يستعد دانا وايت، الرئيس التنفيذي لمنظمة بطولة القتال النهائي «UFC»، لتقديم ما يصفه بتحفته الفنية على أكبر مسرح في تاريخ الرياضات القتالية ليلة الأحد المقبل.
وشكلت منظمة UFC والرئيس الأميركي دونالد ترمب، تحالف ثقافي في السياسة الحديثة، مما ساهم في نقل فنون القتال المختلطة «MMA» من هامش الرياضات الأميركية إلى دور بارز ومحوري يتزامن مع الذكرى السنوية الـ250 لتأسيس البلاد، وعيد ميلاد ترمب الـ 80، حسبما نشرت «أكسيوس».
كانت بطولة القتال النهائي «UFC» بالنسبة لترمب، بمثابة شريان حياة سياسي واجتماعي بعد انتخابات عام 2020، وأحداث يوم 6 يناير التي جعلت منه شخصية مكروهة لدى قطاع عريض من الشركات والمؤسسات الأمريكية.
وفي تلك المرحلة، عمد دانا وايت إلى إحضار ترمب للجلوس مباشرة إلى جانب الحلبة، معيدًا تقديمه كرمز مناهض للمؤسسة والمنظومة التقليدية أمام جمهور شاب، وهو الجمهور الذي ساعد لاحقًا في دعم عودته السياسية عام 2024.
وكانت غريزة ترمب تدفعه بانتظام للعودة إلى حلبة القتال في أوقات ضعفه القانوني القصوى، فبعد أيام قليلة من توجيه أول لائحة اتهام جنائية إليه في عام 2023، سجل ظهورًا علنيًا في بطولة «UFC 287» في مدينة ميامي.
وبعد يومين فقط من صدور حكم إدانته القضائية في عام 2024، اختار الظهور علنًا للمرة الأولى في بطولة «UFC 302» التي أقيمت في نيوارك بولاية نيو جيرسي.
في المقابل، تزامنت عودة ترمب مع سلسلة من المكاسب التجارية والسياسية البارزة لمنظمة UFC، شملت توقيع صفقة حقوق بث ضخمة بقيمة 7.
7 مليار دولار مع شبكة «باراماونت»، وإبرام شراكات جديدة مع مكتب التحقيقات الفيدرالي «FBI» ووزارة الخارجية الأميركية، وصولاً إلى تنظيم ليلة قتال تاريخية في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض.
وأفادت شركة «TKO»، وهي الشركة الأم لمنظمة UFC، بأن الحدث المرتقب سيكلف المنظمة أكثر من 60 مليون دولار، مما سيؤدي إلى تسجيل خسارة مالية ملموسة على الورق.
ووصف رئيس شركة TKO، مارك شابيرو، هذا النزال، وهو أول حدث رياضي احترافي يقام على الإطلاق في مقر البيت الأبيض، بأنه أعظم أداة تسويقية مكتسبة على مر العصور.
أحاط بحدث «UFC Freedom 250» الكثير من الجدل والفضول العام منذ وقت طويل وقبل البدء في أعمال بناء الهيكل الفولاذي المعروف باسم «المخلب»، والذي يبلغ ارتفاعه 92 قدمًا ويرتفع حاليًا فوق الحديقة الجنوبية.
وينقسم التقييم حول الحدث إلى أبعاد رئيسية، فبالنسبة للجماهير، تمثل فنون القتال المختلطة حل المشكلات على مستوى عالي مع عواقب جسدية وخيمة، وهي بمثابة مباراة شطرنج لكامل الجسم تدمج مهارات الملاكمة، والكيك بوكسينغ، والمصارعة، والجيو جيتسو، وتحمل الألم في اختبار وحشي للإرادة.
ويجسد الأبطال الذين سيخوضون النزالات يوم الأحد المقبل، من الجورجي الإسباني إيليا توبوريا إلى البرازيلي أليكس بيريرا، الصعود العالمي لهذه الرياضة وتطورها التقني وقدرتها السينمائية على إنهاء النزالات بالعنف المفاجئ.
أما بالنسبة للنقاد، فلا تزال اللعبة مشهدًا دمويًا مرتبطًا بأشكال الذكورة المفرطة، مما يجعل وصولها إلى البيت الأبيض أمرًا صادمًا، وأخيرًا الجانب الترويجي، حيث بنت منظمة UFC إمبراطورية رياضية عالمية عبر العمل كحارس بوابة السوق النهائي، محققة أرباحًا هائلة للشركات رغم مواجهتها دعاوى قضائية لمكافحة الاحتكار ومزاعم قمع أجور المقاتلين.
ويرى منتقدون أن العدالة الداخلية تتشوه بالمحسوبية التنفيذية واختيار المتنافسين، وهو ما يسخر منه المشجعون علنًا باسم «امتياز دانا وايت».
كما ربطت هذه الاستراتيجية التجارية المنظمة بأنظمة استبدادية تستخدم رياضات القتال لتبييض صورتها، مما يضفي حيزًا من السخرية على شركة تلتف اليوم بعلم الاستعراضات الأميركية.
يصر دانا وايت على أن النزال سيكون حدثًا وطنيًا لا سياسيًا، واعدًا بسرد قصة أميركا عبر مشاهد تاريخية بين النزالات، غير أن التفاصيل اللوجستية والمالية تشير إلى ارتباطها الوثيق بشخص ترامب، إذ ستقام المباراة يوم الأحد في استراحة نادرة عن إيقاع مباريات السبت المعتادة، ليتزامن التوقيت مع «يوم العلم» الذي يصادف أيضًا عيد ميلاد ترمب الثمانين.
ويحمل المكان علامة تجارية تابعة لعالم ترمب «الحرية 250»، ويرافق الحدث سك عملات تذكارية تحمل صورته وتصل أسعارها إلى ما يقرب من 12 ألف دولار، فضلاً عن تحكم ترمب شخصيًا في نحو 1400 مقعد من أصل 4300 مقعد متاح في الحديقة الجنوبية.
وعندما سُئل وايت عن سبب كون فنون القتال المختلطة أول رياضة تصل للبيت الأبيض، أجاب: «إنها واحدة من الرياضات المفضلة لدى الرئيس، وهذا يساعد».
تشير البيانات إلى أن الجمهور العام غير مقتنع بالخطوة، حيث أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة «YouGov» أن 51% من الأميركيين لا يوافقون على إقامة بطولة «UFC Freedom 250» في البيت الأبيض، في حين أبدى 17% فقط موافقتهم عليها.
وفي السياق ذاته، رفعت مجموعة رقابية دعوى قضائية لوقف الحدث، بحجة أن الإدارة وافقت على تنظيم عرض خاص فوق أرض تابعة للمتنزهات الفيدرالية دون خضوعها للمراجعة القانونية المناسبة.
وحتى في أوساط القاعدة الجماهيرية لمنظمة UFC المؤيدة لترمب، بدأت تظهر بعض التصدعات في التحالف الثقافي، إذ غمر المشجعون المنشورات الترويجية المخصصة للحدث بشكاوى وتساؤلات حول ملفات سياسية واجتماعية شائكة، من بينها الموقف من إسرائيل وملفات إبستين، وغيرها من القضايا التي اعتبروها خيانات للمبادئ الشعبوية التي يمثلها ترمب.
تعكس رحلة اتحاد الفنون القتالية المختلطة وصولاً إلى حديقة البيت الأبيض الصعود غير المتوقع لـ ترمب نفسه، ففي عام 1996، حث السيناتور الراحل جون ماكين جميع حكام الولايات الخمسين في الولايات المتحدة على حظر بطولة القتال النهائي في بداياتها واصفًا إياها بـ«الوحشية»، مشبهًا هذه الرياضة بـ«مصارعة الديوك البشرية».
وفي ذلك الوقت، كان ترامب قطبًا بارزًا من أقطاب الكازينوهات وشخصية شهيرة في الصحافة الشعبية، وكان يصقل نفس الغرائز القائمة على الاستفزاز، والاستعراض، وحب البقاء التي دفعت به لاحقًا إلى سدة الرئاسة.
ولطالما صور دانا وايت، ترمب على أنه أحد الشخصيات القوية القليلة التي أدركت القيمة التجارية والرياضية لبطولة القتال النهائي «UFC» عندما تراجعت المؤسسات الأميركية التقليدية عن دعمها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك