يروي أمين معلوف في مؤلفه الأحدث المترجم من الفرنسية إلى العربية، " متاهة الضائعين" (دار الفارابي، بيروت، 2024)، كيف أنه في صيف عام 1853، وصل ضابط من البحرية الأميركية يُدعى ماثيو غالبرايث بيري إلى سواحل اليابان المعزولة عن سائر أمم الكوكب ودوله قبل دخولها عصر إصلاحيي الميجي، وسلّم من التقاهم هناك من مسؤولين رسالة و" هدية".
أما الرسالة فكانت دعوة إلى إبرام علاقات صداقة وتجارة بين البلدين، وإلا فالحرب.
والهدية كانت تتمّة للرسالة، قطعة قماش بيضاء سيحتاج اليابانيون إليها لرفعها راية استسلام وفق عبارة الضابط الأميركي في حال اختاروا عدم الخروج من عزلتهم والانفتاح غصباً عنهم على الولايات المتحدة تجارياً وسياسياً.
لدى قراءة هذه الحادثة في أيامنا هذه، أول ما يتبادر إلى الذهن أن الرئيس الأميركي الرابع عشر آنذاك، فرانكلين بيرس، الذي أرسل الضابط المذكور، لا بدّ أنه كان نسخة تنبئ بما سيكون عليه بعد أكثر من قرن ونصف القرن، دونالد ترامب، في العجرفة والوقاحة واستعراض القوة المطلقة بلا مراعاة لأخلاق أو قوانين وأعراف ولياقات وشعوب ومشاعر وطنية.
لكن قراءة هذه" السالفة" التي ترمز إلى أخلاق استعمارية عارية لا تحيلنا اليوم إلى ترامب وحده، بل أيضاً إلى كثير من خصال القيادة الإيرانية الحالية التي يطلب منّا بعضهم إظهار الحماسة لها والتعاطف معها لأنها تواجه أميركا، وكأنّ وحوش أسامة بن لادن والدواعش لم يواجهوا الولايات المتحدة أيضاً، فوجدوا من يقع في غرامهم ويستحضر الوردة لوصف جثة بن لادن يوم رُميت شمالي بحر العرب.
والأمثلة عن تشابه سلوك القيادة الإيرانية مع الصلافة الأميركية أمس واليوم عديدة.
لكن الأبرز تعاطي طهران مع مضيق هرمز منذ فطنت إلى أنه قد يكون سلاحها النووي الحقيقي والفعال، بدل ذلك السراب المسمّى المشروع النووي الإيراني الذي تلاحقه منذ عقود وتدفع أثماناً باهظة في سبيله، بدل أن يكون هو الذي يأتي لها بهيبة وبمنافع سياسية وعسكرية واقتصادية.
وفتوى أن المضيق جزء من السيادة الإيرانية، وبالتالي يحق لطهران تحصيل رسوم مقابل السماح للناقلات البحرية بعبوره، محاكاة للمنطق الترامبي نفسه حين يتطاول على سيادة دول وحقوق شعوب من كندا إلى فنزويلا وغرينلاند والمكسيك وبنما وكوبا وغيرها.
مضيق بحري خلقته الطبيعة كذلك، تتشارك كل من إيران وسلطنة عُمان والإمارات مشاطأته، يخبرنا المسؤولون الإيرانيون أنّ وضعيته القانونية يجب أن تكون مماثلة لقناتَي السويس وبنما، لتصبح أكثر تعقيداً مهمّة تحديد من الذي يهين عقولنا أكثر، ترامب أو جماعة محمد باقر قاليباف ومجتبى خامنئي ورفاقهما؟ والفتوى تلك لا تختلف باحتقارها القوانين عن سخرية ترامب منها.
أليس" الضعيف هو من يذهب إلى القضاء" على" قولة" رئيس البرلمان اللبناني الأزلي نبيه بري؟وحين تحتاج القيادة الإيرانية لمناورة تُضعف موقف خصومها الخليجيين، تقترح على عُمان أن تتقاسم الرسوم معها، فتنطلي القصة على عبقري بوزن ترامب، فيهدّد بقصف السلطنة الحليفة لواشنطن، ويضحك حكام طهران في سرّهم.
لكن لكي لا نسمح لصلافة ترامب بأن تمحو من ذاكرتنا عجرفة أخرى، وجب التذكير بتصريح شهير لوزير الاستخبارات الإيراني الأسبق حيدر مصلحي عام 2015 عن سيطرة بلاده على أربع عواصم عربية (بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء).
ليس المقصد افتعال توازن بين سلوك أميركا الترامبية أو إسرائيل وإيران، إنما تذكير ضروري بأن الحرب الأميركية الإسرائيلية الحالية على إيران، بقدر ما إنها بدأت واستمرت غير قانونية وعدوانية وإجرامية، فقد سبقتها القيادة الإيرانية وقابلتها بحساسية شبه معدومة لكل ما هو قانوني.
وكأنّ" هدية" الضابط الأميركي ماثيو غالبرايث بيري لليابانيين في القرن التاسع عشر، أي راية الاستسلام، ليست مجرّد حكاية تاريخية، أو سمة لا أخلاقية محصورة باستعمار أميركي، إنما نهج تطمح إلى سلوكه كل دولة استعمارية توسّعية، شرقية كانت أو غربية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك