تدخل بطولة كأس العالم 2026 مرحلةً غير مسبوقة في تاريخ البطولة، تتمثّل بمشاركة 48 منتخباً، 104مباريات، و16 مدينة، وثلاث دول تتقاسم التنظيم هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
تخرج هذه الأرقام من خانة التعديل التقني في الروزنامة إلى معنى أوسع، يتّصل بتحوّل المونديال من منافسة كروية كُبرى إلى بنية عالمية ممتدّة، تتداخل فيها الاتحادات، وشركات البثّ، والرعاة، وشبكات النقل، وصناعة الضيافة، والسلطات الأمنية، ضمن حدث يريد أن يجعل الكرة واجهةً مكثّفةً لزمن كامل، زمن يضاعف عدد المشاركين، ويوسّع السوق، ويعيد ترتيب علاقة الجمهور بالملعب والشاشة والحدود.
تمنح الصيغة الموسعة اعترافاً رياضياً طال انتظاره.
منتخبات بقيت طويلاً عند حافّة التصفيات ستدخل المشهد، واتحادات صغيرة ستجد أسماءها في القرعة والنشيد والخرائط التلفزيونية، وجماهير بعيدة ستلمح ألوانها داخل ذاكرة البطولة.
لهذه الإضافة قيمتها الرمزية، لأنّ التمثيل في كأس العالم يتجاوز الحساب الإداري للمقاعد، ويمسّ رغبةً عميقةً للشعوب في الظهور داخل أرشيف اللعبة، حيث يصبح القميص وثيقةً جماعيةً، ويصير النشيد، ولو لدقائق، اعترافاً بتاريخ من التدريب والانتظار والمراهنة على جيل كامل.
تظهر العقدة في المسافة بين اتساع المنافسة وتراتب الحضور.
فالمونديال يخاطب جمهوراً كونياً واحداً، ثمّ يعيده الواقع إلى سلّم غير مرئي من الامتيازات وتفاوتات الدخل، واختلاف وثائق السفر، أسعار الإقامة، التنقل بين مدن متباعدة، وقيمة الجواز في نظام الثقة العالمي.
المقعد في المدرّج لم يعد امتداداً طبيعياً للحماسة، ولا ثمرة علاقة قديمة بين المشجّع ومنتخبه، صار جزءاً من اقتصاد الحضور، اقتصاد يحدّد من يقترب من حرارة الملعب، ومن يتلقّى البطولة عبر الضوء البارد للشاشة.
وتمنح الدول الثلاث المضيفة هذه المسألة كثافةً سياسيةً لا تتوافر لأيّ صيغة تنظيمية عادية.
فالولايات المتحدة تستدعي ثقل القوة والهجرة والمراقبة وحساسية الحدود الجنوبية، وكندا تقدّم صورة استقبال مؤسّسي مضبوط بالملفّات والشروط، والمكسيك تدخل البطولة بذاكرة تاريخية للكرة اللاتينية، وبخبرة يومية مع الحدّ والسور بوصفه معبراً وحياة معلّقة.
في هذا المثلّث، لا تتحرّك المنتخبات بين ملاعب فقط، تتحرّك داخل خريطة كاملة لحركة البشر في الزمن الراهن، إذ تتجاور لغة الانفتاح الرياضي مع أنظمة دخول شديدة الحذر تجاه الأجساد القادمة من الجنوب.
تحتفظ كأس العالم بسحرها، لأنّ مباراةً واحدةً تكفي لإعادة الدهشة إلى الوجوه، وهدف متأخّر قادر على تبديل مزاج مدينة كاملةتلك هي مفارقة هذه النسخة، بطولة توسّع لائحة المشاركين، وتكشف، في الوقت نفسه، ضيق الحركة نحو مكان الاحتفال.
مشجّع من أفريقيا أو آسيا (بما فيهما العالم العربي) قد يكون جزءاً من جمهور اللعبة في خطاب" فيفا" والبثّ والرعاة، ثمّ يتحوّل أمام السفارة إلى ملفّ يحتاج طمأنة وإثباتات وانتظار.
المسافة الحقيقية، في هذه الحال، لا تقاس بالكيلومترات بين الدار البيضاء ونيويورك، أو بين الدوحة وتورونتو، أو بين القاهرة ومكسيكو، بقدر ما تقاس بالفارق بين جواز وآخر، ودخل وآخر، ونظرة أمنية وأخرى.
هكذا تصير كرة القدم، وهي أكثر ألعاب العالم شعبيةً وقدرةً على جمع الناس، مرآةً دقيقةً لما يفرقهم خارج المستطيل الأخضر.
كذلك تأتي هذه البطولة في مناخ عالمي مأزوم، كبركان يخفي نيرانه تحت قشرة احتفالية برّاقة.
حروب مفتوحة، خوف متصاعد من الهجرة، تشدّد حدودي، قلق أمني.
حتّى المسألة البيئية تدخل هذا السياق من بابها الواقعي، فبطولة تمتدّ على ثلاث دول ومسافات واسعة تفرض ضغطاً على النقل والطاقة والمدن والبنية اللوجستية، لذلك يبدو الجسد الرياضي، في هذه النسخة، واقعاً تحت ضغط مزدوج: ضغط المنافسة، وضغط شروط تنظيمية ومناخية وأمنية تجعل البطولة أكثر تعقيداً من صورتها الاحتفالية.
عربياً، سيأتي مونديال 2026 محمولاً على ذاكرة قريبة لم تستنفد أثرها.
تنظيم قطر 2022 قدّم نموذجاً ناجحاً في إدارة حدث عالمي بالغ التعقيد، وفرض حضوراً عربياً في قلب المشهد الرياضي الدولي، من التنظيم إلى صورة الضيافة وإدارة التفاصيل.
ثمّ جاء وصول المنتخب المغربي إلى نصف النهائي ليمنح الوجدان العربي لحظة ثقة نادرة، عبر منتخب واجه نخب اللعبة بانضباط تكتيكي، وصلابة جماعية، وهدوء كبير أمام ضغط الأدوار المتقدّمة.
ترفع هذه الذاكرة سقف الحلم، وتمنح المتفرّج العربي شعوراً بأنّ الطريق إلى الأدوار الكُبرى لم يعد حكراً على الآخرين، وأنّ الفوز قد بدا طويلاً بعيداً ومعلّقاً في لغة الأمنيات، وأنّ ما حدث في قطر والمغرب غيّر سقف التوقّع، وصار قابلاً لأن يدخل حساب الممكن.
تمنح البطولة الناس زمناً مشتركاً في عالم يتفتّتتحتفظ كأس العالم بسحرها، لأنّ مباراةً واحدةً تكفي لإعادة الدهشة إلى الوجوه، وهدف متأخّر قادر على تبديل مزاج مدينة كاملة.
قيمة البطولة في أنّها تمنح الناس زمناً مشتركاً في عالم يتفتّت بمخاوفه وأسواقه وحدوده، وقسوتها في أنّها تجعل هذا الزمن نفسه خاضعاً لشروط المال والوثيقة والفرز الإداري.
لهذا تبدو نسخة 2026 مرآة لمرحلة جديدة من البطولة الأكثر متابعة عالمياً: لعبة توسّع عدد المنتخبات، وصناعة تضاعف عدد المشاهدين، ونظام عالمي يواصل تضييق معنى الحضور.
تقترب نسخة 2026 من صافرتها الأولى، وهي تحمل ما يتجاوز وعد التوسعة وبهجة العودة إلى المدرّجات؛ تحمل اختباراً دقيقاً لصدقية الكونية التي بنت كرة القدم جزءاً كبيراً من سحرها عليها.
فما سبق الانطلاق من ارتباك الحركة عبر الحدود، إلى يقظة الأمن، وضغط المدن وكلفة الإقامة والتنقل، يجعل البطولة في تماس مباشر مع عالم يعلن احتفاءه بالمشترك، ثم يثقل الطريق إليه بالشروط والوثائق والأسعار.
وقد تمنح الصيغة الموسّعة للعبة وجوهاً جديدةً ومساراتٍ غير متوقّعة، وقد تكشف، في الوقت نفسه، أنّ اتساع المنافسة لا يكفي وحده لتوسيع معنى الحضور.
فهل يكبر الفرح العالمي كلّما كبرت البطولة، أم يظلّ المدرّج، حتّى في أكثر الألعاب شعبيةً، مرآة تفاوتات لمن يملك حقّ الاقتراب من الحلم؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك