في لحظة إقليمية تتشابك فيها الحسابات وتتناقض فيها المصالح، تبدو الضاحية الجنوبية في بيروت، وتل أبيب، وطهران، وواشنطن كأنها مربعات على رقعة شطرنج واحدة، تتحرك عليها ثلاث منظومات سياسية كبرى: إسرائيل، إيران، والولايات المتحدة.
كلٌّ منها يلوّح بالقوة، ويختبر حدود خصمه، ويبحث عن مكاسب سياسية داخلية، بينما تتحول شعوب المنطقة – من لبنان وفلسطين وإسرائيل، إلى الأردن ودول الخليج وإيران – إلى أسرى لعبة لا يملكون فيها صوتاً ولا قراراً.
ضربة نتنياهو للضاحية الجنوبية لم تكن خطوة عسكرية بقدر ما كانت خطوة سياسية.
هو يعرف أن إيران سترد، ويعرف أن الرد قد يفتح الباب أمام تصعيد واسع، لكنه يرى في ذلك فرصة أخيرة للهروب إلى الأمام.
فقبوله بالضغوط الأميركية للانخراط في اتفاق غير موجود بعد مع إيران سيظهره أمام جمهوره كزعيم خاضع لإملاءات واشنطن، ويقرب لحظة خروجه من مكتب رئيس الوزراء.
لذلك يفضّل المغامرة، حتى لو كانت شبه انتحارية، على أن يُرى ضعيفاً.
هو يراهن على أن أي تصعيد سيجبر ترامب على الانخراط في مواجهة جديدة مع إيران، لعلّه ينتزع منها صورة نصر لم يحصل عليها في لبنان ولا في إيران سابقاً.
بقاء نتنياهو السياسي، لا أمن إسرائيل، هو البوصلة التي تحرك قراراته.
إيران من جهتها ليست أقل انغماساً في الحسابات الداخلية.
هي تعرف أن أي ضربة لإسرائيل قد تستدعي تدخلاً أميركياً، لكنها مضطرة لإظهار الردع أمام جمهورها، ولإثبات أنها ليست الحلقة الأضعف في معادلة القوة.
الرد الإيراني محسوب، لكنه يبقى جزءاً من لعبة أكبر تُدار بعقلية الأنظمة لا بعقلية الدول.
أما ترامب، فيتعامل مع المشهد بمنطق الصفقات.
يضغط على نتنياهو حين يحتاج الضغط، ويمنحه الغطاء حين يرى في ذلك مصلحة سياسية داخلية.
هو اللاعب الذي يستطيع إشعال النار أو إطفاءها، وفقاً لحسابات انتخابية لا علاقة لها بأمن المنطقة ولا بمستقبل شعوبها.
وفي وسط هذه المعادلة، تقف شعوب المنطقة – من بيروت وغزة وتل أبيب، إلى عمّان والرياض وأبوظبي والدوحة والكويت والمنامة ومسقط وطهران – كأنها جمهور يشاهد مسرحية لا يستطيع التأثير في أحداثها.
شعوب تدفع ثمن العقوبات، وثمن الصواريخ، وثمن القرارات التي تُتخذ في غرف مغلقة، بينما يُطلب منها الصبر والولاء والتضحية.
المنطقة اليوم ليست أمام صراع دول، بل أمام صراع زعامات.
زعامات تبحث عن البقاء، حتى لو كان الثمن زعزعة استقرار الإقليم بأكمله.
وما لم تستطع شعوب المنطقة فرض معادلة جديدة، ستبقى رهائن على رقعة شطرنج لا يتحكمون فيها، بينما تستمر الأنظمة في تحريك القطع وفق مصالحها الضيقة، لا وفق مصالح من يفترض أنها تمثلهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك