يدخل المنتخب الكندي نهائيات كأس العالم 2026 وسط طموحات كبيرة لم يسبق لها مثيل في تاريخه، مستفيدا من ميزة استضافة البطولة على أرضه بالمشاركة مع الولايات المتحدة والمكسيك، ومن التطور اللافت الذي شهده الفريق خلال السنوات الأخيرة.
اضافة اعلانورغم أن كندا لم يسبق لها الفوز بأي مباراة في مشاركاتها السابقة بكأس العالم، إلا أن المعطيات الحالية تشير إلى أن منتخب" أوراق القيقب" قد يكون أحد أكثر المنتخبات قدرة على صناعة المفاجآت في النسخة المقبلة.
ويأتي هذا التفاؤل استنادا إلى النتائج المميزة التي حققها المنتخب تحت قيادة المدرب الأميركي جيسي مارش.
فمنذ الخسارة أمام المكسيك في نصف نهائي دوري أمم الكونكاكاف في آذار (مارس) 2025، خسر المنتخب الكندي مباراة واحدة فقط من أصل 15 مباراة خاضها حتى موعد كتابة التقرير، وهي سلسلة نتائج تضمنت مواجهات قوية أمام منتخبات مثل كولومبيا والإكوادور وأوكرانيا والولايات المتحدة.
وكانت الانتصارات على المنتخب الأميركي تحديدا تحمل دلالات خاصة، إذ تمكنت كندا من الفوز على جارتها الجنوبية مرتين خلال العامين الماضيين، من بينها أول انتصار على الأراضي الأميركية منذ 57 عاما، وهو إنجاز يعكس حجم التطور الذي طرأ على المنتخب.
ويواصل مارش الاعتماد على أسلوب لعب ثابت يقوم على خطة 4-4-2، مع التركيز على الضغط العالي منذ الخطوط الأمامية واستغلال السرعة الكبيرة على الأطراف.
ويوضح المدرب فلسفته قائلا: " بعض الفرق تضغط لاستعادة الكرة فقط، أما نحن فنضغط من أجل معاقبة المنافس والتفكير مباشرة في التسجيل بمجرد استعادة الكرة".
ورغم أن مارش أميركي الجنسية، إلا أنه نجح في كسب احترام وحب قطاع واسع من الجماهير الكندية منذ توليه المسؤولية في أيار (مايو) 2024، خصوصا بعدما قاد المنتخب إلى نصف نهائي بطولة كوبا أميركا في إنجاز تاريخي.
وكان النجاح الذي تحقق في تلك البطولة، ثم في المباريات الودية اللاحقة، مبنيا على أسس دفاعية متينة عمل المدرب على ترسيخها منذ أيامه الأولى.
فقد جاءت أول مباراتين له أمام هولندا وفرنسا، وهما اختباران صعبان ساعداه على تحديد النقاط التي تحتاج إلى تطوير.
وتبدو حصيلة تسع مباريات بشباك نظيفة في 13 مباراة قبل المباريات التحضيرية للمونديال، أكثر إثارة للإعجاب إذا ما أخذنا في الاعتبار أن اثنين من أهم لاعبي الفريق، وهما مدافع نيس الفرنسي مويز بومبيتو ونجم بايرن ميونيخ ألفونسو ديفيز، غابا عن جميع تلك المباريات بسبب الإصابة.
وقال مارش" في عامي الأول مع المنتخب نجحنا في تطوير أسلوب اللعب، ومن الواضح أننا أصبحنا فريقا أكثر تكاملا بوجود مويز وألفونسو.
أما العام الأخير فقد ركزنا خلاله على بناء العقلية المطلوبة، حتى نكون جاهزين عندما تسلط الأضواء علينا بأقصى درجاتها خلال كأس العالم.
أعتقد أن هذا الفريق مميز وقادر على التعامل مع تلك الضغوط".
وتتجه الأنظار إلى منتخب كندا في المجموعة الثانية التي تضم سويسرا وقطر والبوسنة والهرسك، وهي مجموعة تبدو متوازنة نسبيا وتمنح أصحاب الأرض فرصة حقيقية لبلوغ الأدوار الإقصائية للمرة الأولى في تاريخهم.
تمثل تجربة جيسي مارش الحالية أول تجربة له في تدريب المنتخبات الوطنية، ويمكن القول إنها كانت ناجحة إلى حد بعيد، رغم أنه احتاج إلى بعض الوقت للتأقلم مع طبيعة العمل الدولي.
ويتحدث مارش عن ذلك قائلا" منذ المعسكر الأول الذي عملت فيه مع هؤلاء اللاعبين، أدركت أنني سأقع في حب هذه المجموعة.
إنهم أشخاص رائعون للغاية ويتمتعون بموهبة كبيرة.
وعندما ودعتهم بعد المعسكر الأول شعرت بشيء مختلف تماما عما كنت معتادا عليه خلال عملي مع الأندية".
واستغل المدرب الأميركي فترات التوقف بين المباريات الدولية بطريقة مميزة، حيث قام بزيارة عدد كبير من اللاعبين الكنديين المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، كما أمضى وقتا طويلا داخل كندا للعمل مع الاتحادات الإقليمية والمساهمة في توحيد الرؤية الخاصة بتطوير اللعبة، وإدارتها على المستوى الوطني.
وقد ساعده هذا الانخراط العميق في تفاصيل الكرة الكندية على بناء علاقة قوية مع اللاعبين والجماهير، وجعل المنتخب أكثر تماسكا وتنظيما من أي وقت مضى.
يبقى قائد المنتخب ألفونسو ديفيز الاسم الأكبر في كرة القدم الكندية الحديثة.
فالنجم الذي صنع اسمه مع بايرن ميونيخ، يعد أشهر لاعب أنجبته البلاد، وأحد أفضل الأظهرة اليسرى في العالم.
لكن ديفيز لم يشارك مع المنتخب الكندي منذ تعرضه لقطع في الرباط الصليبي الأمامي خلال مواجهة الولايات المتحدة، في مباراة تحديد المركز الثالث بدوري أمم الكونكاكاف.
ولسنوات طويلة دار الجدل حول أفضل مركز يمكن أن يلعب فيه ديفيز، سواء كجناح هجومي أو ظهير أيسر.
إلا أن مارش حسم هذا النقاش إلى حد كبير من خلال الاعتماد عليه في الخط الخلفي، حيث قدم مستويات مميزة للغاية.
غير أن إصابة جديدة تعرض لها خلال مواجهة باريس سان جيرمان في إياب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، وهي الإصابة الثالثة له خلال ثلاثة أشهر فقط، جعلت مشاركته في المباراة الافتتاحية أمام البوسنة والهرسك موضع شك.
ورغم ذلك، يبقى ديفيز اللاعب الأكثر أهمية في المشروع الكندي، والقائد الذي يعول عليه الجميع في أكبر حدث كروي تستضيفه البلاد.
قليلون هم اللاعبون الذين حصلوا على اهتمام وثقة من مدربهم كما حدث مع إسماعيل كوني.
فبعد أن خرج من حسابات المنتخب خلال بطولة كوبا أميركا بسبب عدم قدرته على فرض نفسه، نجح لاعب الوسط الشاب في تغيير مسار مسيرته بشكل كامل.
ومنذ ذلك الحين، قدم مستويات رائعة مع ساسولو الإيطالي في الدوري الإيطالي، وتحول إلى لاعب وسط متكامل قادر على الربط بين الدفاع والهجوم.
وساعده العمل في الكرة الإيطالية على تطوير انضباطه التكتيكي وتركيزه الدفاعي بشكل واضح، ما جعله اليوم أحد أهم عناصر المنتخب الكندي.
ومن المتوقع أن يشكل كوني ثنائيا محوريا مهما، إلى جانب ستيفن أوستاكيو في خط الوسط، وهو ثنائي يعول عليه مارش كثيرا لتحقيق التوازن المطلوب داخل الفريق.
أصبح علي أحمد، لاعب نوريتش سيتي الإنجليزي، من اللاعبين المفضلين لدى جيسي مارش، بفضل حجم العمل الذي يقدمه من دون كرة.
ويكلف اللاعب عادة بقيادة عملية الضغط على الجهة اليسرى، مع التحرك نحو العمق لزيادة الكثافة العددية في وسط الملعب، ومنح الفريق المزيد من الطاقة والحيوية.
ويعد هذا الدور أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت مارش إلى عدم نقل ألفونسو ديفيز إلى مواقع هجومية متقدمة، إذ يرى المدرب الأميركي أن تنظيم الفريق من دون الكرة لا يقل أهمية عن أدائه عندما يمتلكها.
وفي هذه المنظومة، يلعب علي أحمد، دورا أساسيا لا تظهر أهميته دائما في الإحصائيات، لكنها واضحة لكل من يتابع أداء الفريق عن قرب.
تستعد كندا لاستقبال العالم بأسره خلال كأس العالم، لكن الاهتمام الأكبر داخل البلاد يتركز على المنتخب الوطني، أكثر من أي شيء آخر.
ويحظى المنتخب بميزة خاصة، إذ سيبدأ مشواره على الساحل الشرقي قبل أن ينتقل إلى الساحل الغربي، ما يمنح الجماهير في تورونتو وفانكوفر فرصة متابعة مباريات الفريق خلال دور المجموعات.
وستقود مجموعة" ذا فوياجورز" الشهيرة الأجواء في المدرجات، من خلال الأعلام والأهازيج المعروفة، وعلى رأسها هتاف" أوه آه كندا".
كما تستفيد كندا من طبيعتها المتعددة الثقافات، إذ يعيش فيها أشخاص من مختلف الجنسيات والخلفيات، فضلا عن أن منتخبات مجموعتها الثلاثة لا تمتلك قواعد جماهيرية ضخمة مقارنة بمنتخبات أخرى، وهو ما قد يمنح أصحاب الأرض أفضلية واضحة في المدرجات.
ولا يعرف مارش التزام الصمت عندما يتعلق الأمر بالقضايا التي يؤمن بها.
ففي شباط (فبراير) 2025، وقبل نهائيات دوري أمم الكونكاكاف، وجه رسالة مباشرة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب قائلا" إذا كان لدي طلب واحد من رئيسنا، فهو أن يتوقف عن الحديث السخيف حول تحويل كندا إلى الولاية الأميركية الحادية والخمسين.
بصفتي أميركيا أشعر بالخجل من الغرور وعدم الاحترام الذي أظهرناه تجاه أحد أقدم وأقوى وأكثر حلفائنا وفاء".
وبعد أسابيع قليلة فقط، نجحت كندا في هزيمة الولايات المتحدة، ورغم أن المباراة كانت لتحديد المركز الثالث، إلا أن مارش أظهر مشاعر جياشة على خط التماس وصلت إلى حد طرده بسبب إساءة لفظية لأحد المسؤولين.
ومنذ ذلك الحين، حاول المدرب الابتعاد عن التعليقات السياسية العلنية، لكنه يدرك تماما مدى أهمية الانتصارات على الولايات المتحدة بالنسبة للجماهير الكندية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك