن خروج موظفة أممية لتهدد المواطنين الليبيين الرافضين سياساتها بالمنع من السفر، أو الحرمان من التأشيرات، يحمل للعقوبات الأوروبية تنفيذياً دلالات خطيرة، فمنذ متى كانت الهيئات الأممية ذراعا وسوطاً غليظاً مسلطاً على رقاب الشعوب؟هذا الابتزاز الرخيص يعامل الليبيين كقُصر في وطنهم، ويضرب بالقانون والقضاء الليبي عرض الحائط، فالمخطئ من الليبيين يحاسبه قانون بلده، وليس قوائم العقاب التي تُطبخ في جنيف وبروكسل.
والسؤال الأهم أمام هذه المهزلة ليس حول ماذا قالت كارمن صخر وما وراء تصريحاتها، بل هو: أين هي السلطات الليبية من هذا الهراء؟ !إن صمت المسؤولين الليبيين وحكومتيهم في الشرق والغرب، على حد سواء، يعكس خيارين، كلاهما مّر، إما العجز وفقدان البوصلة الوطنية نتاج انشغال النخب بالصراع على المناصب والميزانيات، أو التواطؤ والرضوخ للإملاءات الخارجية مقابل الحصول على شرعية دولية واهية للبقاء في السلطة.
والسلطة التي تعجز عن استدعاء ممثلي هذه المنظمات، وتوبيخهم أو طردهم عند تجاوز حدودهم، هي سلطة قررت مسبقا أن تُفرط في أسس سيادتها.
ليست ليبيا وحدها من تواجه أمواج الهجرة، ولكن لماذا تصمت هذه المنظمات أمام تونس أو الجزائر أو مصر؟ الإجابة ببساطة، لأن تلك الدول تملك كتلة سيادية موحدة، ومؤسسات تضع أمنها القومي كخط أحمر لا يقبل المساومة.
أما في ليبيا، فقد استثمر الجميع، بمن فيهم المؤسسات الدولية، في الانقسام، وحولوا البلاد إلى كتل معزولة يسهل الاستفراد بكل جزء منها، لتمرير ما عجزوا عن تمريره لدى الجيران.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك