وكالة الأناضول - الناتو يسقط طائرة مسيرة اخترقت أجواء لاتفيا روسيا اليوم - مصر.. فتح الحسابات المصرفية عن بعد لأول مرة في تاريخ البلاد العربي الجديد - مهاجم النصر الحمدان يقدّم أوراق اعتماده لمدرب السعودية الجزيرة نت - الغاز الأوروبي يقفز 5% مع تجدد المواجهة بين إسرائيل وإيران العربي الجديد - المباريات الودية بروفة تُشعل كأس العالم 2026 قناة الغد - أكسيوس: نتنياهو رفض طلب ترمب بعدم الرد على إيران قناة الجزيرة مباشر - يسرائيل هيوم: إسرائيل وواشنطن ترهنان وقف الهجمات بعدم إطلاق إيران للنار مجددا روسيا اليوم - رغم القيم العائلية.. دراسة ترصد ارتفاع معدلات الخيانة في إيطاليا فرانس 24 - كأس العالم 2026 في نيويورك: استعدادات مكثفة وقلق من غلاء الأسعار الجزيرة نت - العودة إلى الركام.. حين يهزم عبير الأرض هندسة الإبادة
عامة

حياة صاحب "الفصول الأربعة" العاطفية عبر السينما

Independent عربية
Independent عربية منذ 1 ساعة

حتى إن لم يكن المستمع إلى الموسيقى في أيامنا هذه، مطلعاً على تاريخ الموسيقى الكلاسيكية وأعمال مبدعيها الكبرى، لا شك أنه إن قيض له أن يصغي ولو بفعل الصدفة إلى واحد من كونشرتوات ابن مدينة البندقية الإيط...

حتى إن لم يكن المستمع إلى الموسيقى في أيامنا هذه، مطلعاً على تاريخ الموسيقى الكلاسيكية وأعمال مبدعيها الكبرى، لا شك أنه إن قيض له أن يصغي ولو بفعل الصدفة إلى واحد من كونشرتوات ابن مدينة البندقية الإيطالية أنطونيو فيفالدي (1675-1741)، سيخيل إليه أنه في إزاء موسيقى كتبت في زمننا الراهن لتوها، ناهيك بأنه سرعان ما يخمن أنه أمام موسيقى تكاد في أجمل لحظاتها، تحاكي موجات البحر المتدفق في حركة انسيابية تكاد تكون تعبيرية المنحى قبل ولادة التعبيرية بزمن طويل.

ونكاد نحن نبدو هنا على أية حال وكأننا نصف كونشرتو محدداً من أعمال فيفالدي هو بالتحديد" الفصول الأربعة" الذي يكاد يكون أشهر كونشرتو أبدعه فنان على مر العصور، ومع ذلك فهذه الأيام بالذات يبلغ هذا المنتج الفني الكبير نهاية المئوية الثالثة من عمره هو الذي عزف بأكمله للمرة الأولى في بدايات العام 1726 بعد أن أنفق مبدعه العام الأسبق كله وهو يشتغل عليه.

وهنا قد لا يكون هناك مفر من أن نشير، للمفارقة الخالصة، إلى أن هذا العمل المليء بحب الطبيعة والحياة والزهو بالجمال والعاطفة، إنما كتب داخل مأوى للفتيات البائسات وعزف للمرة الأولى من قبل فرقة مؤلفة من العديد من هؤلاء الفتيات بالذات في قاعة في دير كئيب يتبعه المأوى، وفي وقت كان فيه مؤلفه الخمسيني يتضور جوعاً ويعيش آلاماً مبرحة، وتخلو حياته من أي زخرف أو جمال.

وهو أمر يشكل في حد ذاته أعجوبة وجودية وفنية ارتبطت على الدوام باسم أنطونيو فيفالدي، الذي كان معروفاً باسم الراهب الأصهب، لأنه كان مترهباً بالفعل، وأصهب الشعر في آن واحد، كل هذا كان معروفاً منذ زمن بعيد ويكاد يكون من الأبعاد الجاذبية إلى ذلك الكونشرتو الذي بنيت عليه شهرة الموسيقي الأساسية.

غير أن فيلماً إيطالياً حقق في العام الماضي وعرض هذا العام، تماشياً مع ذكرى كتابة الكونشرتو من ناحية، ثم ذكرى عزفه للمرة الأولى من ناحية ثانية، يأتي اليوم ليحاول أن ينسف الصورة الرائجة عن ظروف كتابته وعزفه، ولو بطريقة مواربة، ولو حتى لغاية لا علاقة لها بأنطونيو فيفالدي مباشرة حتى وإن كان هو الشخصية المحورية في الفيلم.

ومنذ العنوان كما جاء في الفرنسية" فيفالدي وأنا" (بينما نعرف أن عنوانه الإيطالي الأصلي هو" بريمافيرا" أي" الربيع" على اسم المقطوعة في الكونشرتو التي تحمل هذا الاسم إلى جانب المقطوعات الثلاث الأخرى بالطبع: " الخريف" و" الشتاء" و" الصيف" )، المهم أن الترجمة الفرنسية للعنوان تبدو أكثر ملاءمة لعدة أسباب، أولها أن الفيلم يقدم فرضيته الجديدة حول ظروف كتابة العمل الموسيقي ليس من خلال سيرة فيفالدي، بل من خلال تصورات تلميذة له عن حكاية غرام يقوم بينه وبينها، وتحديداً خلال الفترة التي كان يشحن فيها المقطوعة الخاصة بالربيع، وتلك الفتاة، هي بالتالي" الأنا" في العنوان الفرنسي، من دون أن يبدو الراهب الأصهب مسؤولاً عن حكايتها.

ثانياً هو أن الفيلم يستخدم تلك الحكاية بالذات، لتصفية حساب اجتماعي وربما سياسي مع ممارسات كنسية تعود إلى ذلك الزمن المبكر لكنها، بالتأكيد تطل على الزمن الراهن.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وثالثها أن الفيلم يعيد النظر حقاً بالحكاية الجافة والتقنية التي تم القبول بها بصدد" الفصول الأربعة" ليفترض أنه من المستحيل على عمل يتسم بكل ذلك الجمال والحيوية ألا يكون، ولو في خيال ما، ابن قصة حب، ومن هنا حتى وإن كان هذا الفيلم الذي حققه الإيطالي داميانو ميتشيليتو المعروف كمخرج للاحتفالات الأوبرالية الكبرى وخبير في موسيقى القرن الـ18، يحتفي بمئوية الكونشرتو على هذه الطريقة السينمائية البديعة في نهاية المطاف، فإنه ينتفض في الوقت نفسه ليندد بالسلطات الكنسية التي وقفت في معظم الأحيان ضد الفن ولو بتحقيره.

وفي هذه الحكاية في هذا الفيلم بالذات التي تفضح الاستغلال المالي والاجتماعي وحتى الجنسي لبؤسهن، وهو ما يبدو واضحاً في هذا الفيلم الذي يكاد أهم ما فيه على أية حال، أن يكون ذلك الوقوف عند المقاومة الفنية التي تندلع في وجه ذلك التعسف السلطوي ضد الفن وضد الحب والجمال.

الحقيقة أننا حتى وإن كنا نرى أن الفيلم يعيد إلى الواجهة حكاية، مفترضة ليس ثمة إجماع تاريخي على صحتها، أي أنه ليس هو مخترعها بل إنه ينقلها كما يفترض بالفتاة صاحبة العلاقة أن تكون قد روتها في مذكراتها، لكنها تمثل بالنسبة إليه مناسبة لاستعادة تلك السنوات الأكثر خصوبة في حياة وعمل.

فيفالدي، وهنا تكمن أهميته بأكثر مما تكمن في الحكاية التي يقدمها، ففي تلك السنوات الواقعة تحديداً بين 1718 و1723 تقريباً حين التحقق فيفالدي بالدير البائس ومأواه كمدرس موسيقى للفتيات، يكتشف هناك ممارسات يهتم الفيلم بها كثيراً تقوم على مد حفلات سراة القوم بفتيات عازفات يمكن للأثرياء إذا شاؤوا أن يرتبطوا بهن بعلاقات سهلة، بغية الحصول على تمويل نشاطات الدير ومدرسته الموسيقية.

هي أمور يرصدها فيفالدي لكنه وتحت تأثير إحساسه بهيام الصبية سيسيليا ذات الـ20 سنة به، لا يأبه كثيراً لما يدور من حوله، بل إنه يكتفي بأن يقاوم ما يحدث كما يقاوم لامبالاته بما يحدث، بسلسلة أعمال رائعة ينتجها في ظل تلك الوضعية، ومن بينها" الفصول الأربعة"، وعلى هذا النحو، أي من خلال اشتغال فيفالدي داخل الدير، وفي هذا الاشتغال بالطبع جواب افتراضي على السؤال الذي طرحناه أول هذا الكلام.

ومن هنا سواء صدقنا حكاية الفيلم أم لم نصدقها، يمكننا أن نرى من خلالها أن دور الحياة العاطفية لدى فيفالدي لم يكن بإمكانه أن يكون دوراً خارجياً أو عرضياً، بل دور جوهري، فمن خلال هذا العمل الاستثنائي عبر الفنان عن رؤيته للتداول في حركة الفصول المتواصلة بين الفرح والحزن، بين الأمل والخوف والدفء والوحدة، فجعل من الطبيعة مرآة للمشاعر الإنسانية وحول تجربته الفنية، التي" من المستحيل" ألا تكون مرتبطة بتجربته الحياتية، إلى تأملات عميقة في الحياة نفسها.

وربما لهذا السبب لا تزال هذه الموسيقى بعد ثلاثة قرون قادرة على ملامسة وجدان المستمعين في مختلف أنحاء العالم، وربما لهذا السبب أيضاً لا يمكن لفنان مبدع من القرن الـ20 أن يمر بهكذا موسيقى مرور الكرام من دون أن يجرؤ على الافتراض بأنه في الحقيقة أمام حكاية غرام حقيقية عاشها فنان في أصعب لحظات حياته وأخصبها إبداعاً في الوقت نفسه، وتمكن من أن يعبر عنها من خلال تعاطيه الفني مع حركة الفصول وتقلبات الطبيعة وما يبثه الفن في وجدانه العميق حتى ولو بدا لنا في لحظات كثيرة أنه أكثر جبناً من أن يعرف كيف يتجاوب مع نداء الطبيعة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك