في الحسابات التقليدية، كان يُفترض بكوريا الشمالية أن تظل نموذجًا للإنهاك: دولة محاصرة بسلاسل متراكمة من العقوبات، خرجت من عزلة وبائية خانقة، ويحكمها نظام جعل الانغلاق جزءًا من بنيته السياسية والاقتصادية.
غير أن الصورة التي ترسمها تقارير أمريكية في صحيفتي" نيويورك تايمز" و" وول ستريت جورنال" تبدو أكثر التباسا: بلد بدا قبل سنوات قريبا من الاختناق، يعيش اليوم واحدة من أكثر لحظاته ثقة منذ صعود كيم جونغ أون إلى السلطة.
لا يعني ذلك أن كوريا الشمالية تحولت إلى اقتصاد مزدهر بالمعنى المألوف.
فالفقر لا يزال قائما، وسوء التغذية يطارد قطاعات واسعة من السكان، والقمع لم يخفّ بل ازداد صرامة.
لكن ما حدث، من زاوية النظام، أقرب إلى قصة نجاح في الظل: سلطة استطاعت أن تحول الأزمات التي أربكت العالم إلى أدوات لتعزيز قبضتها، وتخفيف عزلتها، وإعادة تنشيط اقتصادها وفق شروطها الخاصة.
list 1 of 3ماذا لو تبخر احتياطي النفط الإستراتيجي العالمي؟list 2 of 3انقلاب رئيس غانا.
من حماية الحريات إلى تبرير تقييدهاlist 3 of 3الاتحاد الأوروبي يعزز حماية السفن بالبحر الأحمر عقب تهديد الحوثيينفمن جائحة كوفيد إلى حرب أوكرانيا، ومن تراجع فاعلية العقوبات إلى عودة موسكو وبكين لاحتضان بيونغ يانغ، وجد كيم في اضطراب العالم ما لم تمنحه له سنوات التفاوض مع واشنطن: مالًا، وسوقًا لسلاحه، ونفوذًا سياسيًا، وهامشًا أوسع للمناورة.
وبحسب تقديرات البنك المركزي الكوري الجنوبي – التي نقلتها الصحيفتان الأمريكيتان – نما اقتصاد كوريا الشمالية بنسبة 3.
7% عام 2024، وهي أسرع وتيرة في 8 سنوات.
وتنقل" وول ستريت جورنال" عن تقديرات معهد مرتبط بالاستخبارات الكورية الجنوبية أن إمدادات مرتبطة بالحرب في أوكرانيا جلبت لبيونغ يانغ أكثر من 10 مليارات دولار منذ صيف عام 2023 حتى نهاية العام الماضي.
كما وفر نشر قوات كورية شمالية إلى جانب روسيا أكثر من نصف مليار دولار، فضلًا عن عوائد محتملة في صورة تكنولوجيا عسكرية ومواد حساسة.
وعلى الأرض، تتراكم مؤشرات لا يصعب التقاطها: التجارة الشهرية بين كوريا الشمالية والصين بلغت أعلى مستوى لها منذ 8 سنوات، ونشاط منشآت النفط توسع، ومواقف السيارات ازدحمت، وكوريا الشمالية باتت، وفق تقارير بحثية نقلتها" وول ستريت جورنال" أكثر إضاءة ليلا بنحو 3 مرات مما كانت عليه قبل 5 سنوات.
وفي بيونغ يانغ يتحدث زوار عن وجود تطبيقات سيارات أجرة، ودفع بالهاتف، وسيارات كهربائية صينية، ومطاعم جديدة، ومتاجر، وهواتف ذكية، ومشاريع بناء واسعة.
من حيث المبدأ، كان يفترض بالعقوبات الدولية على كوريا الشمالية أن تخنق قدرة بيونغ يانغ على الحركة.
فمنذ عام 2017، ومع تقدم برنامجها النووي، شُددت العقوبات الأممية على التجارة والتمويل والمواد التي يمكن أن تغذي ترسانتها العسكرية.
ثم جاءت جائحة كورونا في العام 2020 لتغلق الحدود، وتضرب التجارة مع الصين، وتفاقم نقص الغذاء والطاقة.
وتذكّر" وول ستريت جورنال" بأن كوريا الشمالية بدت قبل 5 سنوات وكأنها تقف على الهاوية، فقد أدى الخوف من فيروس كوفيد إلى إغلاق الحدود، وتراجعت التجارة مع الصين، وتوقفت مناجم للفحم بسبب نقص الطاقة، وشحت مواد أساسية مثل الزيت والسكر في المتاجر.
حتى أن زعيم البلاد كيم جونغ أون نفسه قدم، في ذروة الأزمة، اعترافا نادرا بفشل السياسات الاقتصادية، وظهر متأثرا وهو يعتذر عن عجزه عن تخفيف معاناة الناس.
غير أن الانقلاب بدأ لاحقا.
لم تسقط العقوبات، ولم تنفتح كوريا الشمالية على العالم، ولم يتحول اقتصادها إلى نموذج طبيعي في نموه، فما تغير هو العالم نفسه.
روسيا احتاجت إلى الذخائر والجنود والصين احتاجت إلى إبقاء جارها الصعب في دائرة نفوذها.
والولايات المتحدة، المنشغلة بأزمات وحروب متعددة، باتت أقل قدرة على جعل العقوبات أداة حاسمة كما أرادتها.
هكذا لم تخرج كوريا الشمالية من الحصار بقدر ما تعلمت كيف تعيش داخله، بل كيف تستثمر بعض ثغراته.
تبدأ صورة التحسن من بيونغ يانغ، ليس لأنها تختصر البلاد، بل لأنها الواجهة التي يحرص النظام على تلميعها.
تنقل" وول ستريت جورنال" عن روان بيرد، وهو منظم رحلات أسترالي زار كوريا الشمالية أكثر من 100 مرة، أنه عاد إلى العاصمة بعد سنوات من الانقطاع ليجد مشهدا لم يكن مألوفا: مترجمه الكوري الشمالي فتح تطبيقا على هاتفه واستدعى سيارة أجرة، فتتبعا حركتها في الوقت الحقيقي كما لو أنهما يستخدمان خدمة شبيهة بتطبيق أوبر.
وتورد الصحيفة مشاهد أخرى من العاصمة: مطاعم تقدم البيتزا وأجنحة الدجاج، ودفع عبر رموز الاستجابة السريعة (QR code)، وسيارات كهربائية صينية في الشوارع، متاجر للحيوانات الأليفة، مقاهٍ للألعاب الإلكترونية، ومعارض للهواتف.
وفي روايات أخرى لزوار أجانب يتم الحديث عن أنه لم تعد المدفوعات النقدية وحدها هي القاعدة، بل ظهرت تطبيقات للتسوق وطلب الطعام والسلع الأساسية وحتى شراء بعض الأدوية.
وتنقل" وول ستريت جورنال" عن وكالة سياحية روسية أن إنتاج الهواتف محليا يبلغ نحو نصف مليون جهاز سنويا، فيما تشير تقديرات باحثين إلى وجود أكثر من 50 علامة للهواتف الذكية داخل كوريا الشمالية، ولا يعني ذلك انفتاحا معلوماتيا؛ فالأجهزة والشبكات ما زالت داخل نظام رقابة محكم، ولكنه يكشف أن اقتصاد العاصمة يتحرك، وأن الدولة لم تعد تكتفي بصورة البلد المغلق الذي لا يعرف إلا الندرة.
وفي البناء أيضا تظهر الواجهة بوضوح، وتقول الصحيفة الأمريكية إن كوريا الشمالية بنت العام الماضي 10 آلاف منزل جديد في بيونغ يانغ، وهو رقم يفوق ما بنته مدن أمريكية كبرى مثل لوس أنجلوس أو شيكاغو.
كما اكتملت مشاريع ظلت مؤجلة لسنوات، بينها مستشفى كبير، ومجمع دفيئات (وهي البيوت الزجاجية/البلاستيكية المخصصة للإنتاج الزراعي) أكبر من حديقة سنترال بارك في نيويورك، فضلا عن منتجع شاطئي جديد.
هذه المؤشرات لا تصنع وحدها حكما نهائيا على اقتصاد كوريا الشمالية، لكنها تمنح القصة مادتها الصلبة: ثمة مال يتحرك، ومواد تدخل، وبناء يتقدم، وعاصمة يعاد تشكيلها لتكون دليل النظام على أن مرحلة الاختناق انتهت.
أول مفاتيح التحول جاء من الداخل.
فبحسب صحيفة" نيويورك تايمز"، استخدم كيم جونغ أون جائحة كورونا ليس فقط لإغلاق الحدود صحيا فحسب، بل لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع.
فأغلق الحدود مع الصين، وشدد الرقابة على الحركة والتهريب، وضيق على الأسواق غير الرسمية التي نشأت منذ مجاعة التسعينيات، حين انهار نظام التوزيع الحكومي واضطر السكان إلى تدبير حياتهم خارج قنوات الدولة.
تلك الأسواق كانت، في حقيقتها، أكثر من اقتصاد بديل.
دخلت معها السلع الصينية، والرشاوى، والأخبار، والدراما والموسيقى الكورية الجنوبية المهربة على ذاكرات إلكترونية.
وبالنسبة إلى نظام يقوم على احتكار الرواية، لم تكن المشكلة في التجارة وحدها، بل في الخيال الذي حملته تلك الأسواق: نموذج آخر للحياة، ولغة أخرى عن المال والولاء والحرية.
وتنقل صحيفة" نيويورك تايمز" عن منشقين أن الثقة في الحكومة تراجعت منذ مجاعة التسعينيات، وأن المال صار في كثير من الأحيان أهم من الولاء للحزب.
وتقول إحدى المنشقّات إن نحو 8 من كل 10 أشخاص في محيطها كانوا يشاهدون أعمالًا كورية جنوبية سرا في عام 2023، وهو رقم بالغ الدلالة في بلد تعد فيه السيطرة على الصورة جزءا من أمن النظام.
لذلك استغل كيم لحظة جائحة كوفيد لتفكيك ما رآه تهديدا مزدوجا: سوقا تمنح الناس استقلالا اقتصاديا نسبيا، وثقافة خارجية تمنحهم خيالا بديلا.
وبحسب" نيويورك تايمز"، شددت الدولة عقوبات استهلاك وتوزيع المحتوى الكوري الجنوبي إلى حد بلغ الإعدام في بعض الحالات، وأعادت فرض السيطرة على إنتاج السلع وتوزيعها، وجعلت الحبوب والأرز متاحة أساسا عبر متاجر الدولة.
غير أن السيطرة الداخلية لم تكن كافية لإنعاش اقتصاد مثقل بالعقوبات، فقد احتاج زعيم كوريا الشمالية إلى مصدر خارجي للمال والسلع والتكنولوجيا، فجاءت الفرصة من حرب أوكرانيا.
تقول" نيويورك تايمز" إن كيم رأى فرصة بعد الحرب الروسية على أوكرانيا والتي اندلعت في عام 2022، فقدمت بيونغ يانغ لموسكو قوات وذخائر.
وبحسب مسؤولين في الاستخبارات الكورية الجنوبية نقلت عنهم الصحيفة، قاتل نحو 16 ألف جندي كوري شمالي في الحرب، بما أتاح لهم اختبار أسلحة في ساحة قتال حقيقية واكتساب خبرات في حرب حديثة تشمل الطائرات المسيّرة.
وتقول" وول ستريت جورنال" إن بيونغ يانغ أصبحت، بعد أكثر من عام على اندلاع الحرب، موردًا للذخائر إلى موسكو، وإن هذا المسار حقق لها عائدات فاقت 10 مليارات دولار من صيف 2023 حتى نهاية 2025، وفق تقديرات معهد مرتبط بالاستخبارات الكورية الجنوبية.
وتضيف أن نشر قوات كورية شمالية جلب أكثر من نصف مليار دولار للبلاد، بينما يُرجح أن يأتي معظم المقابل لمشاركة بيونغ يانغ في الحرب على شكل تكنولوجيا عسكرية وأجزاء أسلحة ومواد حساسة.
أهمية الرقم لا تظهر إلا عند مقارنته بحجم الاقتصاد.
فبحسب" وول ستريت جورنال"، يقدر الناتج المحلي الإجمالي لكوريا الشمالية بنحو 27 مليار دولار، وهذا يعني أن عوائد الحرب، إن صحت التقديرات، شكلت دفعة استثنائية لاقتصاد صغير ومحاصر.
ولم تكن المكاسب مالية فقط.
فبحسب" نيويورك تايمز"، قدمت موسكو تكنولوجيا عسكرية لتحديث الدفاعات الجوية وأجزاء حساسة من الجيش الكوري الشمالي، إضافة إلى الغذاء والنفط والسياح.
وتقول صحيفة" وول ستريت جورنال" إن بعض السفن والطائرات المسيرة الكورية الشمالية الجديدة تشبه تصاميم أسلحة روسية.
لم تكن روسيا وحدها كافية، فالصين تبقى الرئة الاقتصادية الأهم لكوريا الشمالية، وهي تعود اليوم إلى العمل بوتيرة أوضح.
وتقول" نيويورك تايمز" إن بكين وبيونغ يانغ استأنفتا خدمات القطارات، وزادتا الرحلات الجوية، وتقتربان من إكمال جسر حديث على نهر يالو يسهل التبادل التجاري والسياحة والمساعدات.
وتشير" وول ستريت جورنال" إلى أن التجارة الشهرية بين الصين وكوريا الشمالية بلغت أعلى مستوى لها منذ 8 سنوات.
كما باتت السلع الصينية والتقنيات الاستهلاكية، من السيارات الكهربائية إلى مكونات الهواتف والتطبيقات، جزءًا رئيسيا من المشهد الحضري الجديد في بيونغ يانغ.
الصين لا تحتاج إلى إعلان كسر العقوبات كي تمنح كوريا الشمالية هامشا واسعا للحركة، إذ يكفي أن تتوسع التجارة، وأن تتيسر قنوات التوريد، وأن تستمر بكين وموسكو، وهما تملكان حق النقض في مجلس الأمن، في الدعوة إلى تخفيف العقوبات بدل تشديدها.
بهذا المعنى، لم تتغير كوريا الشمالية وحدها.
تغيرت البيئة التي تحاصرها.
فالعقوبات تنجح عندما يتفق الكبار على تنفيذها، أما حين تحتاج موسكو إلى بيونغ يانغ، وتحرص بكين على عدم خسارة نفوذها عليها، فإن الحصار يفقد شيئا من أنيابه.
تتراكم المؤشرات المادية التي تجعل الحديث عن تحسن اقتصادي في كوريا الشمالية أكثر جدية.
ووفقا لصحيفة" وول ستريت جورنال" تشير تقارير مراكز بحثية كورية جنوبية إلى أن العقوبات لم تعد تظهر بوضوح في صور الأقمار الصناعية كما كان متوقعا.
فقد زاد نشاط السفن في منشآت تخزين النفط، وازدحمت مواقف السيارات، وصارت كوريا الشمالية أكثر إضاءة ليلا بنحو 3 أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل 5 سنوات.
وتقول" نيويورك تايمز"، نقلا عن محللين ومنشقين وزوار ذهبوا للبلاد حديثا، إن كوريا الشمالية أضافت مزيدا من محطات النفط في موانئها، وباتت السيارات والحافلات والشاحنات ومعدات البناء أكثر حضورا في أنحاء البلاد.
وفي بيونغ يانغ، التي عُرفت طويلا بظلامها النسبي ليلا، باتت لافتات النيون (لوحات أو إضاءات حائطية أو إعلانية تُصنع من أنابيب زجاجية مضيئة ومتوهجة) أكثر وضوحا، وتعمل مصاعد الأبراج السكنية لساعات يوميا على الأقل، وتنتشر محطات الوقود والسيارات الخاصة، وبعضها كهربائية مصدره الصين.
وهناك أيضا مشاريع بناء كبيرة، فقد استطاع زعيم كوريا الشمالية إنهاء بعض المشاريع المتأخرة من قبيل منتجعات ساحلية ومنتجعات تزلج ومجمعات دفيئات بُنيت على مطارات سابقة، بينها مجمع بحجم 400 ملعب كرة قدم، وفق" نيويورك تايمز".
وارتفعت أبراج سكنية جديدة ليس فقط في العاصمة، بل في مدن إقليمية أيضا.
كما يروج النظام لمبادرة" 20×10″، التي تقوم على إنشاء مصانع في 20 مدينة ومقاطعة سنويًا لمدة 10 سنوات، بما يشمل منشآت صحية وصناعات خفيفة ومرافق ترفيهية.
هذه الشواهد لا تعني أن البلاد صارت مزدهرة بالمعايير الطبيعية، لكنها تعني أن الدولة امتلكت ما يكفي من الموارد لتنجز مشاريع متعثرة، وتوسع البناء، وتزيد حركة الطاقة والنقل، وتقدم لسكان العاصمة وبعض المدن صورة ملموسة عن تحسن ما.
من الضروري رسم حد فاصل، فنجاح كوريا الشمالية، كما تصوره الصحف الأمريكية، هو قبل كل شيء نجاح للنظام، لا دليلا على رفاه عام للشعب.
وتذكر" وول ستريت جورنال" بأن نحو نصف سكان البلاد البالغ عددهم 26 مليونا يعانون سوء التغذية، وفق تقرير للأمم المتحدة، وتضيف أن الناتج المحلي لكوريا الشمالية لا يزال أقل من 1% من حجم الاقتصاد الأمريكي.
وتعرض نيويورك تايمز شهادات منشقين تكشف الوجه الآخر لجائحة كورونا.
ففي بعض المناطق كان الناس يموتون بأعداد غير معتادة، من دون فحوص كافية لكوفيد، ومن دون قدرة على التمييز بين الجوع والمرض.
بعض المرضى لم يبلغوا السلطات خشية الحجر عليهم من دون طعام.
وتقول إحدى الشهادات إن السلطات كانت تسحب الأرز من منطقة زراعية لإطعام النخبة في بيونغ يانغ وفي الجيش.
كما أن استعادة كوريا الشمالية سيطرتها على الأسواق غير الرسمية أضعفت قدرة الناس على كسب المال.
تقول منشقّة لصحيفة" نيويورك تايمز" إن أصعب ما في حكم" كيم" كان أنهم لم يعودوا قادرين على جني المال كما كانوا.
وهذه نقطة أساسية: ما يراه النظام إعادة تنظيم للاقتصاد، يراه كثير من السكان مصادرة للمساحة التي عاشوا عبرها منذ حقبة المجاعة.
حتى المؤشرات السلبية لا تزال قوية، وتقول" نيويورك تايمز" إن التجارة بين كوريا الشمالية والصين، رغم تعافيها، جاءت لصالح الواردات أكثر من الصادرات، بما يضغط على احتياطي العملات الأجنبية لدى بيونغ يانغ.
وفي العام الماضي، تراجعت قيمة العملة المحلية في كوريا الشمالية" الوون" بأكثر من الثلثين مقابل الدولار، بينما زادت أسعار الأرز أكثر من 3 أضعاف.
جزء مهم من المال الجديد لم يأتِ من اقتصاد مفتوح أو استثمار طبيعي، بل من اقتصاد ظل يتقاطع فيه السلاح والتهريب والعمل الخارجي والقرصنة الإلكترونية.
تقول" نيويورك تايمز" إن كوريا الشمالية، مع حظر صادراتها الكبرى بفعل العقوبات، سعت إلى جمع المال عبر تهريب الفحم، وتحصيل أجور عمالها في الصين، وتهريب الذهب، واستخدام وسطاء لاستيراد أدوات دقيقة تُستخدم في صناعة الأسلحة.
وتذكر الصحيفة أنها اطلعت على وثيقة داخلية تشير إلى استخدام مركبة تابعة لقنصلية كورية شمالية في مدينة داندونغ الصينية لتهريب الذهب إلى الصين.
أما وول ستريت جورنال فتسلط الضوء على قراصنة كوريين شماليين يقيم كثير منهم في الصين، حيث يستطيعون الوصول إلى الإنترنت بحرية أكبر والعمل بعيدًا عن خطر الاعتقال من سلطات خارجية.
وتقول الصحيفة إن عمليات اختراق منصات العملات المشفرة وحدها أنتجت مليارات الدولارات للنظام، وفق دول ومجموعات أمن سيبراني تتابع نشاط بيونغ يانغ.
هذا يفسر جانبًا مهمًا من" القصة الاقتصادية".
فالنظام لا يتعافى عبر اندماج طبيعي في الاقتصاد العالمي، بل عبر استغلال هوامشه المظلمة: حرب تحتاج إلى ذخائر، عمال في الخارج، قنوات تهريب، قرصنة مالية، وشركاء مستعدون لغض الطرف أو الاستفادة.
هذا التحول يضع الولايات المتحدة أمام مأزق إستراتيجي، فقد راهنت لسنوات على أن العقوبات، مضافة إلى وعود الحوافز الاقتصادية، قد تدفع بيونغ يانغ إلى التفاوض بشأن برنامجها النووي.
لكن إذا كان كيم جونغ أون يستطيع الحصول على المال من موسكو، والسلع من بكين، والتكنولوجيا عبر قنوات موازية، فإن قيمة العرض الأمريكي تتراجع.
تقول صحيفة" وول ستريت جورنال" إن التحسن الاقتصادي يضعف آمال إبرام صفقة نووية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، لأن واشنطن استخدمت تاريخيا تخفيف العقوبات والحوافز الاقتصادية لإقناع بيونغ يانغ بتجميد برنامجها النووي أو التخلي عنه.
أما اليوم فيبدو الزعيم الكوري الشمالي أقل اضطرارا للجلوس إلى الطاولة بالشروط نفسها.
وتنقل الصحيفة عن ستيفان هاغارد، الباحث في اقتصاد كوريا الشمالية في جامعة كاليفورنيا في مدينة سان دييغو، قوله إن الوضع الاقتصادي للبلاد هو الأقوى منذ تولي كيم السلطة قبل نحو 15 عاما، وربما يتجاوز أي وقت في عهد والده.
كما تنقل الصحيفة عن جونغ باك، المسؤولة السابقة عن ملف كوريا الشمالية في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن قولها إن النظام في بيونغ يانغ بات" أكثر ثراءً من أي وقت مضى".
في خطاب النظام الكوري الشمالي، تلخص عبارة" الحلوى والرصاص" المعادلة التي يريد كيم تسويقها: تعافٍ اقتصادي وقوة عسكرية في وقت واحد.
بيد أنه في الماضي، كانت المعادلة محصورة بين إطعام الشعب أو بناء القنبلة النووية، واليوم فإن الزعيم كيم جونغ أون يريد أن يقول إنه قادر على تحقيق الاثنين، ولو بثمن يدفعه المجتمع من حريته وغذائه وحقوقه.
لكن هذه ليست قصة نهضة، إنها قصة سلطة ازدادت قدرة على تحويل الأزمات إلى موارد.
فكوفيد أعاد المجتمع إلى قبضة الدولة، وحرب أوكرانيا فتحت سوقا للذخائر والجنود، وأما روسيا فمنحت المال والتكنولوجيا والغطاء لبيونغ يانغ، في حين كانت الصين بمثابة الرئة التجارية، بينما فقدت العقوبات بعض قوتها في عالم أكثر انقساما.
هكذا ربحت كوريا الشمالية مما يعتمل من فوضى في العالم.
فهي لم تربح لأنها أصبحت دولة طبيعية، ولا لأن شعبها صار أكثر رفاهية، بل لأنها أتقنت استغلال لحظة دولية مضطربة: حرب في أوروبا، تنافس بين القوى الكبرى، عقوبات تتآكل، وعجز واشنطن عن إدارة قواعد اللعبة كما كانت تفعل في الماضي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك