في كل حرب صورة تختصر المأساة أكثر مما تفعل آلاف التقارير.
صورة لا تحتاج إلى شرح طويل، لأنها تنفذ مباشرة إلى القلب، وتضع الإنسان أمام السؤال الأول: إلى أين يمكن أن يصل الخوف؟ وإلى أي حدّ يمكن أن تنحدر الكرامة البشرية، حين يصبح البقاء هو الهم الوحيد؟في المشهد المتداول، يظهر جندي يرتدي ملابس امرأة داخل منزل لبناني اقتحمه للتو.
قد يرى البعض في الصورة حدثاً عابراً يمر بين الأخبار الكثيرة التي تتزاحم فوق شاشاتنا، لكنني حين تأملت الصورة طويلاً، لم أر الجندي وحده، رأيت المرأة الغائبة، رأيت صاحبة الثوب، رأيت البيت الذي لم يعد بيتاً، ورأيت الخزانة المفتوحة على عجل، كأن أحدهم انتزع منها أسرار سنوات كاملة.
لطالما كانت الملابس أكثر من مجرد قماش.
إنها الذاكرة التي تلامس الجسد.
إنها رائحة الأيام التي تبقى عالقة في الأكمام.
إنها المناسبات الصغيرة والكبيرة التي تحفظها الأزرار والطيّات والخيوط.
في بلادنا، لا تدخل المرأة إلى خزانتها لتختار ثوباً فقط، إنما لتفتش عن جزء من حياتها.
هناك فستان ارتدته يوم خطوبتها، وآخر اشترته بعد ولادة طفلها الأول، وثالث احتفظت به لأنها كانت تبدو جميلة فيه ذات مساء.
لهذا السبب، فإن اقتحام خزانة امرأة ليس اقتحاماً لخزانة، هو اقتحام لذاكرتها أيضاً.
أفكر في صاحبة ذلك الثوب، أين هي الآن؟ هل نزحت مع أطفالها تحت أصوات القصف؟ هل تحمل حقيبة صغيرة لم تتسع إلا للأوراق الثبوتية وبعض الأدوية؟ هل تعلم أن أحد الغرباء دخل غرفتها، وفتح أبواب حياتها الخاصة، وعبث بأشيائها التي كانت تظن أنها آمنة خلف الجدران؟في الحروب، تسرق المسافات الآمنة التي يحتاجها الإنسان ليشعر بأنه ما زال إنساناً.
البيت ليس سقفاً وأربعة حيطان.
هو المكان الوحيد الذي نخلع فيه أقنعتنا، المكان الذي نضع فيه أحزاننا على الطاولة دون خوف، المكان الذي نترك فيه صور أمهاتنا على الجدران، ورسائل أحبائنا في الأدراج، وملابسنا معلقة كما لو أنها جزء من أجسادنا.
وحين يقتحم البيت، يشعر الإنسان كأن روحه نفسها قد تعرضت للاقتحام.
ما يؤلم في هذه الصورة ليس الثوب بحد ذاته، إنما الشعور بالاستباحة الذي تحمله.
ذلك الإحساس المرير بأن كل ما هو شخصي يمكن أن يتحول فجأة إلى مشهد عام.
وأن أشياءك الحميمة قد تصبح مادة للعبث أو التهكم أو الاستعراض أمام الكاميرات.
أتذكر نساء كثيرات عرفتهن في لبنان خلال سنوات الحرب.
كانت إحداهن تقول إن أكثر ما أحزنها بعد تهدم منزلها لم يكن فقدان الأثاث أو الذهب، بل فقدان خزانتها.
لم أكن أفهم يومها ما تعنيه تماماً.
لكنها شرحت لي لاحقاً أن الخزانة كانت تحفظ تاريخها الشخصي.
كانت تضم رسائل زوجها، وصور أطفالها، وبعض الثياب التي لم تعد ترتديها لكنها لم تستطع التخلي عنها.
قالت يومها جملة لم أنسها: «حين ضاعت خزانتي شعرت أن سنوات عمري كلها أصبحت بلا عنوان.
»الحروب تفعل ذلك.
إنها لا تكتفي بهدم الأبنية، إنما تهدم أيضاً التفاصيل التي تمنح الحياة معناها.
التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في نشرات الأخبار.
لا أحد يعد عدد الدمى التي ضاعت تحت الركام.
لا أحد يحصي الرسائل التي احترقت.
لا أحد يسأل عن الفساتين التي كانت تنتظر مناسبة سعيدة لن تأتي.
وربما لهذا السبب أشعر أن هذه الصورة أكبر من شخص يرتدي ثوباً نسائياً.
إنها صورة عن اختلال العالم كله، عن اللحظة التي يصبح فيها القوي قادراً على تحويل خصوصية الآخر إلى مشهد للتسلية أو الاستعراض.
عن اللحظة التي تفقد فيها الأشياء معناها الأصلي، فيتحول الثوب من رمز للأنوثة والدفء والبيت إلى رمز للاستباحة والانتهاك، لكن وسط كل هذا الظلام، ثمة حقيقة لا تستطيع الحروب تغييرها، فالبيت يمكن أن يهدم، لكنه لا يمحو صاحبه، الخزانة يمكن أن تنهب، لكنها لا تمحو الذكريات، والثوب يمكن أن ينتزع من مكانه، لكنه لا ينتزع حياة المرأة التي ارتدته يوماً.
لقد مرت على منطقتنا حروب كثيرة.
جيوش جاءت وجيوش رحلت.
احتلالات ظنت أنها باقية إلى الأبد ثم اختفت.
لكن الناس ظلوا هنا.
ظلوا يحملون أسماءهم ولهجاتهم وأغانيهم وحكاياتهم.
ظلوا يعيدون بناء البيوت حجراً فوق حجر، ويزرعون الورد أمام الأبواب التي حطمت، ويعلمون أطفالهم كيف يحبون الحياة، رغم كل شيء.
ربما يظن البعض أن القوة تكمن في القدرة على اقتحام منزل، لكن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على العودة إليه بعد الخراب.
في القدرة على تعليق ثوب جديد في خزانة جديدة، والإيمان بأن الحياة تستحق أن تعاش مرة أخرى.
لهذا لا أرى في هذه الصورة انتصاراً لأحد.
أراها دليلاً على مدى هشاشة الإنسان حين تسمح له الحرب بأن ينسى إنسانية الآخرين.
وأراها أيضاً شهادة على صمود أولئك الذين تقتحم بيوتهم كل يوم، لكنهم ما زالوا يحلمون بالعودة إليها.
سيبقى الثوب ثوب امرأة، مهما ارتداه الغرباء، وسيظل البيت بيت أصحابه، مهما دخله العابرون.
أما الذكريات، فهي الشيء الوحيد الذي تعجز الجيوش كلها عن مصادرته.
وفي النهاية، ربما لا تكمن مأساة الحروب في عدد القتلى وحده، بل في تلك اللحظات الصغيرة التي تكشف لنا كيف يمكن للعالم أن يفقد بوصلته الأخلاقية.
لحظات تجعلنا ندرك أن الخراب الحقيقي لا يصيب الحجر فقط، إنما يصيب الروح أيضاً.
ومع ذلك، تبقى الروح قادرة على النهوض.
فما تكسره الحروب أحياناً تعيد الذاكرة ترميمه، وما تسرقه القوة يسترده الإنسان بالصبر، وما ينتزع من الخزائن يبقى محفوظاً في القلب، حيث لا يستطيع أحد أن يقتحم شيئاً.
في زمن الحروب، لا تقاس الشجاعة دائماً بعدد البنادق أو حجم الجيوش.
أحياناً تختبئ الشجاعة في أفعال صغيرة تبدو عادية للوهلة الأولى، رجل يقود سيارته في طريق ترابي مهجور ليتفقد مزرعته، أو يعود إلى أرضه رغم التهديدات، أو يرفض أن يترك الكائنات التي ائتمنته على حياتها.
في الأيام الأخيرة، تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوراً لشاب لبناني يتوجه إلى مزرعته لتفقد حيواناته، رغم المخاطر المحيطة.
وبينما كانت الكاميرا تلتقط الطريق الترابي المحاط بالأشجار، ظهرت الحيوانات تتقدم نحوه كأنها تعرف صاحب المكان وتنتظر وصوله.
لم يكن المشهد استثنائياً من حيث الصورة، لكنه كان عميقاً من حيث الدلالة.
ففي عالم يزداد قسوة يوماً بعد يوم، يصبح التمسك بالحياة فعلاً من أفعال المقاومة.
لفتتني عبارة قالها الشاب: ما بعرف شو مصيرنا أنا والحيوانات!لم يتحدث عن نفسه منفرداً، ولم يفصل مصيره عن مصير الكائنات التي يرعاها.
بدا وكأنه يتحدث عن عائلة واحدة تواجه المجهول معاً.
فالعلاقة بين الإنسان والحيوان ليست مجرد رعاية أو منفعة متبادلة.
إنها، في كثير من الأحيان، علاقة وفاء صامت.
الحيوانات لا تسأل عن الهوية ولا الانتماء ولا المعتقدات.
كل ما تطلبه هو الأمان والقليل من الرعاية، ثم تمنح صاحبها ثقة كاملة يصعب العثور على مثيل لها في عالم البشر.
ولعل الحروب تكشف هذه الحقيقة أكثر من أي وقت آخر.
فعندما يهرب الناس من الخطر، تبقى الحيوانات عاجزة عن فهم ما يجري حولها.
إنها لا تعرف معنى الصواريخ ولا بيانات السياسيين ولا خرائط النزاعات.
تعرف فقط أن هناك إنساناً اعتادت حضوره كل صباح، وأنها تنتظر عودته.
لهذا يصبح قرار البقاء إلى جانبها، أو العودة إليها رغم المخاطر، قراراً أخلاقياً قبل أن يكون قراراً شخصياً.
لقد اعتدنا في منطقتنا العربية أن نقرأ يومياً أخبار الدمار والخسائر والنزوح.
لكننا نادراً ما نتوقف عند القصص الصغيرة التي تروي وجهاً آخر للحياة وسط كل هذا الخراب، قصص أشخاص يتمسكون بتفاصيلهم اليومية كأنهم يدافعون عن آخر ما تبقى من إنسانيتهم.
فالمزارع الذي يعتني بأرضه في زمن الخوف لا يحافظ على محصول فحسب، إنما يحافظ على فكرة الاستمرار نفسها.
والإنسان الذي يطعم الحيوانات وسط الأزمات لا ينقذها وحدها، هو ينقذ جزءاً من روحه أيضاً.
وأنا أشاهد ذلك الطريق الترابي الممتد بين الأشجار، تذكرت أن الأوطان لا تختصر بالحدود السياسية وحدها.
هناك أوطان صغيرة يحملها الناس داخل قلوبهم مثل بيت قديم، شجرة زرعوها بأيديهم، مزرعة أمضوا سنوات في بنائها، أو مجموعة حيوانات أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية.
حين يجبر الإنسان على مغادرة هذه الأمكنة يخسر جزءاً من ذاكرته ومن تعريفه لنفسه.
ربما لهذا السبب لامس الفيديو مشاعر كثيرين.
لم يكن مجرد قصة عن مزرعة أو حيوانات، بل قصة عن التمسك بما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش.
قصة عن أشخاص يرفضون أن تسمح لهم الظروف القاسية بالتخلي عن الرحمة.
وفي زمن تتصدر فيه مشاهد العنف نشرات الأخبار، يبدو مشهد بسيط لرجل يتفقد حيواناته وكأنه تذكير ضروري بأن العالم لم يفقد إنسانيته بالكامل بعد.
فالحروب، مهما كانت قاسية، لا تستطيع أن تلغي غريزة العناية بالآخر.
ولا تستطيع أن تمنع إنساناً من العودة إلى أرض يحبها أو إلى كائنات تشاركه أيامه.
لهذا لا تبدو قصة ذلك الشاب اللبناني درساً صغيراً في الوفاء، وفاء للأرض، ووفاء للكائنات الأضعف، ووفاء لفكرة بسيطة، لكنها جوهرية بأن الرحمة ليست ترفاً يمكن الاستغناء عنه في أوقات الأزمات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك