كشف مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي (CSIS) أن الجزائر تمضي بخطوات متسارعة نحو تعزيز موقعها كقوة إقليمية صاعدة، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي وثرواتها الطبيعية وإصلاحاتها الاقتصادية التي تستهدف جذب الاستثمارات الأجنبية وتنويع مصادر النمو بعيدا عن الاعتماد التقليدي على المحروقات.
وجاءت هذه الاستنتاجات ضمن دراسة أعدتها الباحثة رومينا باندورا عقب زيارة ميدانية إلى الجزائر خلال شهر ماي 2026، التقت خلالها مسؤولين حكوميين وممثلين عن القطاع الخاص وخبراء من مراكز بحثية، حيث رصدت التحولات الاقتصادية التي تشهدها البلاد والرهانات التي تسعى إلى تحقيقها خلال السنوات المقبلة.
إصلاحات اقتصادية تجذب المستثمرينبحسب الدراسة، تعمل الجزائر على إعادة تشكيل بيئتها الاستثمارية عبر سلسلة من الإجراءات التي تستهدف إزالة العراقيل الإدارية وتوفير مناخ أكثر تنافسية للمستثمرين المحليين والأجانب.
وأبرز التقرير الدور المحوري الذي تؤديه الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، التي تأسست سنة 2022، في تنفيذ استراتيجية الدولة الرامية إلى استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية وتشجيع المشاريع المنتجة.
وأشار المركز الأمريكي إلى أن السلطات الجزائرية اعتمدت خلال الفترة الأخيرة إصلاحات اعتبرها المستثمرون أساسية، من بينها تخفيف بعض القيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي في قطاعات محددة، وإطلاق منصات رقمية لتبسيط الإجراءات الإدارية، فضلا عن حوافز ضريبية تهدف إلى تشجيع الشركات الدولية على دخول السوق الجزائرية.
ورغم استمرار قطاع النفط والغاز في لعب دور رئيسي داخل الاقتصاد الوطني، إلا أن الدراسة أكدت أن الجزائر باتت تراهن بشكل متزايد على قطاعات أخرى قادرة على خلق الثروة وفرص العمل، على غرار الطاقة الشمسية والصناعة الصيدلانية والزراعة والتعدين، وهي مجالات مرشحة لاستقطاب استثمارات كبيرة خلال المرحلة المقبلة.
كما اعتبرت الباحثة أن الموقع الجغرافي للجزائر يمنحها أفضلية تنافسية مهمة، إذ تشكل بوابة طبيعية بين الأسواق الأوروبية والإفريقية، ما يعزز من فرص تحولها إلى منصة إقليمية للتجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية.
شراكة أمريكية تتوسع تدريجيافي جانب العلاقات الثنائية، أوضحت الدراسة أن التعاون بين الجزائر والولايات المتحدة لم يعد يقتصر على الملفات الأمنية ومكافحة الإرهاب، بل امتد ليشمل مجالات اقتصادية وتجارية واستثمارية متنامية.
وأكد التقرير أن أكثر من 100 شركة أمريكية تنشط حاليا في الجزائر، خاصة في قطاع الطاقة، حيث ترتبط العديد منها بشراكات مع مجمع سوناطراك في مجالات الحفر والاستكشاف والخدمات النفطية والتصوير الزلزالي.
وترى الدراسة أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين مرشحة لمزيد من التوسع خلال السنوات القادمة، خاصة مع اهتمام الشركات الأمريكية بالفرص المتاحة في قطاعات الطاقة التقليدية والمتجددة والبنية التحتية والتكنولوجيا.
وفي السياق ذاته، سلطت الباحثة الضوء على التحولات التي يشهدها المجتمع الجزائري، مشيرة إلى بروز جيل جديد أكثر انفتاحا على الاقتصاد العالمي وأكثر إقبالا على تعلم اللغة الإنجليزية، وهو ما اعتبرته عاملا داعما لاندماج الجزائر في سلاسل الإنتاج والاستثمار الدولية.
كما أشادت الدراسة بإدراج اللغة الإنجليزية في التعليم الابتدائي واعتمادها بشكل متزايد داخل مؤسسات التعليم العالي، معتبرة أن هذه الخطوات ستساهم في رفع تنافسية الكفاءات الجزائرية وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية الباحثة عن موارد بشرية مؤهلة.
وفيما يتعلق بالقطاعات غير المستغلة بالشكل الكافي، أكدت الدراسة أن السياحة تمثل أحد أكبر الفرص الاقتصادية المتاحة للجزائر، بالنظر إلى ما تزخر به من مواقع أثرية عالمية وشواطئ طبيعية ومقومات صحراوية وثقافية متنوعة يمكن أن تجعلها وجهة سياحية بارزة في المنطقة.
وخلص مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الجزائر تمتلك اليوم عناصر القوة التي تؤهلها للعب دور اقتصادي وإقليمي أكبر، مشيرا إلى أن مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتحسين مناخ الأعمال وتعزيز الانفتاح على الاستثمارات الدولية ستكون عوامل مهمة في تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة خلال السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك