تعود قضية اللاجئين الفلسطينيين إلى طبيعة الحركة الصهيونية العدوانية ومشروعها الاقتلاعي الإحلالي، إذ بنت مشروعها على أساس عمليتَي تهجير متعاكستين.
الأولى، تهجير لليهود من كلّ بقاع الأرض إلى فلسطين.
والثانية، تهجير لسكّان فلسطين إلى خارجها من أجل إقامة دولة لليهود على حساب السكّان الأصليين للبلاد.
على هذه الخلفية، أخذت الحركة الصهيونية تستقدم موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، خصوصاً بعد وعد بلفور الذي عزّز الاستيطان اليهودي في فلسطين بوتائر عالية، ما أفسح المجال لتزايد عدد السكّان اليهود بنسب مرتفعة في فلسطين على حساب السكّان العرب.
ومع الوصول إلى 1948، كان حجم الاستيطان اليهودي قد سمح للحركة الصهيونية بإعلان دولة إسرائيل، وترافق هذا الإعلان مع مجازر جماعية ارتكبتها العصابات الصهيونية في مدن وقرى فلسطينية عديدة، وكان لهذه المجازر دورها في تفريغ الأرض من السكّان العرب وقد ترافقت مع سياسة الطرد الجماعي التي اعتمدتها العصابات الصهيونية للخلاص من الأغلبية العربية في الأرض الفلسطينية.
نتج من عملية الاقتلاع التي اعتمدتها الحركة الصهيونية تهجير 800 ألف فلسطيني من أرضهم إلى خارج فلسطين، توزّعوا على البلدان العربية المجاورة، وسكنوا في مخيّمات اللاجئين في أوضاع غير إنسانية، أوجد هذا ما عُرف بمشكلة اللاجئين الفلسطينيين المستمرّة منذ عام النكبة 1948.
بعد النكبة، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 194 القاضي بعودة اللاجئين إلى ديارهم، من دون أن يعود أيّ شخص من هؤلاء المطرودين من أرضهم.
كما كانت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين جزءاً من عملية المفاوضات التي أطلقتها الولايات المتحدة في مؤتمر مدريد للسلام في 1991، بعيداً من القرارات الدولية، وهدفت إلى إيجاد حلول وصيغ مقبولة من الأطراف المعنية ضمن ما سمّيت قضايا" الحلّ النهائي" التي سرعان ما انفجرت مشكلات متفاقمة، بينما بقي المسار عالقاً في الاتفاقات الانتقالية التي قضمتها اسرائيل ورتبتها بما يحقّق مصالحها على حساب الفلسطينيين.
أن تبقى مشكلة اللاجئين قائمةً نحو ثمانية عقود، كما حال اللجوء الفلسطيني، لهو شيء يفوق الخيال.
فمن وُلِد بعد النكبة في المنافي الفلسطينية يبلغ نحو 77 عاماً، وهذا يعني أجيالاً من اللاجئين الفلسطينيين ولدوا في المنافي، وورثوا وجوداً ناقصاً في أماكن وجودهم الحالية، وهو ما جعلهم لا يعرفون ما هو الوضع الطبيعي لحياة البشر.
فليس من السهل أن تولد لأبوين لاجئين، وأن تبقى طوال حياتك لاجئاً، تتزوّج لاجئةً وتنجب لاجئين.
في سورية، كما في بلدان عربية، " يحبّون القضية الفلسطينية ولا يحبون الفلسطينيين"واحدة من المفارقات فوق الطبيعية التي تُصوّر بؤس حياة اللاجئين، وسخرية القدر التي تتلاعب بهم، حصلت معي شخصياً.
عندما بلغ ابني المولود في 1991 من العمر 14 عاماً، ذهبنا إلى الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب في مخيّم اليرموك للحصول على بطاقة إقامة مؤقّتة، وكان عليّ أن أملأ استمارة للحصول على هذه الوثيقة (الخطيرة! ) التي مهمّتها التعريف بشخص اللاجئ الفلسطيني.
في الاستمارة التي كان علينا تقديمها، هناك خانة تطلب تبيان تاريخ لجوء مُقدِّم الطلب.
احترت بأمر هذه الخانة، ولم أعرف ما أكتبه فيها.
ذهبت الى المدير، وكنت على معرفة به، وسألته: " ماذا أكتب في هذا الخانة؟ ".
أجابني: " اكتب 1948".
صدمني الجواب.
قلت: " يا رجل، أنا أبوه لم أكن ولدت بعد، معقول هذا الطفل لجأ إلى سورية، حتى قبل أن يولد أبوه؟ "، قال مخففاً وقع الصدمة: " كلها استمارة، لا تكبّرها".
أخذت بنصيحته، وكتبت، ما قاله لي الرجل، إنّ ابني المولود في العام 1991 قد لجأ إلى سورية في العام 1948، أي قبل ولادته بـ43 عاماً، وقبل ولادتي بـ16 عاماً، كتبت مجبراً ما يتناقض مع أبسط قواعد العقل.
كثير من هذه المفارقات عاشها اللاجئون الفلسطينيون في بلدان اللجوء، ولم تقف حياتهم عند المفارقات.
وفي مستوى آخر من حياة اللاجئين الفلسطينيين، أعتُبروا خطراً على البلد الذي يعيشون فيه، وحُمّلوا مسؤولية قضايا كُبرى لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
حدث هذا في لبنان حيث حرم الفلسطيني من ممارسة نحو 80 مهنة، وعدّهم لبنانيون سبباً للحرب الأهلية.
ودفع الفلسطينيون في لبنان ثمناً كبيراً لاغتيال الرئيس بشير الجميل، مذبحةً من أبشع المجازر في مخيمي صبرا وشاتيلا.
وعندما احتلّ العراق الكويت، حُمّل الفلسطينيون هناك مسؤولية الموقف الفلسطيني الذي اتخذه ياسر عرفات بجانب صدّام حسين، وطُرد نحو نصف مليون فلسطيني عاشوا في الكويت عقوداً.
وبعد سقوط نظام صدام حسين في العام 2003، اعتبرت أطراف عراقية طائفية اللاجئين الفلسطينيين في صفّ صدام حسين، رغم أن هؤلاء الطائفيين لا وزن عددياً لهم بالنسبة إلى تعداد العراقيين.
المجازر التي ارتكبها هؤلاء بحق الفلسطينيين دفعتهم إلى الهروب من العراق.
الفلسطينيون في كلّ مكان هم الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشةً في مختلف أماكن عيشهمفي سورية، ليس وضع اللاجئين الفلسطينيين أفضل حالاً، والكلام عن معاملة الفلسطينيين معاملة السوري يفتقر إلى المصداقية، وهو مجرّد كلام دعائي سوري، وتقيّة فلسطينية.
إذ عومل الفلسطينيون على الدوام عبر البوابة الأمنية.
ففي سورية أيضاً، كما في بلدان عربية، " يحبّون القضية الفلسطينية ولا يحبون الفلسطينيين".
منذ البداية، حمّلت بثينة شعبان مستشارة النظام السوري الفلسطينيين في مخيم درعا مسؤولية" الأعمال التخريبية" الأولى، وكذلك فلسطينيي مخيّم الرمل في اللاذقية.
ولم تكن الحال أفضل مع محسوبين على الثورة السورية، من قوى وأفراد، اعتبروا أنّ الفلسطينيين في صفّ النظام ضدّ الثورة.
لم ينجُ الفلسطينيون من اتهامات الطرفَين، واستمرّ ذلك بعد قدوم السلطة الجديدة، فطلب مقربون منها من الفلسطينيين ألا يتدخّلوا في قضايا البلد، وإذا لم يعجبهم هذا فليغادروا، وكأنّهم يملكون ترف خيار البقاء أو المغادرة.
الفلسطينيون في كلّ مكان هم الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة في مختلف أماكن عيشهم، ويبقى الفلسطينيون في أماكن لجوئهم ضحايا قمع السلطة، ولأنّهم الطرف الأضعف، يصبحون ضحايا انتقام حتى من المستضعفين الذين يجري إقناعهم بأن الفلسطينيين هم سبب معاناتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك