قال الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم سياسية، إن حسابات انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، والأزمات الاقتصادية، قد تدفع الولايات المتحدة لتفادي الانزلاق إلى مواجهة أوسع مع إيران، مشيراً إلى أن خطاب «ترامب» بعد هجوم «طهران» على إسرائيل، محاولة لتوزيع المسؤولية وتخفيف الانطباع بالانخراط المباشر في الضربات.
وأضاف «بدر الدين» في حوار لـ«الوطن»، أن الصراع الحالي لن يحسم عسكرياً، وقد تتضاعف التكلفة الاقتصادية والأمنية.
■ كيف تقرأ تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن عدم التنسيق مع إسرائيل في غارة بيروت.
وهل تعكس موقفاً حقيقياً أم محاولة سياسية لإعادة التموضع؟تصريحات ترامب تأتي في سياق شديد التعقيد، لأن ما يجري في الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب اللبناني لا يمكن عزله عن مسار تصعيد ممتد، لأن إسرائيل وسعت عملياتها خلال الفترة الأخيرة بشكل لافت، ووصلت ضرباتها إلى مناطق متعددة في جنوب لبنان، وامتد التأثير إلى ما يقارب نصف مساحة البلاد من حيث التهديد العسكري أو الاستهداف غير المباشر، وفي المقابل، كانت إيران خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة عبر وسطاء قد طرحت بشكل واضح أن أي تفاهم سياسي مرتبط بعدم الاعتداء على لبنان، باعتبار أن لبنان جزء أساسي من معادلة الإقليم، لكن إسرائيل لم تُبدِ التزاماً بهذه الرسائل، واستمرت في العمليات، ما دفع إيران إلى التلويح أكثر من مرة بأنها لن تتسامح مع استمرار العدوان، وعندما يخرج «ترامب» بتصريحات تؤكد عدم التنسيق، فهو يحاول أن يُظهر أن الولايات المتحدة ليست شريكاً مباشراً في هذا التصعيد، بهدف تقليل احتمالات تحميلها مسؤولية ردود الفعل الإيرانية أو أي استهداف محتمل لمصالحها في المنطقة.
■ هل يمكن أن يكون الهدف من الموقف الأمريكي تجنب ردود فعل إيرانية ضد القواعد الأمريكية أو مصالحها في المنطقة؟الولايات المتحدة تدرك أن أي تصعيد واسع قد ينعكس على مصالحها في الشرق الأوسط، سواء عبر تهديد مضيق هرمز أو استهداف سفن أو منشآت أو قواعد عسكرية، وهذا لا ينعكس فقط على الأمن، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي، خصوصاً أسعار النفط وسلاسل الإمداد، ما يؤثر بدوره على الداخل الأمريكي، وهناك عامل سياسي مهم جداً، وهو اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، والإدارة الأمريكية حريصة على ألا تُحمّل كلفة سياسية أو اقتصادية لأي تصعيد قد يخرج عن السيطرة، لذلك هذا النوع من الخطاب يوزع المسؤولية ويخفف الانطباع بالانخراط المباشر في الهجمات.
■ هل يعكس قول «ترامب»: «أنا صاحب القرار في ملف التفاوض مع إيران» نزعة فردية أم إعادة تأكيد نفوذ في المنطقة؟هذه العبارة لا تُفهم بمعناها المباشر، لأن «ترامب» غالباً يستخدم لغة حادة أو مباشرة، لكنها في الواقع تشير إلى الولايات المتحدة كدولة وليست كفرد، فهو يريد التأكيد أن واشنطن ما زالت الطرف الأكثر تأثيراً في إدارة هذا الملف، وقادرة على ضبط إيقاع التصعيد.
وهناك إشارات إلى وجود ضغوط داخلية وخارجية، بما في ذلك التباين مع إسرائيل، وربما رسائل غير مباشرة تتعلق بضرورة عدم الانجرار إلى تصعيد غير محسوب، مع اقتراب استحقاقات سياسية داخل الولايات المتحدة وإسرائيل.
■ كيف تؤثر حسابات الانتخابات في أمريكا وإسرائيل على إدارة هذا الصراع؟المعادلة معقدة جداً في الولايات المتحدة، لأن مصلحة الإدارة الحالية تميل إلى تهدئة الأوضاع قبل الانتخابات، لتجنب أي تداعيات اقتصادية أو أمنية، أما في إسرائيل، فالحكومة تواجه حسابات داخلية، وترى بعض القوى أن استمرار الضغط العسكري يحقق مكاسب سياسية، بينما يرى آخرون أن التصعيد يضر بصورة الدولة ويؤثر على الاستقرار الداخلي، مع تزايد تأثير الضربات الإيرانية على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، واستمرار الضربات المتبادلة، يصبح الرأى العام عاملاً حاسماً، سواء في إسرائيل أو الولايات المتحدة، ما يدفع نحو البحث عن مخرج سياسي لا عسكري.
■ هل يمكن الوصول إلى تسوية تضمن مكاسب متوازنة لكل الأطراف؟أي حل واقعي يجب أن يقوم على فكرة أن لا طرف سيخرج منتصراً بالكامل ولا مهزوماً بالكامل، بمعنى أن كل طرف يحصل على جزء من مطالبه دون أن يحقق مكاسب مطلقة، وهذه هي المعادلة الوحيدة القابلة للاستمرار بمعنى: «لا إيران تحصل على كل شيء، ولا إسرائيل، ولا الولايات المتحدة، بل تسوية تحفظ الحد الأدنى من مصالح الجميع وتمنع الانفجار الكامل».
■ هل نحن أمام تحول في طبيعة التحالف «الأمريكي - الإسرائيلي»، أم مجرد اختلاف في إدارة المرحلة؟نحن أقرب إلى اختلاف في إدارة المرحلة وليس تحولاً استراتيجياً في التحالف، لأن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب ما زالت قوية واستراتيجية، لكن طريقة إدارة الأزمات الحالية تكشف وجود تباينات في التكتيك، خصوصاً بين من يفضل التصعيد ومن يفضل التهدئة، وهذا التباين يخلق هذا النوع من التصريحات المتبادلة التي تبدو أحياناً متناقضة، لكنها تدور داخل إطار تحالف قائم.
موقف «ترامب» الأخير بالجمع بين انتقاد إسرائيل، والضغط على إيران للعودة إلى المفاوضات يعكس سياسة أمريكية تقليدية في أوقات الأزمات، وهي محاولة الضغط على جميع الأطراف، لأن «ترامب» في خطابه الأخير قال فعلياً لإيران «لقد أطلقتم صواريخكم، والآن عودوا إلى المفاوضات»، وفي الوقت نفسه كان يوجه رسائل ضمنية لإسرائيل بضرورة ضبط الردود وعدم التصعيد المفرط، لذا يحاول فرض مسار دبلوماسي بالقوة السياسية، لأن استمرار المواجهة لأشهر إضافية لن يحسم عسكرياً، بل سيزيد الكلفة الاقتصادية والأمنية، فإيران تكرر موقفها بأنها لن تفاوض تحت ضغط النار، وإسرائيل تميل إلى توسيع العمليات، وهذا التباين يجعل واشنطن تحاول لعب دور «ضابط الإيقاع» بين الطرفين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك