مع صدور الحكم بالسجن مدى الحياة في حق زعيم حركة" النهضة"، الذراع السياسية لجماعة الإخوان في البلاد، راشد الغنوشي، مع 30 عاماً إضافية في قضية إنشاء الحركة لجهاز أمن مُوازٍ، تصاعد الجدال السياسي في شأن من سيدير الجماعة الآن؟ونجحت" النهضة" في الوصول إلى السلطة إثر أحداث يناير (كانون الثاني) 2011، وهيمنت على الحكم لسنوات، لكن شعبيتها تراجعت، ومع تفعيل الرئيس قيس سعيد المادة 80 من الدستور عام 2021 وتعليق عمل البرلمان والحكومة اللذان كانت تسيطر عليهما الحركة، باتت الأخيرة تواجه مأزقاً غير مسبوق.
وأوقفت السلطات التونسية عدداً كبيراً من قيادات" النهضة" بعد رئيسها، أبرزهم نائبه رئيس الحكومة السابق علي العريض، والقيادي نور الدين البحيري، وغيرهم، حيث يواجه هؤلاء ملفات حساسة على غرار الاشتباه في تورطهم في تسفير الشباب إلى بؤر القتال، والتآمر على أمن الدولة، وإنشاء جهاز أمن سري.
وفي السنوات الماضية حاولت" النهضة" التكيف مع الوضع الجديد الذي باتت تواجهه في ظل الملاحقات القضائية التي تواجهها قياداتها، حيث عينت عدداً من الأمناء العامين بهدف قيادة الحزب على غرار المنذر لونيسي، لكنه أوقف لاحقاً.
وبعد الأحكام الأخيرة التي شملت قياديين آخرين على غرار مصطفى خذر، أصبح مصير حركة" النهضة" الإسلامية على محك حقيقي، لا سيما في ظل العزلة الداخلية التي تواجهها حيث يرفض كثير من قوى المعارضة التحالف معها.
واعتبر الباحث السياسي التونسي بوبكر الصغير أن" الواقع يقول إن حركة النهضة مرت بمراحل عصيبة، وهذه الأحكام ليست الأولى التي يواجهها راشد الغنوشي، حيث حكم بحبسه مدى الحياة وحتى الإعدام في مرات سابقة في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي".
وتابع الصغير أن" الحركة هي تنظيم ككل الأحزاب العقائدية التي تعتمد نمطية معينة في التسيير والقيادة، ومن الصعب أن تشهد فراغاً في تسييرها، والدليل أنها تصدر بيانات حتى الآن وتحيي ذكرى تأسيسها الـ47 هذه الأيام".
ولفت إلى أنه" في هذه المرحلة التحدي الأكبر الذي باتت تواجهه حركة (النهضة) في ظل وجود رئيسها في السجن، هو محاولة توريث سلطته في قيادة الحزب لابنه معاذ الغنوشي وصهره، حيث باتا يتصدران التحركات، وهو أمر يثير استياء من القيادات التاريخية للحركة في تونس".
وأضاف الصغير، " أعتقد أن عملية توريث عائلة الغنوشي في قيادة النهضة أمر بات مرجحاً أكثر من أي وقت مضى وإذا حصل فستكون له تداعيات وخيمة على الحزب لا سيما أنها ستكرس انقسامات غير مسبوقة داخله".
وحاولت" اندبندنت عربية" الحصول على رد من حركة" النهضة" في شأن ذلك، لكن لم يتسن ذلك.
تأتي هذه التطورات في وقت باتت فيه حركة" النهضة"، شأنها في ذلك شأن بقية قوى المعارضة التونسية، عاجزة عن حشد الشارع في مواجهة السلطات، لا سيما بعد مقاطعتها للاستحقاقات الانتخابية التي عرفتها البلاد، مما جعلها تنشط بمعزل عن المؤسسات المنتخبة، على غرار البرلمان.
داخلياً، واجهت حركة" النهضة" انقسامات حادة في السنوات الماضية، إذ استقال العشرات من أعضائها احتجاجاً على سياسة الغنوشي وطريقة قياداته للحزب الذي تآكلت شعبيته بصورة كبيرة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ومع ذلك، يعتقد الباحث السياسي التونسي المنذر ثابت أن" حركة (النهضة) هي حزب له من التجربة ما يمكنه من إعادة التشكل والتهيكل في حال ما لم تمنع من النشاط بصورة رسمية وقانونية، وبناءً على ذلك قد يتم تشكيل قيادة جديدة بديلة عن القيادة السابقة، تتجاوز أزمة غياب الغنوشي".
وأردف ثابت أن" حجم القيادة السابقة والتاريخية، لا سيما في علاقاتها الخارجية، لا يمكن تعويضه بسهولة، لكن هذا لا يمنع أن الحركة لها علاقات خارجية، وما لم يحظر نشاطه رسمياً وقانونياً فإنه قادر على إعادة التنظيم وتشكيل قيادة بديلة".
وتصاعدت التساؤلات أخيراً بسبب الجدال حول قيادة" النهضة" في شأن فرضيات عقد الحركة للمؤتمر الـ11 الذي تأجل مراراً وسط خلافات حول ترشح الغنوشي لرئاستها من جديد.
وأبرز بوبكر الصغير أن" من بين الأسباب التي تجعل من الصعب جداً عقد المؤتمر، غياب القيادة الرئيسة لحركة النهضة والقيادات الوسطى والمؤسسات التي تسير الحزب.
وأعتقد أن الخلافات الداخلية ستطغى على (النهضة) وتحول دون عقدها المؤتمر وإعادة تنظيمها بصورة مؤسسية".
وأضاف، " في اعتقادي قد نرى انسحاب قيادات جراء محاولات توريث عائلة الغنوشي لسلطة قيادة حركة (النهضة)، لا سيما أن هناك استياءً صامتاً من قبل قيادات تاريخية ترى أنها وضعت على الهامش على رغم جهودها في تعزيز مكانة الحزب داخل تونس وخارجه".
وفي ظل ابتعاد الغنوشي، الذي يواجه أحكاماً بالحبس مدى الحياة وبعشرات السنوات الأخرى، يبقى من غير الواضح من سيتولى قيادة الحركة، لا سيما في ظل عدم الإعلان عن عقد مؤتمرها الـ11، الذي بات يلفه الغموض أكثر من أي وقت مضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك