حاولت السلطات السورية الحالية معالجة إرث نظام الأسد المخلوع الذي فرض استخراج المواطنين ورقة" لا مانع من السفر" قبل أن يغادروا البلاد، لكن ذلك لا يزال يطبَّق على كثيرين.
يفاجأ سوريون كثيرون بإبلاغهم لدى عودتهم إلى بلدهم بضرورة استخراج ورقة" لا مانع من السفر" قبل أن يغادروا مجدداً، ومنهم علي أمين الذي لم يتوقع أن تتحوّل زيارته الأولى إلى سورية منذ أكثر من 13 عاماً، بعد عودته من كندا، إلى رحلة طويلة بين الدوائر الحكومية والمحاكم، بدلاً من قضاء وقته مع عائلته في اللاذقية.
يقول لـ" العربي الجديد": " تلقيت على الحدود السورية إشعاراً بأن اسمي موجود ضمن قوائم المنع من السفر خلال فترة نظام الأسد المخلوع، لأنني كنت أعمل مدرساً في القطاع الحكومي، واضطررت إلى مراجعة مديرية التربية في حلب لاستكمال الإجراءات التي خيّرتني بين تقديم استقالتي من الوظيفة الحكومية أو العودة إلى العمل، والخياران يعنيان عملياً فقداني القدرة على العودة إلى كندا بعد إعادة تعييني".
يضيف: " أمضيت أكثر من عشرة أيام متنقلاً بين حلب وطرطوس والمحكمة ودائرة الهجرة من أجل الحصول على الورقة التي تسمح لي بالمغادرة، بينما كانت إجازتي كلها لا تتجاوز خمسة عشر يوماً.
وبدلاً من الجلوس مع عائلتي بعد سنوات طويلة من الغياب، أمضيت معظم الوقت في إنجاز معاملات حكومية".
ويستغرب أمين استمرار ظهور أسماء آلاف السوريين على قوائم المنع من السفر رغم سقوط النظام السابق، ويقول: " إذا كانت هذه القيود وُضعت في عهد النظام السابق، فلماذا لا تزال موجودة على الحدود، ولماذا طلبوا مني تقديم استقالة الآن وأنا منقطع عن الوظيفة منذ سنوات طويلة؟ ".
ولا تبدو حالة أمين استثنائية، إذ واجه سامي عبد العال، الذي يُقيم في إسطنبول، مشكلة مشابهة بعدما قطع آلاف الكيلومترات لتمضية عطلة عيد الأضحى مع والديه في حلب.
ويُخبر" العربي الجديد" أنه فوجئ حين دخل سورية بورقة تفيد بمنعه من المغادرة بسبب غرامة مالية، وراجع مديرية المالية في حلب لتسديد المبلغ المطلوب، لكنه أُبلغ أن الدفع غير متاح حالياً ويجب أن ينتظر إلى ما بعد عطلة العيد.
واللافت أن قيمة الغرامة بسيطة لا تتجاوز عشرة دولارات، لكنني اضطررت إلى تأجيل عودتي إلى تركيا أياماً عدة بسبب هذه الورقة".
ويوضح عبد العال أن أكثر ما أزعجه ليس قيمة الغرامة، بل الوقت الذي أهدره في تنفيذ الإجراءات؛ فالزيارة كانت قصيرة في الأصل، وكل يوم أمضاه في الدوائر الحكومية سُلب من عائلته".
أيضاً يروي محمد قسوم، وهو من أهالي ريف إدلب، لـ" العربي الجديد"، تجربته عند عودته من أوروبا لقضاء إجازة مع عائلته، إذ تبلّغ على الحدود أن عليه منع مغادرة، وأنه يجب أن يسوّي وضعه في حال رغب في العودة.
ويتحدث عن أنه فوجئ بأن عليه قضية جنائية في محافظة الحسكة عام 2014 رغم أنه لم يزرها في حياته، وكان حينها لاجئاً في تركيا.
وعندما راجع دائرة الهجرة أخبرته بضرورة حل المشكلة قضائياً وإحضار ورقة تثبت حل القضية لإزالة اسمه، وهذه القضايا تأخذ وقتاً، " ولحسن حظي أن إجازتي كانت طويلة فاستطعت حل المشكلة".
ويتحدث المحامي عبد الله الرشيد لـ" العربي الجديد" عن أن" منع السفر يُعد في الأصل تدبيراً احتياطياً واستثنائياً تلجأ إليه المحاكم للحدّ من احتمال تهرّب المدعى عليه من التزاماته"، ويوضح أنه يمسّ الحرية الشخصية، ويجب أن يبقى محصوراً بحالات محددة ومبررة قانونياً.
يتابع: " وسّع النظام السابق استخدام الإجراء، وأدرج أسماء كثير من المنشقين والمعارضين وموظفين غادروا أعمالهم ضمن قوائم المنع من السفر، إلى جانب أشخاص طاولتهم دعاوى مالية أو قضائية بسيطة، وأحياناً قضايا ملفقة أو ذات دوافع سياسية".
وفي محاولة لمعالجة هذا الإرث، أعلنت وزارة الداخلية السورية في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي إزالة أسماء نحو خمسة ملايين مواطن من أصل 8.
3 ملايين من قوائم منع السفر التي وضعها النظام السابق.
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا إن" هذه القوائم شكّلت أحد أبرز انتهاكات النظام السابق في حق السوريين"، ويشير إلى أن" الوزارة تعاملت مع ملايين الحالات خلال الأشهر الماضية، وأن العمل مستمر لإنجاز الملف بالكامل خلال الفترة المقبلة".
ورغم هذه الإجراءات، يرى متضررون أن استمرار ظهور بعض الأسماء على المعابر الحدودية، وما يترتب عليه من مراجعات مطولة للدوائر الحكومية، يكشف أن معالجة الملف لم تكتمل، ويطرح تساؤلات حول آليات تسريع الإجراءات وتبسيطها، خصوصاً بالنسبة إلى السوريين المقيمين في الخارج الذين يزورون البلاد فترات قصيرة، ويجدون أنفسهم أمام عراقيل إدارية تستهلك معظم أيام إجازاتهم.
وفي السياق، يقول أحمد عجيل، وهو موظف سابق في دائرة الهجرة والجوازات، لـ" العربي الجديد" إن" مشكلة قوائم المنع من السفر لا تتعلّق فقط بالقوائم التي وضعها النظام السابق، بل أيضاً بضعف الربط الإلكتروني الحالي بين المؤسسات وتغيّر الإدارات، ما يؤدي إلى استمرار ظهور أسماء شُطبت سابقاً أو جرت تسويتها إدارياً".
ويؤكد" ضرورة إنشاء قاعدة بيانات مركزية يجري تحديثها بشكل دائم، وإخضاع الملف لمقاربة شاملة لا تقتصر على القرارات الإدارية، بل تشمل إعادة هيكلة أنظمة التحقق على المعابر الحدودية وتبسيط الإجراءات أمام العائدين".
وتشير شكاوى متكررة على وسائل التواصل الاجتماعي وفي المؤسسات الحكومية إلى أن آلاف السوريين في الخارج لا يزالون يواجهون صعوبات مشابهة عند الدخول أو المغادرة، خصوصاً من لديهم ارتباطات وظيفية أو إدارية سابقة داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يضاعف تعقيد المشهد بالنسبة إلى المغتربين الذين يزورون البلاد فترات قصيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك