بعدما استعادت طالبان الحكم في أفغانستان عام 2021 تغيّرت أحوال المدارس الخاصة التي أصبحت أمام خيار الإغلاق أو خفض الرسوم.
وفي الحالتين كان المدرسون أكبر الضحايا.
قبل عقدين فقط، لم تكن المدارس الخاصة موجودة في أفغانستان، وكانت المدارس الحكومية وحدها تتولّى مهمة التعليم من دون أن تكلّف الأهل شيئاً على صعيد الرسوم.
وانتشرت المدارس الخاصة حين عاد لاجئون أفغان من باكستان وإيران في عام 2001، وقدمت تعليماً أفضل نسبياً من المدارس الحكومية مقابل دفع أولياء الأمور رسوماً شهرية أو سنوية تفاوتت بين مدرسة وأخرى ومنطقة وأخرى.
وكانت الأوضاع المعيشية في أفغانستان أفضل قبل سقوط حكومة أشرف غني، وسيطرة حركة طالبان على الحكم في صيف 2021، وكانت المدارس الخاصة تغطّي المصاريف وتربح أيضاً، ثم تغيّر كل شي، وبات معلمو هذه المدارس يواجهون تأخيراً في رواتبهم أو عدم انتظام صرفها، ويضطرون أحياناً إلى الانتظار لأسابيع أو أشهر قبل أن يحصلوا على رواتبهم، ما ينعكس سلباً على قدرتهم على تأمين احتياجات أسرهم الأساسية في ظل ظروف صعبة تشهدها البلاد.
ولا تقتصر معاناة المدرسين والموظفين على تأخر الرواتب، بل تشمل أيضاً تدني الأجور مقارنة بالعمل المطلوب.
ويؤكد مدرسون أنهم يعملون لساعات طويلة يومياً لتنفيذ مهمات التدريس وإعداد الدروس وتصحيح الواجبات والاختبارات ومتابعة شؤون الطلاب مقابل رواتب لا تكفي لتغطية تكاليف المعيشة المتزايدة.
يقول شيرزاد محمد، وهو معلم في مدرسة خاصة بالعاصمة كابول، لـ" العربي الجديد": " يواصل كثير من المعلمين العمل بدافع مسؤولياتهم تجاه الطلاب، وذلك رغم الصعوبات التي يواجهونها، ويضطر بعضهم إلى البحث عن أعمال إضافية بعد انتهاء الدوام المدرسي لتأمين دخل يساعدهم على إعالة أسرهم".
يضيف: " أعمل من دون توقف منذ الصباح حتى ما بعد الظهر، وأتعب كثيراً، وعندما أعود إلى المنزل لا أجد شيئاً للأكل.
آتي في الصباح إلى المدرسة من دون أن أتناول فطوراً مناسباً، والمدرسة تريدنا أن نعمل، وهذا حقها لكن من حقنا أيضاً أن نطلب الراتب في الوقت المعهود".
ويذكر شيرزاد محمد أنه أصيب بأمراض نفسية نتيجة هذه الحالة، وحاول أن يعمل في السوق لكن صحته لم تسمح له بذلك.
ويوضح: " لا أنام أحياناً حتى الصباح، وزوجتي مرضت قبل أسبوعين، وكانت تحتاج للذهاب إلى مستشفى، لكني لم أملك كلفة سيارة الأجرة، فطلبت من جاري أن يساعدني لنقلها إلى المستشفى لتلقي العلاج.
أعود إلى المنزل أحياناً ولا أجد حتى الدقيق، فأطلب من أحد الأقارب أو صاحب البقالة القريبة أن يعطيني ما أحتاج إليه بالدين حتى نهاية الشهر، وعندما لا يصل الراتب في نهاية الشهر أكون تحت ضغط عدم القدرة على التسديد".
ولا يعاني المدرسون وحدهم من الوضع المعيشي الصعب، بل مسؤولو المدارس الخاصة والقيّمون عليها أيضاً، والذين تأثروا بتراجع عدد الطلاب من جهة، ومن جهة أخرى عدم قدرة آباء كثيرين على دفع الرسوم.
ويقول محمد الله محمدي، وهو صاحب مدرسة خاصة في مدينة جلال أباد، لـ" العربي الجديد"، إن" الوضع مأساوي للغاية، ونحن ندرك جيداً الصعوبات التي يواجهها المدرسون، لكن ما الحل؟ لا نستطيع في أي حال أن نفعل أكثر مما نفعله، وعلى سبيل المثال أول ما أقوم به شخصياً هو دفع إيجار مبنى المدرسة وتسديد الفواتير، ثم أعطي ما بقي للمدرسين، وأحياناً لا يبقى لي شيء أو القليل، وفي بعض الأشهر لا أستطيع أن أدفع للمدرّسين.
أعرف وضعهم، لكن وضعي ليس أحسن من وضعهم، وأسرتي تعاني مثل أسر جميع المدرسين، والضغط يزداد عليّ أكثر وأكثر، وأنا أسمع كلام المدرسين والإداريين، وأحزن كثيراً عندما أراهم في وضع سيئ، أولادهم مثل أولادي، لكن لا أستطيع فعل أي شيء، وأقول لهم صدقاً أنا عاجز.
وعندما أفكر في إغلاق المدرسة أفكر في حال الطلاب، وأقول إن الوضع ربما يتحسّن فلننتظر، وقلت للمدرسين إن كل ما يأتي من مال نتقاسمه في ما بيننا.
ويشير إلى أنه عضو في اتحاد المدارس الخاصة، ويعرف أن هذا هو وضع كل المدارس الخاصة بلا استثناء، في حين لا تساعدهم أي جهة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك