عندما أنجز الموسيقي الفرنسي هكتور برليوز (1803 - 1893) أواسط القرن الـ19 حين كان سيد الموسيقى الفرنسية الرومانسية من دون منازع، وبعد انتظار وتأجيل طويلين، عمله الأوبرالي الكبير" لعنة فاوست"، بدا مقتنعاً بأنه، إن لم يكن أول من دنا من بين الموسيقيين كافة من الشخصية المحورية التي أسند إليها غوته البطولة المطلقة ليس فقط في مسرحيته الكبرى" فاوست" بل في المسرح الأوروبي برمته، فإنه - أي برليوز - سيكون الأخير، إذ إنه يقول فيها، أوبرالياً في الأقل، الكلمة الفصل، وهو الذي كان من الاقتناع بما يقول إلى درجة أنه وبعد ذلك بأكثر من 10 أعوام ذهل أمام النجاح الذي يحققه مواطنه شارل غونو بتلحينه أوبرا أخرى عن" فاوست" حققت من فورها نجاحاً فاق، ومن بعيد، النجاح النسبي الذي حققه عمله" لعنة فاوست".
وتقول سيرة حياة برليوز إنه حتى نهاية حياته لم يبرأ من ذلك الذهول وكان ينتابه غضب شديد حين يجرؤ أحد على الإشارة إلى أوبرا غونو أمامه.
ومن هنا لم يتردد كثر من النقاد والمعنيين عن القول بما معناه إن لعنة فاوست قد تحولت لتصبح لعنة برليوز.
واللافت في الأمر أن هذا الموسيقي الذي في زمنه وحتى في الأزمان كافة منذ ذلك الحين يعتبر من الطبقة الأولى في عالم الموسيقى الفرنسية، كان يغضب حتى حين يقال أمامه إن غونو هو في نهاية الأمر مؤلف عمل واحد فيما هو، أي برليوز صاحب أعمال كبيرة لا تعد ولا تحصى.
والحال أن في خلفية ذلك الموقف الذي صار لديه مع الزمن إلحاحاً وتركيزاً سيكولوجياً، يكمن إيمان برليوز وهو يشتغل طوال أعوام وأعوام على ذلك العمل الذي سيحمل في نهاية الأمر عنواناً لافتاً حقاً، بأنه سيبدع للبشرية عملاً موسيقياً يفوق في قوته العمل المسرحي الجبار الذي بناه غوته من حول تلك الشخصية التي كثيراً ما تعتبر الحركة الثانية في ولادة الإنسان كفعل إبداع، تالياً لدون كيشوت المعتبر الحركة الأولى.
ومن هنا لم يكن غريباً أن ينقل مؤرخو حياته ودارسو عمله، على مدى التاريخ الحديث، ما كان يقوله ويردده أواسط أربعينيات القرن الـ19 حين اشتغل حقاً وأخيراً، على ذلك العمل ولا سيما في مرحلة من حياته راح يتنقل خلالها بين مدن وسط أوروبا (فيينا وبراغ وبودابست وبرسلاو) التي تذكره في كل لحظة بفاوست وتطالبه بأن يموسقه بصورة أو بأخرى، لأن" تلك الشخصية لن تكتمل إن هو لم يشتغل عليها بموسيقاه"، يكون جوابه واحداً: " إن هذا العمل سيكون جديداً على عالم الموسيقى، هو عمل لا أتوقف عن الاشتغال عليه في كل لحظة وفي كل مكان، أصيغ ألحانه حيثما وحينما أتمكن من ذلك، سواء كنت جالساً في عربة، أو في قطار أو في مركب يمخر بي عباب الأنهر أو البحار، في السفن البخارية أو وسط زحام المدن المكتظة، على رغم عميق اهتمامي بالحفلات الموسيقية التي أجد نفسي مجبراً على تقديمها ومن ثم مجبراً على الاستعداد لذلك التقديم".
والحقيقة أن برليوز لم يكن مغالياً في ما يقول، تشهد على ذلك نتيجة العمل إذ، وبصورة نادرة، وبالتحديد كاستجابة لما وعد به منذ البداية، حرص حقاً على أن يكون العمل في نهاية الأمر تجديدياً حقاً، ولو من ناحية امتلائه بشتى الأنواع الموسيقية التي كانت معروفة في زمنه، أو مؤجلة للأزمان التالية.
وهكذا سيدهشنا اليوم أن نصغي إلى عمل تتناوب فيه شتى أنواع المارشات والحركات الموسيقية الدائرية والأغاني والفوغات وأغاني المهد والرقصات من نوع المينويت التي كانت ذات حضور هائل في ذلك الزمن إلى جانب الرقص الثنائي والثلاثي والفالسات، وما شاكل ذلك.
فالحقيقة أن برليوز ولكي ينجز هذا العمل إنجازاً نادراً، عرف كيف يستعين بكل الأنواع الموسيقية لاجئاً إلى أقصى درجات الإبداع لديه، وذلك إلى درجة أن عدداً كبيراً من الألحان التي تمر في لحظات أساسية من هذا العمل، ومنها بصورة خاصة اللحن المعروف بعنوان" أنشودة ملك تولي" ومثيله المعروف بعنوان لا يقل جمالاً عنه: " رومانس مرغريت" - وهما أغنيتان يلفت فيهما واحد بعد الآخر استخدام التوزيع الأوركسترالي، في أولاهما، آلة الآلتو منفردة بأدائها الصاخب، وفي الثانية آلة البوق الإنجليزي ذات البعد الحزين إلى درجة مطلقة، مما يجعل المتخصصين يعتبرون اللحنين من أجمل ما أنتجت تلك المرحلة في مجال الأداء الميلودي - سرعان ما صارتا مع الزمن وكل منهما بمفردها، على كل شفة ولسان.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)منذ البداية، إذاً، كان حرص برليوز واضحاً على أن يكون أسلوبه الأساس في تلحين هذا العمل، أوروبياً خالصاً، بل بالتحديد منتمياً إلى وسط أوروبا بعيداً من أية خصوصية إقليمية محلية، ولو كانت فرنسية.
ومن هنا يمكن النظر بإعجاب إلى إدماجه في" لعنة فاوست"، وهنا، بناء على نصيحة من صديقه و" أستاذه" الكبير فرانتز ليست، الذي تجلى كرمه تجاه الصديق الفرنسي بأن لفت نظره، إلى إمكان إدماجه في العمل ذلك اللحن الرائع" مارش راكوتزي" المستقى أصلاً من الفولكلور الشعبي المجري.
ولنذكر في هذا السياق أن برليوز حين قدم حفلته الكبرى في بودابست عاصمة المجر وكان لا يزال يشتغل، على إنجاز" لعنة فاوست"، أراد أن يجرب حظه في أداء ذلك المارش أمام جمهور يعرفه جيداً هو طبعاً الجمهور المجري، وكانت النتيجة مذهلة: لقد صفق الجمهور طويلاً لذلك الأداء وحيا برليوز بوصفه" مبدعاً أوروبياً حقيقياً".
ولا يمكننا أن نشك للحظة هنا بأن ذلك التشجيع زاد من اهتمام برليوز بالعمل ككل، حتى وإن كان يعرف أنه في هذا السياق قد يغامر بإثارة غضب الفرنسيين الذين قد لا يروقهم أن يبارح فنانهم المفضل، حظيرته الوطنية، ليصبح كوزموبوليتياً إلى هذه الدرجة، لكنه في الحقيقة سيصاب بدهشة كبيرة لاحقاً في باريس حين سيقدم العمل في العاصمة الفرنسية وليس بشكله المكتمل في قاعة الأوبرا كوميك - فهو لن يقدم للمرة الأولى كاملاً بحركاته الأربع إلا بعد ذلك بأعوام (1848)، في لندن قبل أي مكان آخر - بل على شكل مقطوعات كونشرتو مغناة.
وسبب دهشته كان بالتحديد استساغة الجمهور الباريسي تلك التوليفة الأوروبية البديعة التي سجلت، بداية الإبداع الموسيقي الأوروبي، ولو على حساب مكانة الموسيقي نفسه كمبدع فرنسي خالص.
دافعاً بذلك ثمناً باهظاً سيكون" ضحيته" بالنسبة إليه، مواطنه غونو الذي عرف من ناحيته كيف يكون فرنسياً خالصاً ولو في تلحين" فاوست" غوته كما يروق للفرنسيين!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك