مع اقتراب الإعلان عن الفائزين بجائزة كنز الجيل في دورتها الجديدة، يبرز" فرع الفنون" كمنصة مبتكرة أطلقها مركز أبوظبي للغة العربية في العام 2021، ويستعرض هذا التقرير مسيرة التميز في هذا الفرع عبر الدورات الأربع الماضية من خلال شهادات وتصريحات الفائزين.
وقد جذب فرع" الفنون" في جائزة كنز الجيل، التي الفنانين المبدعين في الفنون البصرية، وأتاح لهم دمج الأصالة بالابتكار، وترجمة الشعر النبطي إلى أعمال فنية بصرية لتقديم تجارب معاصرة في التشكيل، والخط، والموسيقى، والأفلام، وشكل الثراء الذي وصفت به أشعار الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، دافعاً كبيراً للمبدعين المرشحين في فرع" الفنون" للتعبير عن الأثر العميق الذي تركته أشعاره في وجدانهم لما تميزت به من أبعاد إنسانية عميقة حفّزت إبداعاتهم على إطلاق محاكاة فنية تعبر عن أفكار ونصوص لونية مبتكرة، وتواكب عبر الخط العربي ومختلف الفنون، قيم وجماليات أشعاره، وما حملته من مضامين مؤثرة كالدعوة إلى التمسك بالأخلاق، والفضيلة، وحب الوطن، والتعبير الصادق عن المشاعر النبيلة.
وعلى مدار الدورات السابقة ترشح إلى فرع" الفنون" فنانون من أكثر من 35 دولة حول العالم ينتمون إلى مختلف القارات، عكس إقبالهم على المشاركة اهتمامهم بالشعر النبطي، وتوثيق الترابط بين الموروث الشعري، والفنون البصرية، بهدف إحياء هذا التراث، وإظهار إبداعاتهم المبتكرة على حد سواء، فحفز مئات المبدعين على دمج الأدوات البصرية والتقنية لتحويل الكلمات والأبيات إلى أعمال فنية مبتكرة تجسّد روح الشعر النبطي ومعانيه الأصيلة، كما عكس جهود المركز في تحويل الجائزة إلى منصة ثقافية أعادت رسم الكلمة باللون، والخط، والنغم، والحركة، والصورة، لإبراز جماليات اللغة العربية، ومن ضمن تلك المئات، حصد جائزة الفرع خلال الدورات الفائزة أربعة فنانون، نالت أعمالهم تقدير اللجنة المشرفة على الجائزة التي تتصف بالشفافية والنزاهة وتعتمد معاييراً صارمة تعكس تجارب المشاركين الملهمة.
يقول الفنان الجزائري عبد القادر داوودي، الفائز في فرع الفنون بالدورة الأولى، مشبهاً قصيدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بالكنز الذي حفزه على المشاركة: " القصيدة مفعمة بأجواء روحية ومشاعر وعواطف وحكم وقيم، حفزتني على مقاربتها بخطوط عربية تتناسب وأجواء القصيدة، بكل ما فيها من شكر للخالق على نِعم العطاء، والوطن، والاتحاد، ورحلة البناء والازدهار، ونصائح لأبناء الإمارات على دوام الحمد والشكر على الإيمان والنِعم، وحثهم على ممارسة الفضيلة".
وعن كيفية مواءمته ما بين الضوابط الكلاسيكية لفن الخط، والتحرر منه، يقول داوودي: " استخدمت عدة خطوط في اللوحة: المصحفي، والمغربي، والأندلسي، وكنت استعملها بطبيعتها الكلاسيكية كجمل وحروف، لكنني اخترت حرية الابتكار في كتابة الحروف والجمل مع مراعاة توظيفها في اللوحة، قد لا تكون البدايات مقنعة من حيث الليونة والشكل، ولكن مع التكرار، ومحاولة تحسين توظيف الحروف والتراكيب أعطتني نتائج أفضل بفضل اصراري، وأنا هنا أنوّه بضرورة استثمار الوقت بالعمل على التطوير الفني والابتكار للحصول على الخبرة والتميز".
وحول تأثير القيم الجمالية لأشعار الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، على عمله الفني، يقول الفنان الأردني منتصر الحمدان، الفائز بالجائزة في دورتها الثانية: " كان للقيم الجمالية العميقة في شعر الشيخ زايد الأثر المباشر الذي انعكس على تفاصيل عملي الفني، فلغته الشعرية فيها ذات أسلوب" السهل الممتنع"، حيث استخدم مفردات نبطية أصيلة قريبة من الوجدان الشعبي، دون تعقيد لفظي، ووظّف عناصر الطبيعة والصحراء في صورها الجمالية بأسلوب يعبر عن حبه العميق وتفاعله مع تفاصيل المكان، وحاولت بدوري اقتفاء هذا الأسلوب في تنفيذ تفاصيل لوحتي، وعلى الرغم من الشعور بالمغامرة، أنجزت لوحتي بإيمان، وشاركت بها".
وحول كيفية ابتكاره لوحة حروفية تعيد صياغة جماليات القصيدة، يقول الحمدان: " عند محاولة مجاراة القصيدة الشعرية لإنتاج عمل فني (حروفي) يكون الهدف الأول تحقيق فهم شامل لمضمون النص الشعري وما يحمله من صور ومشاعر، وتجسيد ذلك بصورة لونية تتضمن عناصر العمل الفني، وكنت أمام خيارات متعددة لأن أشكال الحروف العربية الأصيلة كثيرة، والتميز أن نستخدم تلك الحروف بأشكالها الجميلة ذات النسب الفاضلة في أعمالنا الحروفية.
وهناك تجارب كثيرة فيها ابتكارات جميلة لأشكال جديدة للحرف العربي، ولعل في لوحتي الفائزة" فيها زهت الأنوار" ما يعكس ذلك، لأن أشكال الحروف فيها حديثة، وتعكس لمسات شخصية، وليست من أنواع الخطوط الكلاسيكية الشهيرة".
من جانبها تقول الفنانة المصرية نجاة سليمان، الفائزة بالدورة الرابعة: " تتصف قصائد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بجماليات عدة، وتشبيهات بلاغية وصوراً شعرية تميل إلى الخيال، لكنها تحافظ على إيقاعها وانضباطها، وتبعث في المتلقي الحنين إلى الماضي.
وقد أحسستُ من خلال مفردات قصيدة" سرت من عيني دموعي" الدافئة والمرتبطة بالبيئة الإماراتية التراثية، بأنني مدفوعة إلى مفردات بصرية عديدة تقابل مفردات القصيدة، فقد كانت محفزة لي بشدة كفنانة تشكيلية".
وتضيف سليمان: " في لوحتي الفائزة دمجت بين الرسم بالأكريليك والخيوط الملونة وقطع النسيج المختارة بعناية ضمن فن الكولاج، ومرّرت كلمات القصيدة بأسلوب" الخط العربي" مع الرموز البصرية، لأنني أردت تحويل الشعر ذاته إلى جزء بصري في اللوحة، لهذا شكّل القماش وسيلة للتعبير عن الزمن والذاكرة، عبر استخدام قطع متباينة ومتناغمة مع ربطها بالتطريز، فبات العمل الفني خريطة عاطفية تترجم التجربة في رحلة بصرية داخل الذاكرة والوجدان، حيث تتقاطع المفردات، والألوان، والخط العربي، في نسيج واحد يوحي بالأمل، والحب، والعمق، ويجسد مشهداً ينسج عالماً واسعاً من الإحساس".
وأجمع الفنانون الفائزون بجائزة" كنز الجيل" أن فرع الفنون يجمع بتناغم جميل لغة الشعر النبطي ولغة الفنون، ما منحهم الفوز بالجائزة التي شكلت منعطفاً مهماً في حياتهم الإبداعية، وأطلقتهم في فضاءات الابتكار الواسعة، وعرّفت جمهوراً عالمياً بنتاجهم الفني الذي باتوا أكثر حرصاً على تفرده، آملين أن تشكّل تجاربهم الناجحة إلهاماً للفنانين، وحافزاً لهم للترشح والمشاركة في هذه الجائزة الدولية المرموقة، التي تعكس جهود مركز أبوظبي للغة العربية في ترجمة الرؤى الإستراتيجية لإمارة أبوظبي الرائدة عالمياً في تعزيز اللغة العربية وتراثها، ودعم الإبداعات في مجالاتها وتكريمها.
كنز الجيل، جائزة أطلقها مركز أبوظبي للغة العربية في العام 2021، وهي مستلهمة من أشعار الأب المؤسس لدولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تهدف الجائزة إلى تعزيز مكانة الشعر وخاصة النبطي، وإبراز دوره مرآة للمجتمع.
وتتألف الجائزة من ستة فروع هي: المجاراة الشعرية، والفنون، والدراسات والبحوث، والإصدارات الشعرية، والترجمة، والشخصية الإبداعية.
تأسس مركز أبوظبي للغة العربية، الذي يتبع دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، بموجب قانون صادر عن رئيس الدولة لدعم اللغة العربية، ووضع استراتيجيات عامة لتطويرها والنهوض بها علمياً، وتعليمياً، وثقافياً، وإبداعياً، وتعزيز التواصل الحضاري، وإتقان اللغة العربية على المستويين المحلي والدولي، بالإضافة إلى دعم المواهب العربية في مجالات الكتابة، والترجمة، والنشر، والبحث العلمي، وصناعة المحتويين المرئي والمسموع، وتنظيم معارض الكتب، ودعم صناعة النشر في المنطقة، ولتحقيق ذلك يعتمد المركز على برامج متخصصة، وكفاءات فذة، وشراكات مع كُبريات المؤسسات الثقافية والأكاديمية والتقنية حول العالم، انطلاقاً من مقره في العاصمة الإماراتية أبوظبي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك