أصبح مشهد أساطيل البحر الإنسانية المتجهة لكسر الحصار البحري عن قطاع غزة مشهداً مألوفاً، خاصة في السنوات الثلاث الأخيرة التي شهدت حرب الإبادة الإسرائيلية، وربما العالمية، على غزة وفلسطين.
وقد تصاعدت وتيرة هذه الحملات من رحلة إلى أخرى كما ارتفع عدد المشاركين فيها تباعاً.
وأضحى هذا الأسطول الإنساني، الذي تتسّع رقعته وتتزايد مراكبه وأفراده، مصدر إزعاج عميق للكيان الإسرائيلي وحلفائه في الشرق الأوسط والعالم.
ولم يعد دوره مقتصراً على نقل المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى سكان غزة المُبادة والمحاصرة، بل تحول إلى سردية دوليّة تكشف الوجه الحقيقي لإسرائيل، وتضع دول العالم أمام امتحان محرج للعدالة الدولية والقانون، وتلك المُسميّات التي تقوم عليها المبادئ والمواثيق الدولية المكتوبة فقط.
ما يلفت في هذه الأساطيل أن مُعظم النشطاء والبحّارة والمساعدين وأفراد الأطقم ينتمون إلى مجالات مختلفة، مهنياً واجتماعياً وثقافياً، وليسوا عرباً، ولا ينحدرون من دول يُفترض أنّها تُعادي إسرائيل، بل إن أغلبهم من دول غربية تدعم إسرائيل وتحميها وتؤسّس لسرديتها.
ومن المفاجئ نوعاً ما أن يكون مواطنون من هذه البلدان هم من يقودون حملات إنسانية واسعة ضد" الحليف الاستراتيجي والأقوى" لبُلدانهم.
رغم أنّهم بهذا الشكل يمارسون دور المعارضة السياسية والاجتماعية للسياسات في حكوماتهم.
وترى إسرائيل في هذا الأمر خطراً حقيقياً عليها، فكلما تعزّزت حملات" الأساطيل البحرية"، تعزّزت معها حملة معاداة لها داخل البلدان التي تراها حليفة لها.
وقد تجلى ذلك بوضوح منذ اندلاع الحرب على غزة ولبنان.
ورغم أن السقف السياسي للمعارضين الأوروبيين لفكرة وجود إسرائيل دولةً وكياناً لا يزال منخفضاً، وأن العديد منهم يدينون حماس وحزب الله وحركات المقاومة، فإن مجرد التحرك ضد إسرائيل وتوصيف ممارساتها وجرائمها يثير قلقها وقلق حلفائها.
تحظى حملات كسر الحصار بتغطية إعلامية مهمّة، وبتفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر المقاطع المصورة والتصريحات بشكل كبير، خاصة بين المتابعين العرب على اختلاف جنسياتهم، وهو ما يجعل محاولات إسرائيل لقمع هذه الحملات تنعكس عليها سلباً.
فعمليات المنع والتنكيل التي شهدنا آخرها قبل أسبوع بعد اعتراض السفن في عمق البحر واعتقال النشطاء وتهديدهم بالقتل، وظهور وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير خلالها، لا تؤدي إلا إلى زيادة أعداد المشاركين والمتطوعين في أساطيل كسر الحصار عن غزة، ما يجعلها قضية دولية تستوجب التوقف عندها بانتباه.
تُدرك إسرائيل جيداً أن هذه الحملات قد تقود إلى سياسات مُعادية لها في عدد من الدول الأوروبية، حتى وإن ظلت هذه المُعاداة محدودة أو متعلقة فقط بحرب غزة والقتل اليوميتُدرك إسرائيل جيداً أن هذه الحملات قد تقود إلى سياسات مُعادية لها في عدد من الدول الأوروبية، حتى وإن ظلت هذه المُعاداة محدودة أو متعلقة فقط بحرب غزة والقتل اليومي.
ومن يدري؟ قد ترتفع وتيرة السياسات المُعادية لها في حال اتخذ أصحاب هذه الحملات قرار الخوض في الشأن السياسي وفازوا في الانتخابات ببُلدانهم.
لكنّ إسرائيل، من جهة أخرى، تسعى إلى الاستعانة بشبكات إعلامية وسياسية واقتصادية لمهاجمة أصحاب حملات كسر الحصار عن غزة، وتحريف النقاشات الجوهرية وتحويلها إلى سجالات ثنائية تكون هي المتفرّج فيها فقط.
وقد ركزت هذا الطرح في العالم العربي أكثر من غيره.
نعرف أن إسرائيل دولة تقوم على القتل والقهر، وتمارس وتنتج أدوات القهر بشكل يومي ضد كل من يُعادي مصالحها ووجودها، بما في ذلك اليهود المعارضين.
كما تصدر هذا القهر إلى الأنظمة السياسية الأخرى، ما يخلق حالة قهرية دائرية متسلسلة، وهي بذلك تتماشى مع العقلية السلطوية المتجذرة في بعض المجتمعات العربية، حيث يحضر القمع أكثر من الحرية، لذلك نجد أن معدّل الحملات المسيئة لكل النشطاء ضد الاحتلال هو الأكبر في الدول العربية.
ذلك أن بعض مكونات العقل الجمعي العربي لا تستطيع تقبّل وجود أصوات داعية إلى الحرية والإنسانية في محيطها، لأنها تنظر إليها باعتبارها تهديداً لوجودها.
وقد ذهب بعضهم إلى التنويه بالفعل الإسرائيلي تجاه النشطاء من أبناء بلدانهم المشاركين في حملات كسر الحصار.
ويمكن فهم هذا بوصفه امتداداً لسلسلة متراكمة من القهر، إذ إن أي شخص ينتمي إلى المنطقة العربية (كيفما كان موقعه الاجتماعي والمهني) يعارض الحملات المناهضة لإسرائيل، يحاول أن يمارس القهر الذي يُمارَس عليه بقوة، لدرجة أنه لم يعد يُؤمن بمبادئ التحرر ومساعدة الآخرين.
تُعوّل إسرائيل على العرب المؤيّدين لها أكثر من غيرهم، لضمان استمرار قوّتها وقهرها في المنطقة، ولضرب الحاضنة التي لا تعترف بها كـ" دولة" مثل بيئات المقاومة والداعمة لهااليوم، تُعوّل إسرائيل على العرب المؤيّدين لها أكثر من غيرهم لضمان استمرار قوّتها وقهرها في المنطقة، ولضرب الحاضنة التي لا تعترف بها" دولةً" مثل بيئات المقاومة والداعمة لها.
وهي تركزّ جهودها لتعميق تأثير أصوات هؤلاء لأنهم يتقاطعون معها في القمع والتسلّط وفي عدم الإيمان بالحريات والحقوق الإنسانية، بل وفي التطرف وغريزة قتل الآخر المختلف عنهم.
كلّ الكلام الذي يحاول تبرئة هذه الفئة من العرب التي لها حرية العمل الواسعة في بلدانها، وهي ذائعة الصيت والتأثير، هو في الحقيقة وهم، لأن إسرائيل اليوم تُدرك جيّداً أن تطرّفها وغرائزها الوحشية في القتل والتدمير تصل إلى حدود لا يقبل بها المجتمع الأوروبي الذي كان حاضناً لها، وله من القوة ما يرفض الممارسات الإسرائيلية بشكل علني إن أراد أن يرفض وحتى أن يُوقف ويمنع القتل.
في المقابل، لا تمتلك المجتمعات العربية القدر نفسه من التراكمات الحقوقية والمؤسساتية القادرة على فرض المحاسبة أو حماية الإنسان، فضلاً عن استمرار النزعة المتطرفة في إلغاء كل جماعة أو فرد يختلف في السياسة والمواقف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك