يستيقظ العالم يومياً على حقيقة مرعبة تشير إلى أن شخصاً واحداً من بين كل 9 أشخاص حول الأرض يسقط ضحية لمرض منقول بالغذاء، حيث تتسبب الأغذية غير الآمنة في إصابة نحو 866 مليون إنسان سنوياً.
وتكشف البيانات الإحصائية الرسمية الحديثة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أن هذه المسببات الصامتة تودي بحياة 1.
5 مليون شخص سنوياً، والمأساة الأكبر تكمن في أن الأطفال دون سن الخامسة يتحملون وحدهم نحو ثلث العبء المباشر لهذه الأمراض بنسبة تقترب من 29%، رغم أنهم يمثلون 9% فقط من سكان العالم، مما ينقل ملف سلامة الغذاء من مجرد إرشادات صحية إلى ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي لحماية المجتمعات البشرية من الفناء.
هذه الصدمة الرقمية غير المسبوقة هي ما دفعت المنظمات الصحية الدولية إلى استنفار جهودها استعداداً لليوم العالمي لسلامة الأغذية الذي وافق يوم أمس السابع من يونيو الجاري.
ورفعت وكالات الأمم المتحدة، بقيادة منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة (فاو)، الشعار الرسمي المحدث" من العبء إلى الحلول - غذاء آمن في كل مكان"، في خطوة تهدف إلى حشد الإرادة السياسية الدولية لرفع مستويات الاستجابة للأوبئة العابرة للحدود عبر سلاسل الإمداد المعقدة، وتحويل المناسبة الدولية إلى منصة مكاشفة لمحاسبة الأنظمة الرقابية المترهلة وجرد ما تحقق من وعود سابقة.
تُعرف سلامة الغذاء علمياً بأنها غياب المخاطر الحيوية أو الكيميائية أو الفيزيائية في الأغذية، أو خفضها إلى مستويات مقبولة تضمن عدم إلحاق الضرر بصحة المستهلك عند إعداد الطعام أو تناوله.
ولا تقتصر هذه المنظومة على مرحلة الطهي أو التعبئة النهائية، بل تمتد لتشمل سلسلة متكاملة تُعرف بـ" من المزرعة إلى المائدة"، وتبدأ من جودة التربة والمياه المستخدمة في الري، مروراً بظروف الحصاد، والتخزين، والنقل، والتصنيع، وصولاً إلى منافذ البيع النهائية.
ويكمن التعقيد الأساسي في جعل الغذاء آمناً في تعدد الحلقات وتداخلها داخل سلسلة الإمداد الواحدة؛ فخطأ واحد في درجة حرارة شاحنة تبريد تنقل اللحوم عبر القارات، أو استخدام مياه ملوثة لري المحاصيل في مزرعة نائية، كفيل بنقل السالمونيلا أو الإشريكية القولونية إلى آلاف المستهلكين في دول أخرى، مما يجعل السيطرة اليدوية أو التقليدية على هذه المراحل أمراً شبه مستحيل.
يصطدم تطبيق المعايير الصارمة لسلامة الأغذية بعقبة رئيسية تتمثل في التكلفة الاقتصادية الباهظة، والتي تنقسم إلى شقين؛ الأول هو الاستثمارات الرأسمالية الضخمة، حيث تتطلب إقامة منظومة غذائية آمنة بنية تحتية متطورة تشمل مختبرات فحص متقدمة قادرة على رصد متبقيات المبيدات والمعادن الثقيلة، وشبكات نقل مبردة ومستمرة (سلاسل التبريد)، ومصانع مجهزة بأنظمة تهوية وفلترة تمنع التلوث الخلطي.
هذه التجهيزات تفرض أعباء مالية هائلة تفوق القدرات التمويلية لصغار المزارعين والشركات المتوسطة في الدول النامية.
أما الشق الثاني فيتمثل في تكاليف التشغيل والشهادات الدولية؛ إن تبني أنظمة إدارة سلامة الغذاء العالمية مثل" تحليل المخاطر ونقاط التحكم الحرجة" (HACCP) أو شهادات (ISO 22000) يستلزم إنفاقاً مستمراً على تدريب العمالة، وإجراء الفحوصات الدورية، وتعيين استشاريين دوليين، مما يرفع من تكلفة الإنتاج النهائية ويقلل من القدرة التنافسية السعرية للمنتجين في الأسواق المحلية والفقيرة.
وتتحرك هذه التعبئة الدولية مدفوعة بالبيانات العلمية الجديدة التي حللت 42 خطراً غذائياً كبيراً في 194 دولة، حيث كشفت المراجعات لأول مرة عن دور الملوثات الكيميائية والمعادن الثقيلة؛ إذ تسببت المخاطر الكيميائية والتعرض للزرنيخ غير العضوي والرصاص في تسجيل 73% من إجمالي الوفيات الناتجة عن الأغذية الملوثة بسبب ارتباطها بأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطانات والإعاقات الذهنية لدى الأطفال.
وتسببت هذه الأمراض في خسارة 57.
1 مليون سنة من سنوات العمر المصححة باحتساب العجز (وهي السنوات الضائعة من عمر البشر بسبب الوفاة المبكرة أو العيش تحت وطأة المرض)، وهو ما كلف الاقتصاد العالمي نحو 310 مليارات دولار كخسائر في الإنتاجية والإنفاق العلاجي البديل.
ويتزامن هذا النزيف الاقتصادي مع تباطؤ تشريعي حاد وتراخٍ تنظيمي في العديد من الأسواق العالمية، مما أدى إلى استمرار تدفق منتجات ملوثة تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان الصحي، خاصة مع تفاقم المخاطر بسبب التغير المناخي الذي يخلق بيئة مثالية لتكاثر البكتيريا، ونشوء بكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية جراء الإفراط في استخدامها داخل مزارع الثروة الحيوانية، مما يفرز" بكتيريا خارقة" تُعطل كفاءة الأدوية عند إصابة البشر بالتسمم.
وفي قلب هذا العجز الدولي عن إنفاذ مخرجات الأعوام الماضية، قدمت المملكة العربية السعودية نموذجاً رقابياً استباقياً متطوراً حاز على إشادات المنظمات الدولية؛ إذ نجحت الهيئة العامة للغذاء والدواء في إرساء منظومة حماية متكاملة تعتمد على الرقابة الرقمية والاستباقية عبر المنافذ الجمركية البرية والبحرية والجوية، مدعومة بتفعيل أنظمة التتبع الإلكتروني الذكي لسلاسل الإمداد.
هذه التقنية تتيح للمفتشين حصر وسحب أي منتج مشكوك في سلامته من كافة منافذ البيع على امتداد مناطق المملكة خلال دقائق معدودة، وضمان إتلافه قبل أن يصل إلى مائدة المستهلك.
ولم تتوقف التدابير السعودية عند حدود فحص الشحنات الجاهزة، بل نفذت الهيئة استراتيجيات وطنية صارمة لتقليص متبقيات المضادات الحيوية في الإنتاج الحيواني والنباتي المحلي، لقطع الطريق أمام نشوء بكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية التي تصنف كأحد أخطر المهددات الصحية المستجدة عالمياً والتي تُعقد من علاج التسمم الغذائي.
وتتكامل هذه الجهود مع إلزام كافة المنشآت المصنعة والمستوردة بوضع بطاقات الحقائق التغذوية الشاملة، والمنع القاطع لاستخدام الدهون المتحولة الاصطناعية، مما ساهم في خفض مستويات الأوبئة المنقولة بالغذاء والوقاية من الأمراض المزمنة، تماشياً مع مستهدفات رؤية 2030 الرامية إلى تعزيز الأمن الصحي الشامل ورفع جودة حياة المجتمع السعودي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك