دارفور- في مخيم" أردمي" للاجئين السودانيين شرقي تشاد، حيث تلتقي رمال الصحراء بجدران من القش لا تصمد أمام الرياح، يجلس آلاف الأطفال على التراب يتلقون دروسهم.
لا طاولات، ولا كراسي، ولا سبورات.
يكتبون بالفحم على ألواح الكرتون، ويحفظون دروسهم بصوت عالٍ ليتغلبوا على عواصف الغبار.
هنا لم تنتظر مدارسهم مساعدات من أحد.
بنى اللاجئون فصولهم بأيديهم من القش وبقايا الخيش.
أرادوا أن يؤكدوا أن الجهل ليس قدر أطفالهم، حتى لو كان سقف المدرسة لا يحميهم من الحر والبرد.
كل قشة هنا تحكي قصة نزوح ولجوء، وكل جدار يحمل ذاكرة منزل تركوه خلفهم.
الحرب دمرت منازلهم، لكنها لم تستطع أن تهدم حلم التعليم في نفوسهم.
وفي 23 يناير/كانون الثاني 2026، نشرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة" يونيسف" تقريرا حذرت فيه من أن أكثر من 8 ملايين طفل حُرموا من حقهم في التعليم بعد مرور أكثر من ألف يوم على اندلاع الحرب في السودان.
وقالت إيفا هيندز، المتحدثة باسم المنظمة في السودان، في التقرير نفسه: " هؤلاء الأطفال هم مستقبل البلاد، وقد خسروا الكثير فيما يتعلق بالتعليم منذ بداية الحرب".
وفي دارفور وحدها، لا تعمل سوى نسبة ضئيلة من المدارس.
وكشفت هيندز أن 6400 مدرسة مغلقة تماما في أنحاء البلاد، ولا تقدم أي خدمات تعليمية.
وأضافت أن 11% من المدارس تُستخدم كملاجئ عاجلة للعائلات النازحة.
من جانبه، قال مصطفى علي بره، رئيس هيئة ضحايا الإبادة الجماعية بدارفور، للجزيرة نت إن مخيم أردمي وحده يضم نحو 7 آلاف تلميذ وتلميذة، موزعين على مدرستين فقط.
وأضاف أن كل واحدة لا تضم سوى 3 فصول دراسية.
واضطر النازحون أنفسهم إلى جمع القش وجلب الأخشاب وبناء الفصول بأيديهم.
وأكد بره: " كل قشة من قش هذه الجدران تحكي قصة عائلة فقدت منزلها، لكنها ترفض أن تفقد حلم أطفالها في التعليم".
من ناحيته، أفاد حمزة حسن، مسؤول غرفة طوارئ طويلة بدارفور، بأن المنطقة تضم أعدادا كبيرة من النازحين، وأن التعليم يواجه نقصا حادا في الكتب والمقاعد ومواد البناء الأساسية، مشيرا إلى أن العديد من النازحين اضطروا لاتخاذ المدارس مراكز إيواء لهم، في ظل غياب البدائل، مما زاد الضغط على العملية التعليمية.
وأكد حسن للجزيرة نت أن غرفة الطوارئ تعاني نقصا شديدا في التمويل مما يحول دون توفير الاحتياجات الأساسية للطلاب والمعلمين.
من ناحيته، قال المعلم موسى عبد الرحمن، من مخيم" أبو تنقى" بشرق تشاد، للجزيرة نت: " نعلّم الأطفال بالفحم، والسبورة عبارة عن ورق كرتون.
نعاني غياب الكتاب المدرسي ومشاكل كبيرة في المناهج التعليمية".
وأوضح أن بعض المنظمات حاولت تقديم المساعدة، لكن الدعم لا يزال ضعيفا ويغطي جزءا بسيطا فقط من الاحتياجات الهائلة.
وأكد" المعلمون هنا يؤدون رسالتهم بأقل الإمكانيات، بل منعدمة أحيانا".
وفي مدرسة العهد الجديد البدائية التي شُيدت حديثا في مخيم طويلة للنازحين بدارفور، يصطف صباحا أكثر من 200 تلميذ في ساحة ضيقة.
يرددون الأناشيد، ويتلون القرآن الكريم.
الفصول هنا ليست سوى غرف صغيرة، تتسع كل منها لنحو 50 طفلا.
وفي بعضها، يتكدس أكثر من 160 تلميذا.
لا مقاعد ولا طاولات ولا سبورات حقيقية.
يكتب الأطفال على ألواح من الكرتون بالفحم، لأن الأقلام والدفاتر أصبحت سلعا نادرة لا يقدرون على شرائها.
بعد انتهاء الحصص عند الواحدة والنصف ظهرا، لا يغادر جميع الأطفال.
بعضهم ينتظرون حتى تغرب الشمس ويحل الليل.
يظلون هناك حتى تبدأ أسرهم النازحة بالتوافد بهدوء.
مع حلول المساء، تتحول الفصول الدراسية -التي شهدت أصوات التلاميذ نهارا- إلى غرف نوم لعائلات بأكملها.
هذه" الحياة المزدوجة" هي واقع يومي يعيشه آلاف الأطفال الذين فقدوا منازلهم في دارفور.
ويحذر مسؤولو غرفة طوارئ طويلة من أن فصول القش لا تصمد طويلا.
ومع اقتراب موسم الأمطار، تتحول جدرانها إلى طين منهار، وتتسرب مياه الأمطار من الأسقف الخيشية.
وقالت إحدى المعلمات: " في العام الماضي، انهار فصل كامل بعد يومين فقط من الأمطار الغزيرة.
أعدنا بناءه في أسبوع من العمل المتواصل".
وأضافت" هذا العام، نخشى أن تنهار كل الفصول، وألا نجد قشا كافيا لبناء غيرها.
لكننا سنحاول.
لا خيار أمامنا".
ويؤكد ناشطون في الغرفة أن موسم الأمطار ليس مجرد فصل عادي، بل كارثة إنسانية متوقعة تهدد آخر معاقل التعليم في مخيمات اللاجئين.
في هذا المشهد الإنساني" المأساوي"، تتجلى تعقيدات سياسية تهدد مستقبل الطلاب.
وصرحت وزيرة التعليم بحكومة إقليم دارفور، الدكتورة توحيدة عبد الرحمن، للجزيرة نت، بأن" امتحانات حكومة" تأسيس" في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع غير معترف بها رسميا من قبل وزارة التربية والتعليم الاتحادية".
وأضافت: " الجامعات السودانية والعالمية تعتمد فقط الشهادات الصادرة عن الوزارة الاتحادية المعنية".
وأكدت أن" هذه الامتحانات الموازية تهدد وحدة النظام التعليمي السوداني، وتُحدث شرخا عميقا في مستقبل الأجيال القادمة".
بدوره، قال الفاضل آدم نورين كايا، المستشار السياسي لرئيس حركة جيش تحرير السودان- المجلس الانتقالي، للجزيرة نت إن" امتحانات" تأسيس" محاولة لا قيمة لها، هدفها الترويج والتضليل الإعلامي".
وأشار إلى عدم وجود أي قوانين أو لوائح تحفظ للطلاب الممتحنين حقوقهم مستقبلا.
وأضاف أن هذه الخطوة تمثل محاولة يائسة لكسب الشرعية عبر استغلال معاناة الطلاب.
في المقابل، لم تتوقف أحلام الأطفال.
فهم لا يريدون سوى العودة إلى بيوتهم ومدارسهم الحقيقية.
وقالت الطفلة مريم (11 عاما)، وهي لاجئة بمخيم أردمي، للجزيرة نت: " أريد أن أصبح طبيبة لأعالج جرحى الحرب".
ويحلم صديقها يوسف، قائلا: " أريد أن أصبح مهندسا لأعيد بناء منزلنا الذي دمرته القنابل".
هذان الطفلان هما جزء من أكثر من 15 مليون طفل في السودان بحاجة ماسة للدعم، وفق تقارير أممية.
وقال سفير النوايا الحسنة لليونيسف، إسماعيل بيه، في 5 ديسمبر/كانون الأول 2024، بعد لقائه بهم: " أطفال السودان يمتلكون قوة تستحق الاعتراف والاحترام، وهم لا يسمحون لأحلامهم بأن تتحطم بسبب الحرب".
وتابع" إنهم لا يريدون أن يستسلم العالم لهم، مثلما هم لا يستسلمون".
بين غياب الدعم الدولي، ومخاطر الأمطار، وتعقيدات الانقسام السياسي، يبقى الأمل معلقا في السماء.
فهل ينتظر أطفال دارفور حتى تتوقف الحرب ليعودوا إلى مقاعدهم الدراسية؟ أم أن العزلة الدولية ستكمل ما بدأته القنابل، وتطمر آخر أمل لجيل بأكمله تحت رمال الصحراء؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك