لم تعد سرقة المستوطنين لمواشي الفلسطينيين في الضفة الغربية تقتصر على السطو المباشر، بل باتت تُنفذ بأساليب أكثر تعقيداً، من بينها استخدام شرائح إلكترونية تُزرع داخل المواشي.
قبل نحو شهر، خرج الفلسطيني حسن زبدي (45 سنة) من خيمته بأحد مضارب البدو في الأغوار الوسطى في الضفة الغربية، متجهاً نحو حظيرة أغنامه التي تضم نحو 200 رأس، والتي تعد مصدر رزقه الأساسي، ليفاجأ بوصول مستوطنين رفقة جنود من جيش الاحتلال إلى المكان، وقيامهم بتفتيش القطيع بزعم وجود" أغنام مسروقة".
يقول زبدي لـ" العربي الجديد": " لاحظت أن المستوطنين يستخدمون أجهزة إلكترونية لفحص الأغنام، مدعين أن شرائح رقمية مزروعة داخلها تثبت ملكيتهم لها.
خلال ساعات، وجدت نفسي متهماً بسرقة أغنام أملكها، بينما قام جنود الاحتلال بمصادرة كامل القطيع، ونقله إلى إحدى المستوطنات القريبة.
لم أستوعب ما جرى حتى الآن، ولم تنجح كل محاولاتي اللاحقة في استعادة أغنامي، رغم اللجوء إلى محامين ومؤسسات حقوقية، ما تركني بلا مصدر دخل بعدما خسرت كل ما أملك".
وليست قصة الفلسطيني حسن زبدي حادثة معزولة، بل تكشف عن نهج جديد يتبعه المستوطنون للاستيلاء على الثروة الحيوانية الفلسطينية في الضفة الغربية، خاصة في مناطق الأغوار والتجمعات البدوية المستهدفة بالتهجير، عبر زرع شرائح إلكترونية داخل الأغنام والمواشي، ثم تسريبها أو بيعها بأسعار منخفضة داخل الأسواق الفلسطينية، قبل اقتحام مزارع الفلسطينيين واتهامهم بسرقتها، ما يتيح مصادرة القطيع بأكمله تحت حماية جيش الاحتلال، وفق شهادات حقوقية.
ويقول مدير مركز القدس للمساعدة القانونية، عصام العاروري لـ" العربي الجديد": " لم تعد اعتداءات المستوطنين تقتصر على مهاجمة الفلسطينيين، أو محاولة السيطرة على الأراضي، بل تطورت إلى عمليات سرقة منظمة للمواشي باستخدام وسائل حديثة، وأساليب مخطط لها مسبقاً".
ويضيف: " يزرع المستوطنون رقائق إلكترونية داخل بعض الأغنام، ثم يعملون على إدخالها إلى السوق بأسعار متدنية، وبعدها يتقدمون ببلاغات إلى جيش الاحتلال أو الشرطة الإسرائيلية يزعمون فيها سرقتها".
ويؤكد العاروري أن" المستوطنين يستخدمون تلك الشرائح لتحديد مواقع الأغنام لاحقاً، ثم يدهمون الحظائر الفلسطينية رفقة جيش الاحتلال، وحينها يتم الاستيلاء على كامل القطيع الموجود داخل الحظيرة، وليس الأغنام التي تحمل الشرائح وحدها.
هذه العمليات لا يمكن أن تتم من دون وجود أطراف متواطئة في السوق، وعلى الجهات الفلسطينية التحرك لكشف شبكات التهريب، ومنع استخدام تلك الوسيلة لنهب الثروة الحيوانية الفلسطينية".
ويحذر الحقوقي الفلسطيني المواطنين والتجار من شراء أغنام مجهولة المصدر، أو تُباع بأسعار منخفضة، مشدداً على أن" سرقة أغنام من داخل مستوطنات محاطة بالكاميرات والأسوار الأمنية أمر شبه مستحيل، ما يعني أن الروايات الإسرائيلية حول الأغنام المسروقة غالباً ما تكون جزءاً من مخطط معد مسبقاً.
جيش الاحتلال يشارك في بعض عمليات الاستيلاء على القطعان، ويظهر الجنود خلال الاقتحامات وهم يساعدون المستوطنين في نقل الأغنام".
ويدعو العاروري إلى توثيق هذه الجرائم وتحويلها إلى ملفات قانونية وإعلامية يمكن استخدامها مستقبلاً أمام المحاكم الدولية.
ويستعيد حادثة وثقها مركز القدس للمساعدة القانونية قبل سنوات، في منطقة عين سامية شرق رام الله، حين اقتحم مستوطن إحدى الحظائر البدوية مدعياً البحث عن أغنام مسروقة، ويومها سمح له السكان بالدخول لإثبات عدم وجود أغنام تعود له، لكنه عمد إلى تصوير بعض رؤوس الأغنام داخل الحظيرة قبل أن يغادر المكان، وبعد وقت قصير عاد مع الشرطة الإسرائيلية مدعياً أن الصور التي التقطها تثبت ملكيته للأغنام، وانتهت الحادثة بتهجير العائلة البدوية من المنطقة بعد تعرضها للتهديد بالمصادرة والسجن.
من جانبه، يرى الباحث في شؤون الاستيطان بمركز أبحاث الأراضي، رائد موقدي، أن تصاعد الهجمات على رعاة الأغنام في الأغوار يأتي ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الفلسطينيين.
ويقول لـ" العربي الجديد"، إن" المستوطنين ينفذون عمليات سرقة واسعة النطاق لقطعان الأغنام والأبقار أثناء الرعي، بالتزامن مع اعتداءات يومية تشمل الضرب والتخريب وقطع مصادر المياه ومنع الوصول إلى المراعي".
ويؤكد موقدي أن" أهداف المستوطنين تتلخص في أمرين أساسيين؛ الأول هو بث الرعب في صفوف الرعاة والمزارعين، ومنعهم من استغلال المراعي البرية، والثاني دفعهم إلى الرحيل عبر إلحاق خسائر اقتصادية فادحة بهم".
ويشير إلى أن" عدداً من كبار مربي المواشي اضطروا بالفعل إلى نقل قطعانهم إلى مناطق بعيدة، أو استئجار حظائر مغلقة، ما يرفع تكاليف التربية، ويهدد استمرار هذا القطاع الحيوي".
وبحسب معطيات منظمة البيدر المختصة بتوثيق اعتداءات المستوطنين، فقد سُرق أكثر من 12 ألف رأس من الماشية خلال عام 2025، إضافة إلى نحو 1500 رأس منذ بداية عام 2026.
كما توثق مؤسسات حقوقية اعتداءات متكررة تشمل إحراق الحظائر، وتسميم المياه، وسرقة الأعلاف، والاعتداء الجسدي على الرعاة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك