تبدو طبول الحرب الإقليمية الكبرى في الشرق الأوسط تُقرع بوتيرة أكبر، واحتمال الانزلاق إلى ما كان عليه الوضع قبل تفاهمات إبريل/ نيسان بين طهران وواشنطن أوسع.
وفيما يحاول الإيرانيون توسيع رقعة التفاهم لتشمل لبنان وغزة، تتعمّد إسرائيل إحراق أوراق الاتفاق واحدة تلو الأخرى.
من المهم التذكير بأنّ مستقبل المنطقة تغيّر إلى الأبد منذ يوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حين انطلق هجوم المقاومة الفلسطينية في غزة نحو الداخل الإسرائيلي، وما يجري اليوم هو استمرار لمفاعيل ذلك الحدث الضخم، ولا يمكن أن تُقرأ هذه الأحداث بشكل صحيح إذا كانت مقدمات القراءة خاطئة، لأننا سنخلص حينها إلى نتائج واستنتاجات خاطئة ومشوهة، وثمة طرف دولي وإقليمي يدفع بهذا الاتجاه لتغليط الرأي الدولي وتزوير الحقائق.
المرحلة تفرض الضربات الاستباقيةفي الجولات السابقة بين إيران وإسرائيل، وخلال قيام الأخيرة بضربات موجعة لحلفاء إيران في المنطقة، تبيّن أن الخديعة كانت هي عنوان المرحلة، وأن التردد والاحتفاظ بحق الرد كان قراراً خاطئاً وقاتلاً للإيرانيين، ففقدت إيران أوراقاً كثيرةً راكمتها على مدى عقود من الزمن، في ظرف لا يتجاوز ثلاث سنوات، وكادت الدولة تفقد نظامها السياسي القائم، ورغم أن هذا التهديد لا يزال قائماً، إلّا أن عملية استرجاع بعض الأوراق قد نجحت شيئاً فشيئاً مع اندفاع إسرائيل والولايات المتحدة في الذهاب نحو الهجوم على إيران.
سبقت الهجوم الإيراني على إسرائيل هجمات على قواعد أميركية في الكويت كانت كردّ مباشر على ضربات أميركية في مضيق هرمز، ولم تكن الفوارق الزمنية بين الهجوم والرد سوى سويعات، وهذا بالنسبة لإيران استعادة لقوة سرعة الرد بعدما كانت في وقت سابق تنتظر أياماً وأسابيع وشهوراً لتُقرّره، الأمر الذي منح القيادة السياسية والعسكرية الثقة في الذهاب نحو المبادرة بالهجوم عند أول فرصة، وأول الأهداف هي الداخل الإسرائيلي.
الخروج من المفاوضات للتحرر من الالتزاماتإسرائيل تعتبر نفسها غير معنية بالمفاوضات والتفاهمات الطارئة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لأن دخولها فيها يعني التزامها بوقف إطلاق النار في لبنان، وهذا سينسف في مرّة واحدة كل عناصر القوة التي راكمتها من الحرب المدمرة على غزة ولبنان وإيران وضد سورية خلال السنوات الثلاث الماضية، كما أنّ التّحالف الإقليمي الناشئ مع دول المنطقة العربية وما يوفره من غطاء سياسي وأمني لها يُؤهّلها للاستمرار في الحرب أكثر من أي وقت مضى ضد إيران ولبنان.
وتسعى الولايات المتحدة لإسقاط أوراق محور المقاومة التي تمتلكها طهران كأحجار الدومينو، ومع الإدراك بأن الأمر مستحيل التحقق نوعاً ما، فإنّ الهدف يصبح هو تدمير مقومات الحياة في البلدان المستهدفة، وإذا كان هذا التدمير يتم في لبنان وغزة بشبه" موافقة" حكومتي البلدين بسبب الحسابات الداخلية السياسية والطائفية الضيقة وعزل المناطق، بما يُسهّل اختلاق المبررات وسردية الذرائع، فإنّه في إيران يقف النظام السياسي بأكمله في مواجهة العدوان، وصمودها يعني عملياً استمرار المقاومة في لبنان وغزة واليمن والعراق.
الحرب عادت من جديد.
أين تقف؟ضمنياً، بدأت حرب جديدة فجر الأربعاء، حين تذرّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحادثة مروحية أباتشي لشنّ غارات واسعة على مناطق إيرانية واسعة، ثم القول بأن" إيران ضيّعت فرصة التوصل للاتفاق"، ولا يمكن فصلُ هذا الهجوم عن الضربة الإيرانية لإسرائيل، فالولايات المتحدة في هذه الحالة تذهب نحو الرد بنفسها بدل إسرائيل، وستقوم هذه الأخيرة في خضم هذا الوضع بكسر معادلة بيروت مقابل الشمال عبر إعادة قصف الضاحية لرفع الكلفة على طهران واستئصال الورقة اللبنانية بما يتقاطع، و" للغرابة"، مع قرار الحكومة اللبنانية الذي يتوافق مع تل أبيب على الهدف نفسه وهو تدمير ما يسمّى لدى إسرائيل بـ" البنى التحتية لحزب الله" التي هي في الحقيقة عبارة عن قرى وبلدات ومدن في جنوب لبنان.
تحمل الأيام المقبلة خطراً وجودياً حقيقياً، والقول بأن التهدئة هي عنوان المرحلة إلى حين مرور مناسبة" كأس العالم لكرة القدم" هو رهان فاشل ومغالطة تحليلية لمجريات الأحداث، فما هو متوفر اليوم من خيارات ودوافع وعوامل للحرب لا تُوقفه مناسبات ولا أي شيء، كما أن الجغرافية حيث يدور المونديال هي بعيدة كل البعد عن أي تهديد، والتحركات الدولية الجادّة لوقف هذا العبث الأميركي والإسرائيلي والعربي الذي يُؤيّده هي جد خجولة ومُنعدمة حتى اللحظة.
يبقى المتضرر الأكبر في هذه الحرب المستمرة هو دول الخليج وشعوب الشرق الأوسط بكاملها دون استثناء أي بلد، ويبقى السؤال أيضاً هو هل ستنتهي الحرب الجديدة التي تظهر أنّها" محدودة" بتسوية كبرى تتخلّلها بعض الاصطدامات بين الفينة والأخرى، أم تذهب نحو ما عوّدتنا عليه آلات الحرب الأميركية من دمار؟ وما دام الناس كل حسب موقعه يخوضون النقاش في قشور الأحداث وليس أصولها وأسبابها الأولى، سيستمر مسلسل القتل وتزوير الحقائق وتلويك الكلام وصناعة المبررات والسرديات في وسائل الإعلام على مقاس كل مجزرة وكل إبادة تحدث بفعل السلاح الأميركي والإسرائيلي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك