يبدأ العرض المسرحي السوري من اللحظة التي يكون فيها المخرج المسرحي (لا نعرف له اسماً) مشغولاً بإجراء اتصالات عاجلة مع جهات إنتاجية.
نعرف من مكالماته الهاتفية السريعة أنه يعمل كمدرّب تمثيل (Acting coach) ومشرف تجارب أداء في المسلسلات الدرامية، فيما يزاول مهنة الإخراج المسرحي في أوقات فراغه التلفزيونية.
تحضر الممثلة (لا نعرف لها اسماً أيضاً) من بين كراسي المسرح الفارغ.
يتلامح طيفها له من بعيد، وبصعوبة يتعرف إليها في الصالة ذات الإضاءة الشاحبة.
إنها هي ذاتها الممثلة التي اختفت بعد أن تعرضت للاعتقال على يد قوات النظام البعثي، وها هي أخيراً تعود إلى المكان ذاته.
الخشبة أو مسرح الجريمة على حدٍ سواء.
لا يسلم العرض الذي مثل سوريا في مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي - الشارقة، مفاتيح حكايته بسهولة، بل يتدرج من لقاء عابر في مسرح رطب وشبه مهجور، إلى مواجهة تتصاعد فيها اعترافات الطرفين.
تدّعي الممثلة في البداية أنها جاءت لتعيد إليه بعض الكتب التي كانت قد استعارتها منه عندما كانت تحضّر لأداء دور في فيلم سينمائي، أما المخرج فيبدو غير مصدق أنها جاءت من أجل ذلك، وبعد السؤال المتكرر والمتردد عن الأحوال والعمل والصحة تسود لحظات صمت حذر بين كل سؤال وإجابة، تبدأ القصة لنا بالتكشف شيئاً فشيئاً.
نعرف أن الفتاة خرجت لتوها من المعتقل، وأن المخرج بصدد إنهاء تدريباته على مسرحية تضم توليفة درامية من شخصيات نسائية في نصوص ويليام شكسبير.
شارك المخرج بطريقة أو بأخرى بالوشاية برفيقته التي كانت تعمل كناشطة سياسية.
لا يعترف الرجل بفعلته بشكل مباشر، لكنه يبدو من اضطرابه أنه كان وراء الإطاحة بصديقته التي تعرّف إليها في أحد استوديوهات المعهد العالي للفنون المسرحية.
يومها كانت لا تزال الممثلة طالبة في الأكاديمية السورية والأحلام تملأ قلبها بمستقبل واعد رفقة حبيبها الذي يكبرها في العمر.
استعادة ماضي القصة التي سبق أن حدثت قبل بدء المسرحية، والمعروضة فيها بعد فوات الأوان سيقود الشخصيتين إلى ما يشبه تحليلاً مأساوياً للأحداث، فكل شيء كان هنا وقد نما وتطور منذ حين من الزمن، وكأن هذه التقنية أشبه بتحليل نفسي أو تفسير أحلام يتبعها مأمون الخطيب، فتحليل الأحداث التي أدت إلى وقوع المأساة يصبح الموضوع الوحيد في المسرحية.
انتسبت الفتاة إلى معهد التمثيل رغماً عن إرادة أسرتها المحافظة.
أقنعتهم بأنها تدرس الصيدلة في جامعة دمشق، لكن حين اكتشفوا كذبتها كانت صرخة" عيب وحرام".
ثم انخرطت الممثلة الشابة في العمل السياسي ضد النظام، وفي ليلة افتتاح عرض التخرج أتت دورية أمنية وحققت في شأن بعض الطلبة الذين يقومون بأنشطة سرية ضد السلطة.
تشي الحوارات المتبادلة بين الممثلة والمخرج أن هذا الأخير هو من سرّب قائمة بأسماء الطلبة الذين يناهضون السلطات، إذ كان لا بد من كبش فداء!ينكر المخرج هذه الاتهامات بطريقة يتداخل فيها حوار بطلي العرض مع مونولوغ من مسرحية" ماكبث".
عبارات المسرحية الشكسبيرية تُحيل بمهارة على مأساة الممثلة وعلاقتها مع المخرج الواشي.
تقنية لافتة تبوح عبرها المرأة بأنها كانت ترى المخرج مثل شخصيات شكسبير العظيمة، فهو نبيل وحقيقي مثل" الملك لير" ومجنون مثل" هاملت"، وحبيب مثل روميو، لكنها بعد أن دخلت مجاهل المعتقل أصبحت تراه مهزوماً مثل" ماكبث"، ومتلاعباً مثل" ريتشارد الثالث".
ووجهه يقطر سُمّاً مثل ياغو في مسرحية" عطيل".
ثنائية الكلام واللغة هنا أضفت حركة إيقاعية وأفضت إلى تجسيد صورة المخرج في هيئة السجّان، لكن هذا الأخير كان رحيماً عندما كانت الممثلة تقارنه بحبيبها الخائن، فالجلاد كان موظفاً يتقاضى مرتباً مقابل عمله، أما العاشق الواشي، فكان يؤذي لمجرد الأذى، بل كان كالحرباء موهوباً في تغيير لونه ومواقفه بحسب مصالحه وأهوائه.
التداخل بين اللغة والكلام يعقبه تداخلات مختلفة بين الإلقاء الإنشادي لمقاطع من مسرحيات شكسبير وبين مسرح الحكي الذي يستدعي أكثر من ذاكرة بين الشخصيتين، فالآلام التي تسبب بها بطل مسرحية" حوار" لا تمنعه من استحضار نزهاته مع الممثلة في حارات دمشق القديمة.
مادة فيلمية لأماكن دمشقية وسط مساحة شبه فارغة (سينوغرافيا نزار بلال وريم الشمالي) ترافق استعادة مشاوير العاشقين في دهليز المتاهة الشامية.
تبدأ من باب الشمس في محلة باب شرقي والطريق المستقيم الذي مشى عليه بولس الرسول، وصولاً إلى قلعة دمشق، وعبوراً بأسواق التوابل في البزورية ومدحت باشا.
مدينة تصلح للسائرين نياماً من مثقفين وفنانين ومشردين وصعاليك، لكنها في مسرحية" حوار" تستحيل إلى جرح عميق في الذاكرة، إذ تنقلب الآية، فينهار الحلم تحت وطأة الحرب وألعاب الخفة السياسية التي تعيد الممثلة ومخرجها إلى وحشة المسرح المهجور، فلقد تخلى الرجل عن فتاته مقابل صعوده في عالم المسلسلات والميديا وعبادة النجوم، وهذه اعتزلت الفن بعد أن استحال الواقع إلى مشهد طويل من التمثيل، فالجميع هنا أمسى ممثلاً على خشبة تلتبس فيها أدوار القتلة والحواة بأدوار الفرسان.
يحضر في العرض طيف شخصية باولينا في مسرحية" الموت والعذراء" لمؤلفها أرييل دورفمان (1942-).
نستدعي معها شخصية الدكتور ميراندا الذي كان يشرف على تعذيب الناشطة الثورية واغتصابها وهو يستمع إلى رباعية شوبرت الشهيرة، فإذا كانت هاتان الشخصيتان قد اجتمعتا عن طريق المصادفة بعد سقوط نظام الديكتاتور بينوشيه في تشيلي عام 1990، فإن شخصيتي المخرج والممثلة تواجها هذه المرة بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد (2024)، أما نوبات التعذيب والاغتصاب فلا تذكر عنهما الممثلة شيئاً إلا عبر استدعاء عذابات شخصية آن في مسرحية" ريتشارد الثالث".
تعويض درامي لافت أتى للهروب من المباشرة الفنية، فالمخرج أشبه هنا بشخصية ريتشارد الذي تلاعب بآن ومارغريت وإليزابيث كما تلاعب بعواطف الممثلة الشابة.
لعنات الشخصيات النسائية في هذه المسرحية تدفع الممثلة مجدداً للصراخ في وجه مخرجها مستعيرة مونولوغ شخصية آن: " اللعنة على اليد التي كتبت اسمي في سجل الموتى.
اللعنة على قلبي.
اسمعيني يا إنجلترا.
ماتت آن بلا دموع لأن دموعها نضبت على قاتليها.
أيتها الأرض لا تبتلعي هذا الدم، ليبقى عالقاً في ترابكِ كشاهدٍ على الجريمة، حتى يأتي اليوم الذي أصرخ فيه باسم الرب، لينزل بقاطعي الرؤوس ناراً أشد من نار جهنم".
ويأتي هذا التناص مع مونولوغات من نصوص عالمية مبرراً وسلساً ومتاحاً تبعاً لمرجعية الشخصيتين، لكنه في الوقت ذاته يحيل إلى خيبات أمل كبرى لا تقل عن خيبة الممثلة بمخرجها المتلون، إذ يقدم" حوار" ما يشبه محاكمة علنية لعالم التلفزيون ومسلسلاته، وكيف أسبغ هذا الفضاء قيمه الجديدة والمختلفة عن قيم من يعملون في المسرح.
تأتي شخصية المخرج المسرحي هنا الذي تنكر لشخصيات هنريك إبسن وتشيخوف وآرثر ميلر وتشيخوف كمثال حي عن انكسار أحلام كبرى، فلقد تاه المسرحيون أيضاً في ألاعيب مديري الإنتاج التلفزيوني وسطوة نجومه وتحالفاتهم.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)" المسرح لا يطعم خبزاً" عبارة تتكرر في بلاد يتفوق فيها مدير إنتاج أُمي على هيبة الملك لير وحزن أنتيغون وندم إلكترا.
هكذا يصبح لستارة المسرح لون الدماء، وهكذا يهزم الممثل التراجيدي مرتين، مرة بين غياهب المعتقل ومرات أمام هجرة صالات العرض وإقفارها إلا من عروض باهتة ومبتذلة.
ومع أن كل ما كان يدور في مخيلة الممثلة هو" سرابٌ ملون براق وقاتل" كما تقول شخصية زرقاء اليمامة في مسرحية" ملحمة السراب" لسعد الله ونوس، إلا أن المخرج يدفع كل التهم عن نفسه دفعة واحدة، ويفضل عدم المقارنة بين الخسارات الشخصية، فهو الآخر دفع أثماناً باهظة، فهرب واختفى في بيته بعد مداهمة الأمن لكواليس المسرح الذي كان يعمل فيه، وفضّل ألا يصير كبش فداء لأحد، وهنا يذكّر الممثلة برفضها لفكرة الزواج منه، وأن الزواج كان بالنسبة لها مقبرة الحب.
مشاهد يتنقل عبرها البطلان إلى ذاكرة الأيام السعيدة مع موسيقى حيادية (رامي الضللي) وبمساندة إضاءة متعددة المنابع (رضوان النوري) لا تلبث أن توحي بالأماكن المتخيلة.
تحضر هنا ضحكتها العالية ولباسها المتحرر في مدينة محافظة والغرماء الذين كانوا ينافسون المخرج على قلب ممثلته الشابة، والتي كانت تردد دائماً على مسامعه: " هذه البلاد ما خرج تجيب فيها كلب لحتى تجيب فيها ولد".
عبارة تعرف الممثلة من خلالها أنها كانت أمام خيار خاطئ عندما قررت زيارة المخرج في المسرح، فتغادر المكان بعد أن يعيد لها الكتب التي استعارتها منه، ويخبرها أنه لن يعود للعمل في المسرح بعد اليوم.
، لكنه يعود ويردد مقطعاً من مونولوغ" الخال فانيا" لتشيخوف: " سيأتي زمن ويقرؤون نصوصنا كما تُقرأ نبوءات السحرة.
وسيسخرون من بساطتنا ومن إيماننا بأن الكلمات تحرق السجون.
سيأتي زمن ويعرف الجميع لأي غرض كان هذا كله.
لن تكون هناك أسرار.
أما الآن فينبغي أن نعمل، ينبغي أن نعيش.
حياتنا لم تنتهِ بعد.
سوف نعيش وسنعرف لماذا نعيش لماذا نتعذب.
لو ندري.
آه لو أننا ندري".
ختام تتراءى معه على شاشة في عمق المسرح صوراً لمخرجين وكتّاب مسرحيين سوريين من مثل أبي خليل القباني وسعد الله ونوس وفواز الساجر وسواهم، فيما يعود الهاتف الجوال للمخرج بالرنين بلا توقف، فيرد الرجل مجدداً على مكالمات مدير إنتاج تلفزيوني يخبره بأن الكاستينغ للمسلسل أصبح جاهزاً، وأنه سيكون من بطولة (BLOGGER) شهير نزولاً عند رغبات الجهة المنتجة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك