من كثرة ارتباط صبري نخنوخ بالأفراح وبالليالي الملاح، وخصوصاً في شارع الهرم، وارتباطه بأهل الغناء واللحن وصنّاع الفنّ والقفزات الموسيقية وأهل الموشّحات والطرب والطقاطيق، علّه قد ظنّ نفسه من العارفين بتلك المهنة ودهاليزها ودروبها الوعرة، فظنّ أنّ شارع الهرم وحده كان كفيلاً بتعلّمه المقامات والألحان كافّة، وهي مهنة دفع فيها الكبار من قبله أعمارهم في قراءة الشعر وتذوّقه ودراسة أوتار العود أمثال زرياب وإبراهيم وإسحق الموصلّي، والصحبة وحدها غير كافية لمعرفة مرامي اللحن ومتى يكون، وكيف يُنجز، والمهنة في الأصل لها حرّاسها وخدمها ومغاويرها، فظنّ نخنوخ أنّ البنية القوية وحدها قادرة على صياغة الجملة الموسيقية في اللحن المطلوب، وأنّ آلات الإيقاع والطبلة والدف وحدها قادرة على صياغة اللحن على" فلاشة" في أيّ وقت.
بالطبع، لنخنوخ أدوات أخرى أجاد فيها مثل تربية اليمام وعصافير الجنّة ومجموعة الفراشات والورود والعنادل والغزالات الصغيرات التي يقتنيها في منازله وحدائقه، وهذا وحده كان كفيلاً، في أيّ وقت، بوصف الرجل بالشاعرية وخدمة الفراشات والزهور في جميع أنحاء المعمورة، حتّى أوصلته إلى جبال لبنان وسويسرا، ما جعله أميناً مؤتمناً على سرّ سيارات نقل الفلوس في" زكائب" (أكياس) من المصارف وإليها، وقد نجح الرجل نجاحاً باهراً في ذلك، وذلك بفضل مساعديه من أصحاب العضلات، ووصل الأمر بأحد أفراد حرسه الشخصي إلى أكل خروف كامل في وجبة واحدة، وذلك كما ذكر شهود عيان وأهل الحضرة والصفوة لديه، وبأنّ نخنوخ أيضاً، من كرمه الحاتمي يذبح عجلَين في كلّ يوم لمعاونيه، فما بالك بيوم قد قرّر فيه نخنوخ مثلاً أن يعدّ لحناً من ألحانه.
وبالطبع، تطاوع الآلات أحياناً العازف، وأحياناً تمكر أو تحرن أو ينقطع ذلك الوتر الصعب من العود أو يتعطّل البيانو بفعل فاعل.
التلحين في بلادنا من الأمور الصعبة والمكلفة أيضاً، والرجل يخاف على الجزء اليسير من صحّته، وهو صاحب أمراض عديدة يعلمها الله، ولذا خرج بعفو صحّي رئاسي، كي ينهي بقية ألحانه المعلّقة والمركونة في جعبته للوطن.
والوطن بالطبع يحتاج إلى هذه الأنامل الناعمة الرشيقة في كتابة النوتة الموسيقية، والرشيقة أيضاً في تلك الضربات الحانية على مفاتيح البيانو.
إذن، الرجل بمثابة ثروة قومية، بشهادة المطرب الشعبي سعد الصغير، الذي ذكر أنّ نخنوخ رجل خير وبركة على المشتغلين بالفنّ، وهداياه لا تبدأ بغزالة أو فراشة من سويسرا أو قمرية من لبنان كانت تشرب العسل في الجبل، بل تمتدّ أفعال الخير إلى أن يهدي الفنّان أو الفنّانة أسداً صغيراً طرياً، بما أنّه يمتلك خلية تخصيب للأسود والثعابين أيضاً.
إذن الرجل يقوم بأعمال وزارة الزراعة، وهو أيضاً وزير داخلية الشارع، ويأخذ من الظالم ويعطي المظلوم، وإذا ضاق به الحال ذهب إلى الكنيسة وبكى، فماذا يطلب الناس بعد هذا من نخنوخ؟ حتّى لو كانت مظلوميته مليوناً أو مليونَين، فلا يضطر صاحب المظلمة إلى الدوران حول أسوار المحاكم والنيابات وأقسام الشرطة ويضيّع وقته، فيكفي، كما قال سعد الصغير، أن يمسك نخنوخ الظالم ويقرّبه من باب أسده الجائع ويقول له: " هتجيب المليون ولا هتدخل القفص؟ "، فيدفع الظالم المليون من الشنطة و" يشيل" المظلوم المليون في حجره من شدة الفرح، وتنتهي القضية في الحال ويعود الجميع إلى الحفلة.
فنحن أمام وزارة عدل في زمن القضايا التي تطول، فهو يوفّر على الدولة وقلم النيابة سنوات من الجهد والعرق والمال، وفي المساء يعود الرجل إلى شارع الهرم كي يوفّر الأمن والأمان لأصحاب المواهب الواعدة.
وكما ذكرت الأنباء فور القبض عليه، أنّ نخنوخ، وإن كان يمتلك الأسلحة الثقيلة والثعابين التي يقترب طول واحدها من خمسة أمتار أو أكثر، علاوة على أسود ولبؤات عالية الخصوبة، ويقترب أيضاً في الفلوس من المليارَين، ويأخذ الحقوق من المفترين للضعفاء، ما يريح الهيئات القضائية، ويوفّر للحكومات الجهد والمال والصحّة، إلا أنّه يقدّم الأضاحي أيضاً، ويعين الأرامل على عثرات الزمان، وكلّ أهل الفنّ والطرب على معرفة بنخنوخ، حتّى" الراحل أمح الدولي" أيضاً كان يعامله نخنوخ كطفل كما أشارت الصور، واختتم سعد الصغير بقوله: " اتركوا رجل الخير لفعل الخير"، وقد تتركه الحكومة لفعل الخير كما قال الصغير، حتّى وإن خرج نخنوخ عن قواعد اللحن وتمرّد عليه، ولكن من يضمن لنا ألّا تتدخّل دول إقليمية في الأمر، إن لم يكن حفظاً للأمن والأمان، ولكن حمايةً لأهل الفنّ وصيانةً للألحان في بقية النوتات الموسيقية التي برع فيها، وهي بالطبع محاطة بسرّية في صناديق كبيرة من الأبنوس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك