تشهد إيطاليا، اليوم الجمعة، إضراباً وطنياً واسعاً في قطاع الثقافة يشمل المتاحف والمسارح والمكتبات ودور المحفوظات والمواقع الأثرية، في تحرك تنظمه نقابات عمالية وهيئات مهنية وجمعيات ثقافية مستقلة، ويُعد من أكبر التحركات الجماعية التي يشهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة، بالنظر إلى اتساع نطاقه وتعدد الجهات الداعية إليه وتنوع المدن المشاركة فيه.
ينطلق هذا الإضراب من تراكم طويل لاحتجاجات مرتبطة بشروط العمل داخل المؤسسات الثقافية، حيث تشير المعطيات التي تداولتها منظمات مهنية وتقارير متخصصة إلى انتشار واسع للعقود المؤقتة والعمل غير المستقر، إضافة إلى مستويات أجور متدنية في عدد كبير من الحالات، إذ يتقاضى جزء كبير من العاملين في المجال الثقافي أجوراً تقل عن 8 يوروهات في الساعة.
ويُضاف إلى ذلك ما يعتبره العاملون غيابًا للضمانات الاجتماعية الكافية وضعفًا في الحماية المهنية داخل فضاءات العمل الثقافي.
يشمل التحرك مدناً رئيسية، من بينها روما وميلانو والبندقية ونابولي وتورينو وبولونيا وفلورنسا، مع توقع اضطراب واسع في حركة زيارة المتاحف والأنشطة المسرحية والبرامج الثقافية اليومية، إضافة إلى احتمال إغلاق جزئي أو كامل لعدد من المؤسسات تبعاً لنسبة المشاركة في الإضراب داخل كل منشأة.
يحمل الإضراب أيضاً بعداً مرتبطاً بنقاش أوسع حول موقع الثقافة في السياسات العامة الإيطاليةويحمل الإضراب أيضاً بعداً مرتبطاً بنقاش أوسع حول موقع الثقافة في السياسات العامة الإيطالية، حيث تطرح مجموعات مشاركة تساؤلات حول أولويات الإنفاق العمومي، في سياق يشمل انتقادات موجهة لتزايد الاستثمار في قطاعات عسكرية على حساب دعم البنية الثقافية والاجتماعية.
ويأتي ذلك ضمن خطاب أوسع تتبناه بعض الشبكات الثقافية المستقلة التي ترى أن أوضاع العمل داخل المؤسسات الفنية لا يمكن فصلها عن طبيعة السياسات الاقتصادية العامة.
وتبرز في هذا السياق مطالب متعددة صادرة عن الهيئات المنظمة، تشمل تنظيم العمل التطوعي داخل المؤسسات الثقافية، وضمان حقوق الإجازات المرضية لجميع العاملين، وتعزيز الحماية من أشكال التمييز والعنف في أماكن العمل، إلى جانب المطالبة بتحسين شروط التعاقد وتوسيع نطاق الاستقرار الوظيفي، في قطاع يعتمد بدرجة كبيرة على التشغيل المؤقت والمشاريع قصيرة المدى.
ويأتي هذا الإضراب بعد موجة احتجاجات سابقة شهدتها فعاليات فنية كبرى، من بينها بينالي البندقية، حيث برزت تحركات لافتة داخل الأوساط الثقافية الإيطالية ضد أوضاع العمل السائدة، ما أدى إلى توسع دائرة النقاش حول العلاقة بين المؤسسات الثقافية والعاملين فيها، وحول طبيعة التمويل العام والخاص الذي يوجه لهذا القطاع.
اقتصادياً، يُعد القطاع الثقافي أحد الأعمدة المهمة في الاقتصاد الإيطالي، إذ يوفر مئات الآلاف من فرص العمل ويسهم بشكل معتبر في الناتج المحلي الإجمالي، غير أن هذا الثقل الاقتصادي لا ينعكس بصورة متوازنة على ظروف العاملين، وفق ما تؤكده تقارير نقابية ودراسات ميدانية تشير إلى استمرار الفجوة بين قيمة القطاع الاقتصادية ومستوى الاستقرار المهني داخله.
وفي موازاة ذلك، يكتسب الإضراب الحالي بعداً رمزياً يتجاوز حدود المطالب المهنية المباشرة، إذ يعكس حالة تعبئة متزايدة داخل أوساط العاملين في الثقافة، ويدفع نحو إعادة النظر في بنية العمل الثقافي في إيطاليا، وفي العلاقة بين المؤسسات الثقافية والدولة، وفي موقع العامل الثقافي داخل منظومة الإنتاج الفني والمعرفي.
ومع اتساع المشاركة وتعدد الجهات المنخرطة، يترقب الفاعلون في المشهد الثقافي الإيطالي ما إذا كان هذا التحرك سيؤسس لمسار تفاوضي جديد حول إصلاح شروط العمل داخل القطاع، أم أنه سيظل حلقة ضمن سلسلة من الاحتجاجات التي تعكس أزمة ممتدة في بنية التشغيل الثقافي على مستوى وطني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك