ليس من السهل تفسير الكيفية التي تمكن بها بنيامين نتنياهو من البقاء في قمة هرم السلطة الإسرائيلية لفترة تجاوزت ما حققه جميع أسلافه تقريباً، فالرجل لم يكن الأكثر «كاريزمية» في تاريخ إسرائيل، ولم يكن الأكثر إنجازاً وفقاً لمعايير خصومه، لكنه امتلك موهبة سياسية نادرة: القدرة على إدارة الخوف وتحويله إلى مصدر دائم للشرعية السياسية.
منذ دخوله الحياة السياسية، أدرك نتنياهو أن المجتمع الإسرائيلي يعيش هاجس الأمن أكثر من أي هاجس آخر، ولذلك بنى مشروعه السياسي على معادلة بسيطة لكنها فعالة: كلما ازداد شعور الإسرائيليين بالخطر كلما ازداد اقتناعهم بالحاجة إلى قائد قوي ومجرب، ومن هنا تحولت المخاوف الأمنية إلى ركيزة أساسية في خطابه السياسي، وإلى أداة استخدمها مراراً لتثبيت موقعه في الحكم.
لم يكن نتنياهو يكتفي بإدارة الأحداث، بل كان يسعى دائماً إلى تغطية تلك الأحداث برواية مصاحبة لها تخدمها وتعززها، فهو يدرك أن الرأي العام لا يتفاعل مع الوقائع المجردة بقدر تفاعله مع الطريقة التي تُعرض بها تلك الوقائع، لذلك حرص على تقديم نفسه بوصفه الحارس الأخير لأمن إسرائيل، فيما صوّر خصومه باعتبارهم أقل قدرة على مواجهة التحديات الوجودية التي تواجه الدولة العبرية.
وفي المقابل، اعتمد بصورة واسعة على توظيف الخوف الجماعي في رسم صورة الفلسطينيين داخل الوعي الإسرائيلي، فبدلاً من التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب يسعى إلى تقرير مصيره، جرى في كثير من الأحيان اختزالها في خطاب أمني يربط الفلسطيني بالإرهاب والعنف والتهديد المستمر، وبهذه الطريقة نجح نتنياهو في تحويل الصراع من قضية سياسية قابلة للحل إلى معركة مفتوحة يصعب الوصول فيها إلى تسويات تاريخية.
يعتقد كثير من منتقديه أن واحدة من أبرز أدواته السياسية كانت قدرته على استثمار الأزمات لا احتواءها فقط، فعندما تتراجع شعبيته، أو تتصاعد الاحتجاجات ضده، أو تقترب ملفات المساءلة القضائية من التأثير على مستقبله السياسي، يصبح الحديث عن الأخطار الخارجية أكثر حضوراً، وتتحول التهديدات الأمنية إلى العنوان الرئيسي في المشهد العام، وفي ظل هذه الأجواء تتراجع الأسئلة المتعلقة بالأداء الحكومي أو المسؤولية السياسية أمام أولوية الأمن والخطر الداهم، وقد تجلى هذا النمط بصورة واضحة بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول التي شكلت أكبر صدمة أمنية تتعرض لها إسرائيل منذ عقود، فبدلاً من أن يقتصر النقاش على أسباب الإخفاق الأمني والاستخباراتي الذي سبق الهجوم، اتجه الخطاب الرسمي إلى التركيز المكثف على تداعيات الحدث ومشاهد العنف المرتبطة به رغم أن قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي ما زالت تطالب بإجابات واضحة حول المسؤولية السياسية والأمنية لتلك الأحداث إلا أن نتنياهو تمكن مرة أخرى من تأجيل لحظة المحاسبة عبر إعادة توجيه الاهتمام نحو الحرب وتداعياتها.
ولا يقتصر سر بقائه على إدارة الخوف وحدها، بل يمتد إلى قدرته على صناعة الخصوم والالتفاف على الأزمات، فهو سياسي يجيد تحويل أي هجوم عليه إلى دليل على أهميته، وأي انتقاد إلى محاولة لاستهدافه شخصياً أو استهداف المشروع الذي يمثله، وهكذا تتحول المعركة السياسية في نظر أنصاره من نقاش حول السياسات إلى معركة وجودية بينه وبين خصومه.
أما في القضايا المتعلقة بالفساد واستغلال النفوذ، فقد واجه نتنياهو على مدى سنوات اتهامات وتحقيقات ومحاكمات أثارت جدلاً واسعاً داخل إسرائيل، كما تعرضت زوجته سارة نتنياهو لانتقادات متكررة مرتبطة باستخدام الموارد العامة والنفقات الرسمية ومع ذلك نجح في الحفاظ على قاعدة سياسية وشعبية واسعة ترى أن ملاحقته القضائية تحمل أبعاداً سياسية بقدر ما تحمل أبعاداً قانونية، الأمر الذي عزز شعور أنصاره بضرورة الالتفاف حوله.
لقد نجح بنيامين نتنياهو في بناء نموذج سياسي يقوم على استثمار المخاوف الجماعية، وإدارة الأزمات، وصناعة الروايات القادرة على تعبئة الجمهور وإعادة تشكيل أولوياته، وبينما يرى مؤيدوه فيه رجل دولة استطاع حماية إسرائيل وسط بيئة إقليمية مضطربة، يرى خصومه أنه أتقن توظيف الخوف والانقسام من أجل إطالة عمره السياسي وتأجيل استحقاقات المحاسبة.
وفي الحالتين، يبقى نتنياهو ظاهرة سياسية استثنائية في تاريخ إسرائيل الحديث.
رجل أدرك مبكراً أن الخوف ليس مجرد شعور إنساني، بل يمكن أن يكون أداة حكم فعالة، وأن السيطرة على الرواية قد تكون أحياناً أكثر أهمية من السيطرة على الوقائع نفسها، ومن هنا يمكن فهم سر بقائه الطويل في السلطة.
إنه سياسي لم يكتف بإدارة الدولة، بل أدار مخاوف المجتمع الإسرائيلي وحوّلها إلى أحد أهم مصادر قوته ونفوذه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك