يمكن القول إن أعظم انتصارات الإعلامي أنس بوخش في برنامجه الشهير ABtalks لم تكن في عدد المشاهدات بل في تلك اللحظة الاستثنائية التي نجح فيها في كسر عزلة القيصر كاظم الساهر وإقناعه بفتح أبواب روحه والحديث أمام الكاميرا بعد غياب طويل كانت تلك الحلقة علامة فارقة فهي ليست مجرد حوار بل وثيقة إنسانية نادرة ولعلها أقوى وأجمل ما قدم في تاريخ البرنامج على الإطلاق فحين نتحدث عن قيمة فنية وإنسانية بحجم كاظم لا نجد موازيا له في العصر الحديث إلا اذا استطاع اقناع جارة القمر فيروز هي ايضا علي الخروج من عزلتها والبوح بمكنونات قلبها كما فعل كاظمأطل علينا الساهر بجسم رياضي وبأناقته المعتادة وبحضوره الملفت، من خلال هذا اللقاء تحدث ببساطة شديدة ليس كفنان استثنائي فحسب بل كحالة إنسانية ملهمة تعيد تعريف معنى النجاح لم نكن أمام فنان يستعرض تاريخه بل أمام رجل اختزل صراعات الشهرة في هدوء غامض يسكن روحه وأثبت أن أثمن ما يملكه المبدع ليس تصفيق الجماهير بل قدرته على أن يظل هو بكامل هيبته وصدقه مع نفسه مهما اتسعت من حوله دوائر الشهرة واصبح في يده مفاتيح كل شئ،
مؤكدا ان النجاة في الاكتفاء وليس الأسراف،سر كاظم الذي كشفه لنا ذلك اللقاء يكمن في ذكائه ووعيه لقد أدرك مبكرا أن الشهرة فخ قد تجرف صاحبها إلى قاع الابتذال أو صحبة السوء فاختار بوعي نادر أن يأخذ منها القليل هو الرجل الذي أدار ظهره لكل ما يهدد جوهره ليحمي وهج موهبته من الاحتراق إن نجاحه الحقيقي لم يكن في الوصول للقمة فحسب بل في امتلاكه شجاعة الانسحاب كلما لزم الأمر ليحافظ على مساحته الخاصة بعيدا عن صراعات لا تغني ولا تسمن من جوعشجاعة الاعتراف والذي اعتبرها قوة فالهروب من سمات الجبن والضعف وانكار الاخطاء.
وما يجعلك تقف احتراما لهذا الرجل هو ذلك الصدق الجسور في الاعتراف.
لم يخجل كاظم من الحديث عن فقر طفولته الذي تشربه في مسامه ولا عن معاناته التي صقلت صوته وجعلت من أغانيه أنينا يلمس القلوب الأهم من ذلك كان اعترافه بأخطائه وندمه عليها وهو نضج لا يصله إلا الكبار.
الشجاعة هنا لم تكن في تجمل الصورة بل في كشف الندوب ليخبرنا أن الإنسان الحقيقي هو من يتصالح مع ماضيه لا من يتنكر له طمأنينة الروح النعمة الحقيقيةوفي غمرة حديثه عن الحياة كشف كاظم عن تلك الفلسفة البسيطة والعميقة في آن واحد فلسفة الطمأنينة لقد عبر بصدق عن أن أعظم نعمة قد يمتلكها المرء ليست ثروة أو جاها بل أن تغمض عينيك وتغرق في النوم وأنت تشعر بالأمان أن تنام مطمئنا لأنك محاط بمن تحب وموقن أن يدا محبة بجانبك تحرس ضعفك في نومك وتشعرك أنك في مأمن من أن ينالك أي مكروه هي لحظة صفاء انتزعها كاظم من بين أنياب الشهرة ليذكرنا أن السعادة في جوهرها سكينة وبحكمة فطرية استطاع كاظم أن يحافظ على دائرته الصادقة أصدقائه القدامى الذين أحبوه قبل أن يعرف القيصر الشهرة أو المال وظل متمسكا بهم كمرساة حقيقية تحميه من تقلبات الزمن هيبة الحضور والنجاة بالروحفي أي مكان يحل فيه كاظم يحضر معه هيبة تشبه وقار السنين وحكمة التجارب لقد قدم لنا درسا بليغا أن أعظم انتصار يحققه البني آدم ليس فيما يحققه للناس من نجاحات مادية بل في النجاة بنفسه من نفسه كاظم الساهر لم يعد مجرد مغن يغني للحب بل صار صوتا للنزاهة وعلامة فارقة في زمن شحت فيه القدوة هو الباقي على عرشه لأن روحه التي رفضت السقوط في فخاخ الغرور وهي من احتفظت له بمقعد القيصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك