القدس العربي - أمريكا ـ إسرائيل: هل هناك حدود للقوة؟ القدس العربي - الدولة الهشّة والاقتصاد الأكثر هشاشة! القدس العربي - عوالم افتراضية DW عربية - افتتاح منافسات كأس العالم بنظام جديد لأداء النشيد الوطني القدس العربي - دور المسيّرات في إبادة غزة: صمت دولي وغياب عربي القدس العربي - مونديال 2026: العالم كرةٌ في قدم ترامب القدس العربي - يونيو المصري: هزيمة عسكرية وجرح سياسي روسيا اليوم - 55 مليار دولار.. "إعمار" تطلق مشروعها العقاري الأكثر طموحا في دبي DW عربية - صُوْر تعيش الخوف والنزوح .. هل تتوسع إسرائيل في جنوب لبنان؟ القدس العربي - «القائمة المشتركة»: يريدونها نموذجا لوطنية تقنية
عامة

كلما ازددتَ سوريةً ازددتَ شقاءً

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

ليست الجمهورية السورية كياناً سياسياً ناجزاً ومكتمل الأركان والتكوين مسبقاً، بل مشروع تاريخي ما زال موضع صراع ديالكتيكي بين تصورات متنافسة للهوية والدولة والمجتمع. ومن هذا المنظور، إن عبارة" كلما ازدد...

ليست الجمهورية السورية كياناً سياسياً ناجزاً ومكتمل الأركان والتكوين مسبقاً، بل مشروع تاريخي ما زال موضع صراع ديالكتيكي بين تصورات متنافسة للهوية والدولة والمجتمع.

ومن هذا المنظور، إن عبارة" كلما ازددتُ سوريةً ازددتُ شقاءً" لا تحيل إلى تجربة فردية بقدر ما تعبر عن مفارقة سياسية وفكرية، فكلما ازداد الوعي بإمكانات سورية بوصفها إطاراً وطنياً جامعاً لمختلف مكوناتها القومية والدينية والمذهبية، ازداد إدراك حجم التباعد بين هذه الإمكانية وبين الواقع الذي تشكل خلال أكثر من خمسة عقود من هيمنة المشاريع الأيديولوجية المغلقة (المشروع القومي العربي ومشروع الإسلام الراديكالي)، وهكذا تبدو سورية لا باعتبارها كيان دولة أنجزت تعريفها النهائي، بل باعتبارها فضاءً مفتوحاً لصراع مستمر بين منطق الدولة الوطنية المدنية الجامعة ومنطق الهويات التي تسعى إلى احتكار تعريفها وتوجيه مسارها.

لقد اعتادت السرديات السياسية السائدة اختزال المأساة السورية المعاصرة منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى كتابة هذه السطور، في الاستبداد والقمع أو الحرب وارتكاب المجازر والقتل على الهوية أو الانهيار الاقتصادي، وهي سرديات لا شك في منطقها ووقوعها.

غير أن هذه التفسيرات على أهميتها وصدقها، تظل عاجزة عن الوصول إلى جوهر الأزمة.

فالمظلومية السورية الكبرى ليست فقط في ما جرى من قتل وتهجير ودمار، بل في وأد إمكانية تاريخية كانت قادرة على نقل البلاد إلى أفق مختلف تماماً؛ إمكانية بناء مشروع سوري وطني ديمقراطي فيدرالي تعددي، يستند إلى دستور مدني حديث وقوانين مدنية معاصرة، ويعترف بجميع المكونات القومية والثقافية والدينية باعتبارها شركاء متساوين في إنتاج الهوية السورية، لا جماعات متنافسة على الاعتراف والشرعية.

إن الهوية الوطنية تُبنى عبر الاعتراف، لا عبر الإنكار.

وكل دولة تنكر تعددها الداخلي تتحول عاجلاً أم آجلاً إلى بنية مأزومة تعيش في صراعٍ وتناقضٍ دائمين مع واقعها الاجتماعي والتكويني.

وفق هذا المنطق الصوري يمكن فهم الفشل التاريخي للمشروع القومي العربي في سورية.

فالمشكلة لم تكن في الانتماء العربي بوصفه أحد أبرز مكونات الهوية السورية، بل في تحويله إلى هوية سياسية مستحدثة احتكارية وظفت تعريف الدولة والمجتمع والتاريخ والطبيعة لخدمتها وسرديتها.

وحينما تُختزل الدولة في سردية واحدة يصبح التنوع تهديداً بدلاً من أن يكون مصدراً للثراء، وتتحول المواطنة إلى علاقة غير متكافئة بين المركز والهامش.

لهذا السبب لم يكن انهيار نظام بشار الأسد حقيقةً يتعلق بشخصه أو سلطته فحسب، وإنما كان تعبيراً عن وصول نموذج سياسي كامل إلى نهايته التاريخية.

فما انهار فعلياً هو النسخة السلطوية من المشروع القومي العربي التي رفعت شعارات الوحدة والتحرير والتقدم، لكنها فشلت في بناء دولة القانون والمؤسسات المستقلة والمواطنة الحقة والحرة.

لقد أثبتت التجربة أن الخطاب القومي عندما يتحول إلى أيديولوجيا متقوقعة لا يختلف كثيراً عن أي عقيدة دينية أو سياسية تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة وتمنع المجتمع من إعادة تعريف ذاته بصورة حرة ومعاصرة.

لكن في المقابل، فإن انهيار مشروع ما لا يعني بالضرورة ولادة مشروع أفضل منه.

فالتاريخ لا يعرف الفراغ والسكون، وما إن انهار المشروع القومي العربي برحيل بشار الأسد، حتى تقدمت قوى الإسلام السياسي الراديكالي المُعد مسبقاً من قبل إقليمياً ودولياً، لملء المساحة الشاغرة في السلطة والقيادة في دمشق.

وهنا برزت مفارقة سورية الجديدة، إذ لم تنتقل البلاد من الاستبداد إلى الحرية كما حلم به الشعب السوري في بداية ثورته، بل وجدت نفسها أمام نفق تم رسمه وإنجازه مسبقاً للانتقال من أيديولوجيا مغلقة إلى أيديولوجيا أخرى أكثر تشدداً.

فالإسلام السياسي الراديكالي، رغم اختلاف مرجعياته الفكرية عن القومية العربية، يشترك معها في البنية العميقة ذاتها وهو احتكار الحقيقة، وإقصاء المختلف، وربط الشرعية السياسية بعقيدة مسبقة دون أي اعتبار لإرادة المواطنين الأحرار.

وفي هذا السياق، لعبت القوى الإقليمية والدولية دوراً بالغ السلبية والانتهازية.

فمنذ بداية التحولات المرافقة لبداية الثورة السورية لم يكن اهتمام معظم هذه القوى منصباً على دعم مشروع ديمقراطي سوري وطني مستقل لا ينتمي إلى أية هوية عرقية أو دينية أو مذهبية، بل على إدارة الصراع بما يحقق مصالحها الخاصة ومخاوفها الوهمية.

لقد تعاملت مع ثورة الشعب السوري باعتبارها مجالاً جيوسياسياً لتوسيع النفوذ أو تقليص نفوذ الخصوم لا باعتبارها ثورة شعب أنهكه الاستبداد والظلم والفقر والفساد، يسعى إلى بناء مستقبله السياسي.

ولذلك جرى دعم قوى وإضعاف أخرى وفق حسابات المصالح لا وفق معايير الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو الالتزام بالقانون والمبادئ الدولية المتعلقة بحق الشعوب في تقرير مصيرها.

وكانت النتيجة أن المشروع السوري الوطني الديمقراطي بقي محاصراً بين استبداد قديم يرفض التغيير، وأصولية راديكالية جديدة تسعى إلى احتكار الحاضر والمستقبل، وتدخلات خارجية لا ترى في سورية أكثر من ورقة ضمن صراعاتها الإقليمية والدولية.

وهكذا ضاعت فرصة تاريخية أو ربما تم تأجيلها على السوريين.

كان يمكن أن تؤسس لدولة حديثة تتجاوز ثنائيات الأكثرية والأقلية، والطائفة والقومية، والدين والعلمانية، نحو مفهوم أوسع للمواطنة الحرة والمتساوية.

إن المشكلة، والمأساة السورية الحقيقية، لا تكمن في سقوط نظام سياسي بعينه بل في استمرار العجز عن إنتاج عقد وطني جديد يعترف بالتعدد بوصفه أساساً للوحدة.

فالوحدة التي تُفرض بالقوة ليست وحدة، والهوية التي تُبنى على الإقصاء ليست هوية، والدولة التي تخشى تنوعها محكومة بالبقاء في حالة صراع مع ذاتها.

لذلك فإن مستقبل سورية لا يمكن أن يُبنى على استعادة مشاريع الماضي، سواء كانت قومية أو دينية، بل على تأسيس فضاء سياسي جديد تكون فيه الحرية شرطاً للانتماء، والمواطنة أساساً للشرعية، والتعددية ضمانة للاستقرار.

عند هذه النقطة فقط يصبح الشقاء مفهوماً.

فكلما ازداد السوري إيماناً بسورية الديمقراطية الممكنة وإن لم تكن فيدرالية، ازداد ألماً أمام سورية الواقعية التي ما زالت عاجزة عن بلوغها.

وكلما ازداد تمسكاً بفكرة الوطن المشترك، ازداد إدراكاً لحجم قوى الظلم والظلام التي حالت دون ولادته.

ولهذا، فإن الشقاء ليس نتيجة الانتماء إلى سورية، بل نتيجة الحرمان المستمر من سورية التي لم تولد بعد.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك