ابتكر نجيب الريحاني شخصية" كشكش بيه"، العمدة القادم من الريف إلى المدينة، بملابسه ولهجته وارتباكه الدائم، عام 1916، وكان حينها مرآة لطبقة تبحث عن موقعها داخل عالم يتغيّر بسرعة.
ومن خلال هذه الشخصية، يمكن قراءة جانب كبير من مشروع نجيب الريحاني وبديع خيري، حيث تتحوّل الكوميديا إلى أداة لالتقاط التوتر بين الريف والمدينة، وبين السلطة والهامش.
وتبدو العودة إلى النصوص المسرحية، كما يقدمها كتاب" مسرح نجيب الريحاني: النشأة والتطور والنصوص المسرحية" (دار المرايا، القاهرة، 2025)، محاولة لقراءة هذه الشخصية في سياقها الأصلي، بوصفها جزءاً من بناء درامي وثقافي أكثر تعقيداً، وقد أعدّ الكتاب الباحث سيد علي إسماعيل، في محاولة لإعادة قراءة هذا التراث من داخله.
ينتمي الكتاب إلى مشروع توثيقي أوسع، يسعى فيه المؤلف إلى إعادة بناء تاريخ فرقة الريحاني بين عامي 1908 و1928، وهي فترة التأسيس والتبلور.
وقدّم إسماعيل الكتاب الأول من هذا المشروع البحثي العام الماضي، وكان دراسة تاريخية حول مسرح نجيب الريحاني، ثم أتبعه هذا العام بالكتاب الثاني، الذي يضم مجموعة منتقاة من النصوص المسرحية.
وإذا كان الجزء الأول من المشروع يتكفل بالسرد التاريخي، فإن هذا الجزء يجمع النصوص نفسها.
غير أن العودة إلى النص هنا تنطوي على جهد تحقيقي واضح، يقوم على مقابلة النصوص بمصادر متعددة، تشمل مخطوطات ونسخاً منشورة في الصحف وإعلانات العروض، وأحياناً إشارات نقدية معاصرة.
ويضم الكتاب تسع مسرحيات تمثل تطور تجربة الريحاني وشريكه بديع خيري، من بينها" أم أحمد"، و" العشرة الطيبة"، و" أنت وبختك"، و" الليالي الملاح"، و" أيام العز" و" البرنسيسة"، وصولاً إلى" ليلة جنان" و" مملكة الحب"، و" كشكش بك عضو في البرلمان".
في البدايات، تبدو النصوص أقرب إلى الاسكتشات الكوميدية التي تعتمد على الموقف السريع والنكتة المباشرة، مع حضور واضح للارتجال، كما يتجسد ذلك في نصوص مثل" أم أحمد" و" أنت وبختك".
لكن، في أعمال لاحقة، تتبلور بنية درامية أكثر وضوحاً، وتصبح الشخصيات أقل نمطية، وأكثر ارتباطاً بسياقها الاجتماعي.
إذ يُمكن ملاحظة كيف تتحول الكوميديا من مجرد وسيلة للإضحاك إلى أداة لرصد التحولات الاجتماعية، خصوصاً مع صعود الطبقة الوسطى في المدينة، وما صاحبه من توترات بين القيم التقليدية والحديثة، فكثير من أعمال الريحاني وخيري مقتبسة من نصوص فرنسية، غير أن الريحاني، أعاد كتابة تلك الأعمال داخل بيئة مصرية، من حيث اللغة والشخصيات والمرجعيات الثقافية.
ويمكن قراءة أوبريت مثل" الليالي الملاح" نموذجاً لهذا التهجين، حيث تتجاور الفانتازيا الشرقية المستلهمة من" ألف ليلة وليلة" مع بنية استعراضية ذات جذور أوروبية.
تحول الكوميديا من الإضحاك، إلى أداة لرصد التحولات الاجتماعيةوعلى مستوى اللغة، تقدّم النصوص مادة لدراسة العامية المصرية في لحظة مبكرة من تشكلها المسرحي، فالحوار يُعاد صوغه ليصبح أكثر تكثيفاً وأغنى إيقاعاً، بما يخدم الأداء على الخشبة.
كذلك تكشف الإفيهات المتكررة والتلاعب بالألفاظ عن وعي بالعلاقة التفاعلية مع الجمهور، الذي كان جزءاً أساسياً من تكوين العرض.
يكتسب الكتاب أهميته الأساسية من أنه ينقل مسرح نجيب الريحاني إلى فضاء النص القابل للقراءة والدراسة، ويعيد تنظيم هذا الإرث المسرحي في صورة تسمح بإعادة التفكير فيه، بوصفه جزءاً من تاريخ تشكّل المسرح المصري الحديث، مع ما يتيحه من إمكانية لإعادة تقييم موقع الريحاني داخل تاريخ المسرح المصري، إذ تضعنا هذه النصوص أمام كاتب وممثل مشارك في صياغة شكل مسرحي جديد، يقوم على المزج بين الترفيه والنقد، وبين المحلي والعالمي، في لحظة كانت فيها الهوية الثقافية المصرية نفسها قيد التشكل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك