مديري الأسبق كان يشعر بالتوتر كلما خرج في إجازة، ويظل على تواصل مستمر معنا، حتى وهو مع عائلته خارج الدولة.
يسألنا عن سير العمل، ونسبة الإنجاز، ويعطينا توجيهات بشأن بعض الأمور الطارئة، الأمر الذي جعلني أتساءل يوماً، بعد أن أنهى مكالمته الطويلة معي: هل هو في إجازة فعلاً؟سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يكشف جانباً مظلماً من علاقة الإنسان المعاصر بالوظيفة.
فالإجازة في جوهرها، ليست مجرد توقف مؤقت عن الدوام، بل فرصة لاستعادة التوازن النفسي والذهني الذي تستهلكه ضغوط العمل اليومية.
ومع ذلك، أصبح كثير من الناس يغادرون أماكن عملهم بأجسادهم فقط، بينما تبقى عقولهم عالقة برسائل البريد الإلكتروني، والمكالمات المتوقعة، والمهام المؤجلة.
في الماضي، كانت الحدود بين العمل والحياة الخاصة أكثر وضوحاً.
أما اليوم، فقد جعلت الهواتف الذكية والتطبيقات الإلكترونية الموظف متصلًا بعمله على مدار الساعة.
وهكذا تحولت الإجازة لدى البعض إلى مجرد تغيير للمكان، لا تغيير للحالة الذهنية.
يسافر إلى وجهة بعيدة، لكنه يحمل معه القلق نفسه، ويتابع الاجتماعات نفسها، ويعيش الضغوط ذاتها، وكأنه لم يغادر مكتبه أصلًا.
المفارقة أن كثيرين يظنون أن هذا السلوك دليل على الجدية والالتزام، بينما تشير الدراسات النفسية إلى أن الإنتاجية الحقيقية تحتاج إلى فترات انقطاع وراحة.
فالعقل - مثل أي عضو آخر في الإنسان - يُصاب بالإرهاق، ويفقد كفاءته إذا عمل باستمرار دون توقف.
والإجازة ليست رفاهية زائدة عن الحاجة، بل جزء أصيل من دورة العمل الناجحة، لأنها تمنح الإنسان فرصة لتجديد طاقته واستعادة حماسته واستفراغ شحناته السلبية.
ولا يقتصر الأمر على الموظفين فقط، فحتى أصحاب الأعمال يقعون أحياناً في الفخ ذاته، إذ يشعر بعضهم بالذنب كلما ابتعد عن العمل، وكأن الراحة نوع من التقصير.
لكن الحقيقة أن الإنسان لا يعيش ليعمل فقط، بل يعمل أيضاً ليعيش حياة متوازنة وغنية بالتجارب المثيرة، والعلاقات الصحية والذكريات الجميلة، لذلك ربما يكون السؤال الأهم ليس: متى سنأخذ إجازة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك