في الوقت الذي تستنزف فيه الحرب الروسية الأوكرانية موارد موسكو البشرية والاقتصادية، تكشف صور الأقمار الصناعية وتحليلات استخباراتية أوروبية عن عملية إعادة بناء عسكرية واسعة النطاق على طول الحدود الممتدة من القطب الشمالي حتى بحر البلطيق.
وتشير تحقيقات لهيئات بث اسكندنافية، بينها مؤسسات إعلامية في الدنمارك والنرويج، نُشرت اليوم الأربعاء بالتعاون مع خبراء عسكريين وضباط استخبارات سابقين، إلى أن روسيا لا تكتفي بتعويض خسائرها في أوكرانيا، بل تعيد تشكيل بنية عسكرية جديدة تمتد من الحدود النرويجية شمالاً إلى جيب كالينينغراد جنوباً، في أكبر إعادة تنظيم لقواتها في الغرب منذ عقود.
وبحسب التحقيقات، قد تتمكن موسكو بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا واستكمال خطط التوسع الجارية من نشر ما يصل إلى 115 ألف جندي من القوات البرية على طول حدودها الغربية المواجهة لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
صور الأقمار الصناعية تكشف التحولاستند التحقيق إلى مقارنة صور فضائية حديثة بأخرى التُقطت خلال السنوات الماضية، وكشف عن تغييرات واسعة في 19 منطقة عسكرية روسية على الحدود الغربية.
وأظهرت الصور إنشاء ثكنات جديدة ومجمعات سكنية للعسكريين وعائلاتهم، وتوسيع مستودعات الذخيرة ومرافق الصيانة والدعم اللوجستي، إضافة إلى إزالة مساحات واسعة من الغابات لإقامة منشآت جديدة وزيادة أعداد المركبات العسكرية والمعدات الثقيلة داخل القواعد.
ومن أبرز المؤشرات إعادة تشغيل قواعد ظلت لسنوات شبه مهجورة، فيما أظهرت بيانات الرصد الليلي ارتفاع النشاط البشري والعسكري في 16 موقعاً من أصل 19 موقعاً خضعت للفحص.
بيتسينغا.
رأس الحربة قرب النرويجتُعد منطقة بيتسينغا، في مقاطعة مورمانسك الروسية، أبرز نقاط التوسع العسكري الجاري، إذ تقع على بعد نحو 11 كيلومتراً فقط من حدود الناتو عبر النرويج.
وكانت القاعدة تستوعب نحو سبعة آلاف جندي، إلا أن أعمال البناء الحالية تشير إلى رفع قدرتها إلى ما بين 14 ألفاً و17 ألف جندي.
كما أظهرت الصور إنشاء سبعة مجمعات سكنية جديدة، بينها خمسة مبانٍ تضم 180 شقة للعسكريين وعائلاتهم.
ورُصدت كذلك مئات المركبات العسكرية الجديدة داخل مناطق التخزين والصيانة، ما يعزز الاعتقاد بأن المنطقة تتحول إلى مركز عمليات رئيسي لحماية الأسطول الشمالي الروسي وقوات الردع النووي في القطب الشمالي.
من كاريليا إلى كالينينغراد.
توسّع على امتداد الجبهة الغربيةلا يقتصر التوسّع العسكري الروسي على منطقة بيتسينغا في أقصى الشمال، بل يمتد على طول الحدود الغربية.
ففي منطقة كاريليا المحاذية لفنلندا، كشفت الصور الفضائية عن بناء مقر جديد للفيلق الرابع والأربعين الروسي قرب بيتروزافودسك، يُتوقع أن يستوعب أكثر من خمسة آلاف جندي.
كما أظهرت إزالة نحو كيلومتر مربع من الغابات لإقامة معسكرات ومنشآت عسكرية جديدة، بالتزامن مع وصول أكثر من 150 مركبة عسكرية إلى المنطقة بعد سنوات من تراجع النشاط، فيما تشير وثائق محلية إلى إنشاء بنية تحتية دائمة تدعم انتشاراً طويل الأمد.
أما في جيب كالينينغراد الروسي بين بولندا وليتوانيا على سواحل بحر البلطيق، فيجري توسيع وحدة رئيسية من لواء يضم نحو ثلاثة آلاف جندي إلى فرقة قد يتجاوز قوامها سبعة آلاف جندي، مع رصد مئات المركبات العسكرية الجديدة داخل القاعدة الساحلية قرب بالتييسك، في موقع استراتيجي يشرف على بحر البلطيق، ويقع بالقرب من ممر سوالكي الحيوي لدول البلطيق، حيث تنشر موسكو صواريخ إسكندر القادرة على الوصول إلى مدن اسكندنافية.
ويرى الخبراء الذين تحدثوا إلى التلفزيون النرويجي والدنماركي أن هذه التحركات تعكس تحولاً أوسع في هيكل القوات الروسية، يتمثل في الانتقال من نموذج الألوية إلى الفرق العسكرية.
فبينما يضم اللواء الروسي عادة نحو 4500 جندي، يمكن أن تضم الفرقة ما بين 10 آلاف و15 ألف جندي مع قدرات قتالية ولوجستية مستقلة، وهو ما يُنظر إليه من قبل هؤلاء الخبراء باعتباره استعداداً لعمليات عسكرية واسعة وطويلة الأمد على الحدود الغربية.
تأتي هذه التحركات ضمن خطة بوتين منذ 2022 لرفع قوام الجيش إلى 1.
5 مليون وإعادة الهيكلة، مع استفادة من خبرات أوكرانيا.
وتتابع دول الشمال التطورات بقلق؛ إذ ترفع النرويج قوام لواء فينمارك (شمال) إلى 3-5 آلاف، بينما عززت فنلندا والسويد تعاونهما بعد الانضمام للناتو.
وتتوقع تقديرات أوروبية أن روسيا قد تحتاج 2-5 سنوات لاستعادة قدرات هجومية واسعة، مع تقديرات للاستخبارات العسكرية الدنماركية تشير إلى سيناريوهات تدريجية: حرب محدودة خلال ستة أشهر، إقليمية خلال عامين في البلطيق، وواسعة في أوروبا خلال خمس سنوات.
وقال وزير الخارجية لارس لوك راسموسن إنه قلق من التطورات الأمنية، داعياً إلى التعامل معها بجدية، ومشيراً إلى أن الوضع الأمني في أوروبا قد تغير جذرياً، مع تأكيده في الوقت نفسه أن تفوق أوروبا وحلف الناتو اقتصادياً وعسكرياً يمنح قدرة على مواجهة التحديات.
من جهتها، قالت رئيسة الحكومة الدنماركية، ميتا فريدركسن، عقب قمة بلطيقية - شمالية، أمس الثلاثاء، إن روسيا أصبحت" أكثر عدوانية"، وتمارس ضغوطاً متزايدة على دول البلطيق وفنلندا، ووصفت الوضع بالخطير.
وأضافت أن التصور الغربي القائم على احتمال التراجع تحت الضغط لا ينطبق على موسكو، التي قد تميل إلى التصعيد، بما في ذلك عبر هجمات بطائرات مسيّرة وعمليات هجينة دون مواجهة مباشرة.
تنفي موسكو أي نوايا هجومية تجاه أوروبا أو دول الناتو، مؤكدة أن تحركاتها العسكرية ذات طابع دفاعي لمواجهة ما تصفه بتوسع الحلف قرب حدودها، وأن انضمام فنلندا والسويد وتزايد الوجود العسكري الغربي في الشمال يفرض إجراءات لضمان أمنها القومي.
كما رفضت سفارة روسيا في كوبنهاغن قراءة ما يجري خارج سياق الأمن القومي الروسي.
في المقابل، لا ترى التحقيقات الأوروبية أن حرباً وشيكة باتت محتملة، لكنها تشير إلى تحول متسارع في ميزان القوى بشمال أوروبا، مع استمرار روسيا في توسيع قواعدها وتشكيلاتها، مستفيدة من اقتصاد موجّه للمجهود الحربي، مقابل بطء نسبي في خطط إعادة التسلح الأوروبية.
وبينما تصر موسكو على الطابع الدفاعي لتحركاتها، ترى أجهزة استخبارات شمال أوروبية أن حجم إعادة البناء يتجاوز الدفاع التقليدي، ما يضع أوروبا الشمالية أمام مرحلة أمنية أكثر حساسية منذ نهاية الحرب الباردة، مع تصاعد أهمية الحدود الممتدة من القطب الشمالي إلى بحر البلطيق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك